بعد "غزوة منهاتن" التي كانت نتيجتها الرئيسة أن ضربت العالم الإسلامي في العمق، بدأ الصراع في العالم العربي يتخذ وجها آخر، قادته القوى الغربية، ولكن هذه المرة بأدوات إسلامية المنشأ. ومنذ تلك اللحظة والعالم العربي يشهد الكثير من التحديات والمشاكل والأزمات التي أثرت بشكل سلبي على الواقع السياسي، وانعكست ثقافيا واجتماعيا على حركة المجتمع، وأصبح العقل مرهونا بمقولات وتحليلات خارج سياق الواقع.
ومع الربيع العربي غير المكتمل، دخل العرب في دوامة العنف والاقتتال الداخلي بسبب مواقف بعض الأطراف ذاتها التي عطلت حركة المجتمع وتطوره من الوصول للسلطة، عبر مقولات تاريخية ليست واقعية تبرر سلطة الاستبداد التي رفضها المجتمع. وساهمت هذه القوى الجديدة-القديمة، كما في الحالتين التونسية والمصرية، في خلق الأزمات والمشاكل المتكررة، بهدف فرض الرأي الخاص، والحصول على مكاسب مهمة، وتحالفت مع الحلف الغربي الصهيوني كما في الحالة السورية لتحقيق تلك المكاسب!
ولو قيض للحراك العربي الشعبي أن يأخذ مدياته، فإنه سيتحول إلى عداء ومقاومة في وجه الانحناءات التي فرضت على الأمة، من خلال الاتفاقات المذلة مع الأجنبي والمعاهدات مع إسرائيل؛ فقد حمل الحراك بذور التحدي ومقدمات السير في طريق الانعتاق والكرامة، ولهذا سارعت وعلى الفور بعض القوى التي تعيش في رعاية وحماية دول الغرب الرأسمالي إلى فرملة الحراك العربي، والانقلاب على بداياته، وزجره وقمعه، وتسليم زمامه إلى قوى لا تشكل خطرا على الوضع القائم، كما حصل في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، بحيث يصبح الوضع في العالم العربي تحت السيطرة ولا يخرج عن إطار الهيمنة المرسوم سلفا.
وسارعت هذه القوى إلى استغلال الحراك الشعبي في سورية، وبدأت في حرف مسار الحراك الجماهيري الواسع والراغب في الإصلاح والتغيير، وتوجيهه شيئا فشيئا نحو حرب أهلية تدمر سورية وتجوفها من الداخل، وتدمر مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية، للعودة بسورية دولة ممزقة كما الحالة العراقية، وتفتيتها طائفيا لتعود إلى مرحلة ما قبل الدولة. والكل يعرف أنه إذا كانت سورية في خطر، فإن مجمل المشروع العربي نحو المستقبل سيكون في خطر، وذلك بعد أن أزيح العراق ومصر، وتمت الهيمنة على نتائج الحراك الشعبي في تونس وليبيا واليمن. 
"غزوة منهاتن" فتحت المجال لإعادة إنتاج القوى المفصلة تفصيلا أميركيا جديدا، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة؛ فنحن نراها فرقا محمولة تطير إلى كل بقعه يعتقد السيد الأميركي والغربي عموما أنها تصلح لأن تكون ساحة معركة.
ما حدث في العالم العربي جعلنا شهود عيان على أن الثوار ليسوا من يجنون ثمار الثورة، إذ يأتي بعد عهد الثوريين عهد الانتهازيين، وبعد الملحمة يأتي عهد خيبة الأمل؛ ففقراء سيدي بوزيد يعودون إلى فقرهم، ويعود سكان المقابر في القاهرة إلى مقابرهم، فلا حلول جذرية لمشكلاتهم!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن