ثمة لغة جديدة حملها تقرير منظمة العفو الدولية بما يخص ما حدث في عالمنا العربي. تلك اللغة التي لخصت الموقف في العالم العربي بأنه على حد السيف. هذه خلاصة التقرير الأخير الذي صدر عن المنظمة؛ فالناس بحسب الأمين العام للمنظمة يرفضون الخوف، أناس شجعان يتقدمهم بدرجة كبيرة شبان هبوا وعبروا عن آرائهم في وجه الرصاص والضرب والغازات المسيلة للدموع والدبابات. وأضاف أنه منذ انتهاء الحرب الباردة لم يواجه هذا العدد من الحكومات القمعية مثل هذا التحدي لمعاقلهم في السلطة.
ويبدو أن التقنيات الجديدة في عالم الإعلام هي التي أعطت قوة للتقرير. وبالتالي انعكست تقنيات الإعلام تلك على قوة التغيير ذاته في العالم بأسره. فعلى مدى 50 عاماً، أخذت منظمة العفو الدولية تستكشف آفاق التقنيات القادرة على تمكين العاجزين عن إسماع صوتهم للدنيا. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما حدث  من نشر لكم هائل من الوثائق من خلال موقع "ويكيليكس" خلق مكاناً يسهل الوصول إليه من قبل جميع من يفشون الأسرار في شتى أرجاء العالم، وأثبت قوة هذا المنبر بنشر وإعلان الوثائق الحكومية السرية والمُتكتم عليها. 
وبحسب تقرير المنظمة، فان الأمر تطلب جهود الصحافيين التقليديين والمحللين السياسيين الذين خاضوا في هذه البيانات "الأولية"، وفحصوها ثم حللوها وصولاً إلى الأدلة على الجرائم والانتهاكات التي تتضمنها هذه الوثائق. وانتفع النشطاء السياسيون بقوة هذه الوثائق باستخدام أدوات اتصالات أخرى جديدة، أصبحت تُتاح اليوم بسهولة على الهواتف المحمولة وعلى المواقع الإلكترونية للشبكات الاجتماعية، في إخراج الناس إلى الشوارع مطالبين بالمساءلة.
باختصار شديد، ومع أهمية المخرجات التي خرج بها التقرير، إلا أن قوة الإعلام تشكل مفتاح التغيير الأساسي في العالم بأسره، وهذا ما اختبره عالمنا العربي. ولكن يبدو أن كثيرين لم يستوعبوا الدرس بعد، فثمة عالم جديد يتشكل، ولم  يعد عالم الأسرار الداخلي الذي يغطي وجه البشاعة التي تنتهك بحق الإنسان يمكن له أن يستمر طويلا ويستمر السكوت عن تلك الانتهاكات وعدم الولوج إلى لب المشاكل المجتمعية والسياسية والاقتصادية، وهذا العالم يؤدي إلى تقويض أركان السلطات القمعية التي تحاول أن تتستر على قمعها بالضحك على الذقون عبر الحديث عن التآمر الخارجي.
وبدل الحديث عن تلك الاسطوانة المشروخة، الأجدى أن يتم الحديث عن التصالح مع الداخل، ونشر الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والتداول السلمي للسلطة، وهي الضمانة الوحيدة للتنمية  التي تصنع المستقبل الأفضل وديمومة السلطة.
حالة الانكفاء على الذات لم تعد هي الحل، فالعالم بفضل التقنية والتوق إلى الحرية والكرامة أصبح يعبر عنه من خلال صندوق صغير يحمله معه الفرد إلى كل مكان، ويخاطب به كل الناس بلغاتهم الأصلية، بما يسمح بنشر الأمل بأن عالم الغد لن يكون كعالم الأمس حيث كانت الحقيقة لا وجه لها!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن