يدخل العراق عامه السابع بعد أن نجح الاحتلال الأميركي وأعوانه في تفكيك المجتمع والدولة العراقية، فقد خلّفت سنوات الاحتلال الست أكثر من 2,5 مليون قتيل وجريح ومعاق ونحو4 ملايين مهجر داخل العراق وخارجه، وأكثر من 3 ملايين أرملة، والأرقام هذه طبعا مرشحة للزيادة في كل لحظة أضف إلى ذلك الكلفة المادية للحرب التي تتراوح مابين 600و700 بليون دولار.
ومن أجل إقامة حياة ديمقراطية كما زعمت أميركا وما تزال تزعم ذلك، ذُبح المجتمع العراقي وها هي السنوات الست العجاف تمر على الاحتلال الأميركي للعراق، وها نحن نجد أنفسنا أمام صورة لعراق لم يبق منه غير الاسم وخارطة لها حدود واضحة مع الدول المجاورة، لكنها في الداخل ليست كذلك.
هذا هو الإنجاز الأميركي الضخم في العراق، لقد شاهد العالم الحضارة الأميركية والتقدم الأميركي والأخلاق الأميركية واضحة في العراق، فعلاً إنه إنجاز ضخم يستحق الإشادة! فالكل في الداخل يتناحر، وكل جهة من القوى المستأثرة بالمشهد تريد قضم المزيد من العراق الممزق لتوسيع مساحتها ومغانمها العرقية والطائفية والحزبية، وبأي ثمن كان، والمجتمع العراقي هو الضحية وهو الذي يدفع الثمن.
لنترك الأرقام تتحدث عن الواقع المأسوي الذي وصل إليه العراقيون بعد تفكيك الدولة العراقية. وتلك الأرقام ليست من قوى معادية للديمقراطية العراقية الناشئة التي تديرها  الحكومة العراقية من وراء حصون المنطقة الخضراء، بل هي أرقام حكومة مَن جاء على الدبابة الأميركية، فقد جاء في آخر إحصاء لوزارة التخطيط أن في العراق 3 ملايين أرملة تتراوح أعمارهن بين 23 و80 عاما.
وتشكل الشابات اللواتي تقل أعمارهن عن 30 عاما نسبة 40 في المئة منهن، والأرامل الشابات، على ما تقول وزيرة شؤون المرأة يصل عددهن إلى مليون ونصف المليون، معظمهن ضحايا ما بعد الغزو عام 2003.
وعدد الجرحى والمعاقين مجهول أيضاً. تقدره منظمات مختصة بنحو مليون ونصف المليون معاق وجريح لم يحصلوا على حقهم من الرعاية. الاحتراب الطائفي خلف نحو 4 ملايين نازح ومهجر داخل العراق وخارجه خلال سنوات الاحتلال وتقلص العدد إلى نحو مليونين ونصف المليون.
وعن الفساد في ملف إعمار العراق حدث ولا حرج، فقد شهد هذا الملف عمليات فساد واسعة بدأت في عهد الحاكم المدني الأميركي بول بريمر الذي فقد العراق في عهده أكثر من تسعة بلايين دولار، قدمتها الدول المانحة. وتضخّم الفساد بعد ذلك، على رغم تعاقب ثلاث حكومات عراقية!
ويفيد التقرير الذي أعده المفتش العام ستيوارت بوين، أن المشاريع التمهيدية الضخمة لإعادة بناء العراق تميّزت بالإهدار والإخفاقات الناجمة عن "التخطيط الأعمى والمفكك"؟ ويعترف التقرير بأن عملية إعادة الإعمار كانت "انتكاسة كبرى" في ظل ارتفاع منحنى الفشل في قدرة كبرى شركات الإنشاءات الهندسية الأميركية على إنجاز المشاريع المكلفة بها على مدى ست سنوات مضت.
المراقب للمشهد العراقي اليوم يستطيع أن يرى إلى أين سوف تؤدي نتائج الاحتلال تلك في أبعادها الاجتماعية والسياسية التي رسخت الانقسام والتفكيك في المجتمع العراقي عبر نظام المحاصصة التي قام عليها تشكيل كل من البرلمان العراقي ومؤسسة الرئاسة والحكومة العراقية اعتمادا على التقسيمات الطائفية والدينية والقومية. إنها تتجه بنظام الحكم، وبنَص الدستور العراقي إلى لبننة العراق بكل ما يحمله ذلك من مخاطر مستقبلية.
العراق لم يواجه قط أي تهديد حقيقي بالانقسام، مثلما هي الحال اليوم، منذ أن ظهر إلى حيز الوجود في عام 1921 تاريخ تتويج الأمير فيصل الأول ملكا على عرش العراق.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن