النتيجة الطبيعية أن ينحاز الملك لضمير الشعب، وغير الطبيعي هو الاستمرار في التعنت بالتعامل مع الحراك الشعبي. فالنهاية التي وصلت إليها قضية معتقلي الطفيلة والدوار الرابع إذ تثبت مركزية الملك في حسم مصير الإصلاح، فإنها تؤكد حاجتنا إلى إعادة قراءة شرعية حركة الاحتجاج من زوايا متعددة ومختلفة عن المنظور التقليدي الذي ساد خلال الفترة الماضية.
تعد الطريقة التي أنهى بها الملك قضية المعتقلين استمرارا لتقاليد الملوك الأردنيين على مدى عقود، وتحديدا حينما يمسهم الأمر. ولكن المسألة تثبت من جديد نمطين من الشرعية: أولهما، شرعية الحكم القادر على استيعاب الناس وهمومهم وإيقاف التطرف الرسمي قبل الشعبي؛ وثانيهما، شرعية الناس في التعبير عن رفضهم للفساد والتهميش السياسي.
كلنا مع الحراك، وفي المقدمة الملك نفسه. وهنا على الحركة الاحتجاجية الوطنية أن تستعد لميلاد شرعية جديدة للحراك، تضيف الكثير لكل ما حققته خلال الشهور الماضية؛ شرعية جديدة تستطيع أن تقدر الموقف باحتراف سياسي حقيقي. ولا يعني ذلك أن تقلل من سقف مطالبها الوطنية، ولا أن تتكيف وتبحث عن الأعذار للحكومة ومؤسساتها؛ الشرعية الجديدة للحراك تعني القدرة على التنظيم وتقديم الحلول والبدائل والمناورة السياسية المحترفة، لا أن يزرع الحراك ويحصد الآخرون.
حراك الطفيلة وقبله حراك ذيبان، وقبلهما موجات الحركات الاحتجاجية الوطنية التي شهدتها معان ومدن أردنية أخرى على مدى سنوات طويلة -إذ تمر هذه الأيام ذكرى "هبة نيسان" التي غيرت وجه الأردن المعاصر- تثبت مدى ارتباط الإصلاح السياسي بالعدالة التنموية. وهو الدرس الذي لم تتعلمه الدولة الأردنية للأسف، وما تزال تكرر نفس الأخطاء. فبعد 23 عاما من الحركات الاحتجاجية، لم نصل إلى منظور وطني قابل للتطبيق بهدف إصلاح الاختلالات التنموية العميقة، ما جعل من المنطقي أن تتحول قضية الفجوة التنموية إلى قضية سياسية تصب في الإصلاح السياسي مباشرة.
الإصلاح الحقيقي يحتاج روحا إصلاحية. وهذه الروح تبنى على التفاهمات والتوافق الوطني، والإيمان بمنظومة الحقوق. ولنتصور ماذا يعني لو استمر انغلاق الأفق السياسي لحل قضية المعتقلين، وماذا سيجني التطرف أكثر من مزيد من التطرف؟ الشارع رصيد للجميع، والإفراط في استخدامه والصراع حوله يفقده قدراته الحقيقية، ويجعله مجرد ساحات رخوة يستثمر فيها من يشاء، أو قد يتعبه ويفقده الثقة في نفسه. كلنا مع الحراك، من أجل تسريع خطى الإصلاح، والتقليل من النزف اليومي الذي ندفع ثمنه جميعا، وتدفع ثمنه الأجيال القادمة كل يوم نتأخر فيه. وكلنا مع الحراك كي يكون جزءا من الحل، وليس مجرد جزء من الأزمة فقط.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد