عجزت أقلامنا وأقلام غيرنا على امتداد الوطن العربي، عندما كتبنا عن الربيع العربي، وفرحنا به وبنتائجه الأولى عندما فرَّ هاربا دكتاتور تونس وضاقت عليه الارض بما رحبت به.
وتنحى مبارك عن عرشه العتيد، فيما عُثِرَ على معمر القذافي مختبئا في سرت مسقط رأسه وقُتل شر قتلة، وأطيح باليمني علي عبد الله صالح وأجريت انتخابات رئاسية شعبية مقبولة، وتواصل المد المنتفض الى معظم ربوع العرب، بل والى الشرق الاوسط وبعض الدول الأوربية!
لإلقاء نظرة حيادية متفحصة على ما جرى، بعد الفورة الأولى لما سمّيَ بالربيع العربي، لابد أن نشير إلى الإفرازات البيّنة التي تؤكد بما لا يقبل الشك انحراف قطار الربيع العربي من سكة الحرية، الى سكة القمع والتكميم وكبت الحريات. والانتخابات التي حدثت لم تعكس الإرادة الحقيقية لشعوب الدول التي جرت فيها هذه الانتخابات، إذ ما تزال حالة الإرباك والفوضى والعشوائية، تسيطر على نبض الشارع بل نبض الحياة كلها. وما تزال شعوب الربيع غير المنجز في مصر واليمن وتونس تعيش صدمة ما حدث، وتعاني من القهر الدكتاتوري للأنظمة المطاح بها، ومن المؤكد أنها - حين أُجريت الانتخابات- كانت ما تزال تحت ضغط ردة الفعل للقمع الماضي، لذا وجدت نفسها مجبرة أمام خيار واحد، هو خيار الأحزاب الاسلامية، فصعدت إلى الحكم جماعات سياسية إسلامية متشددة، لم تجرب إدارة السلطة السياسية سابقا، ولا تعترف بآراء غيرها، وتشعر أن فرصتها في استثمار السلطة ومزاياها إلى أقصى ما يمكن قد سنحت لها الآن، لذا بدأت أولى خطواتها باتخاذ وتطبيق منهج تعطيل الحريات والرأي ومحاصرة الصوت الآخر، وتشريع ما يلزم من الخطوات التي تؤدي إلى محاصرة بل وقتل الدولة المدنية تماما، وفرض الحكومة الإسلامية ذات الاتجاه التقليدي الأحادي الذي لا يعترف بغيره من الآراء والأفكار والمبادئ والخيارات.
توضّح هذا بصورة جلية في مصر، حيث بدأ رئيسها باتخاذ بعض الخطوات التي تستهين بالقضاء من خلال إلغاء قرار المحكمة الدستورية، التي حلّت مجلس الشعب، ليعيده الرئيس إلى العمل، متحديا بذلك سلطة الدستور في أولى الخطوات اللادستورية التي يقدم عليها، لتتوالى بعد ذلك سلسلة من الإجراءات التي تحاصر الأفكار الأخرى، والفن والمنظمات الثقافية، وكل ما يمت بصلة إلى الدولة المدنية، يحدث الشيء نفسه في تونس على مستوى أقل وضوحا، حتى أصبح حلم إقامة الدولة المدنية مستحيلا!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن