في غمرة إنشغال العرب بربيعهم، الذي جاء مصحوبا بريح صرصر عاتية، جفت فيها احتمالات المضي نحو المستقبل بخطى واضحة، نحو التقدم والمعرفة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، نسينا أو تناسينا عن عمد، قضيتنا المركزية فلسطين المحتلة.
وبدا المشهد العربي مشهدا فوضويا عاجزا عن تجاوز مشاكله الداخلية، وأصبحنا مشغولين بقضايا تفصيلية، نجح أعداء الأمة فيها في تحقيق مصالحهم، عبر إبقاء الصراع العربي في الدول العربية مفتوحا في داخله على صراع بين أبناء البلد الواحد والملة الواحدة، وبدأت تبرز الدعوات المنقرضة من سنة وشيعة وعلويين ومسيحيين وأرمن وأكراد وعرب وبربر، وتصدّر المشهد الذي اكتسب طابعا فوضويا ودمويا في أحيان كثيرة.
ولم تكن هذه وحدها حدود الشلل الذي أصاب مفاصل الأمة، بل تجاوزها الى خطاب ديني، يساند هذه المشاريع التفكيكية، وبدت الفتوى العجيبة بالظهور "كفتوى جهاد المناكحة" التي لم يشهد التاريخ لها مثيلا إلا في حركة الحشاشين، التي كان يوهم بها الحسن بن الصبَّاح أتباعه في قلعة ألموت بأنهم في الفردوس؛ ويتنعمون بما لذ وطاب من المأكل والمشرب والغناء والنساء، وبعدها ينزعون من فردوسهم الأسطوري ليقوموا بعمليات القتل والاغتيال طمعا في العودة إلى فردوسهم!
هذا الواقع المرير جعل من فلسطين غائبة عن الوجدان العربي، وأصبح العدو الصهيوني يسرح ويمرح فيها كيفما شاء دونما رادع، وازدادت أعداد المستوطنات، ومشروع تهويد القدس جارٍ على قدم وساق، ونحن نلملم جراحاتنا في أوطاننا التي غفلت عن ربيع لم يعد ربيعا.
 إن الريح العاتية أكلت الأخضر واليابس وبتنا ننتظر ولادة دول جديدة اشد تفككا من تلك التي صنعتها سايكس بيكو واكثر تناحرا ودموية، وتربع الغرب والولايات المتحدة والعدو الصهيوني مرة أخرى على ثروات الأمة، ونحن نصفق لهذا المشروع التحرري الذي يخدم تفكيك مجتمعاتنا ويعمق الهوة بين مكوناته.
والويل والثبور لكل من يقول إن الربيع العربي لم يستفد منه إلا العدو الصهيوني وأعداء الأمة، فستجد المناضلين الجدد الذين يرفلون بنعم الليبرالية وأخواتها، يرعدون ويزبدون ويكيلون التهم، تدعمهم ميليشيات الفتاوى الجاهزة للانقضاض والتبرير. في مؤتمر الدوحة، وقرر المؤتمرون تزويد المعارضة السورية بالسلاح، أما فلسطين فقد كان حضورها خجلا، وتنادى الساسة العرب بدعمها ماليا، وكأن قصة التحرير لفتها عاديات الزمن وأصبحت نسيا منسياً!
في الذكرى السابعة والثلاثين ليوم الأرض يرفض الفلسطينيون القابضون على الجمر، أي وجود لسلطة الاحتلال ويدافعون عن أرضهم كما خلقهم الله مقاتلين مناضلين عروبيين لا تشغلهم عن قضيتهم سوى قضيتهم، ويبتهلون للعلي القدير أن لا تسلب أراض عربية أخرى.
 أفاعي التقسيم تطل برؤوسها من جديد، وبثوب قديم خبرناه منذ ما يزيد على قرن، ولكننا شعوب اعتادت على الخديعة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن