تدل جميع المؤشرات إلى أننا سوف نشهد صيفا حاراً؛ تتزامن فيه شدة الحرارة مع ما أعلنه صندوق النقد الدولي، في تقرير المراجعة الأول لبرنامج التصحيح الاقتصادي المبرم مع الحكومة، بأن البرنامج يتضمن زيادة على تعرفة الكهرباء منتصف العام الحالي، تهدف إلى خفض خسائر شركة الكهرباء الوطنية بمعدل 115 مليون دينار (160 مليون دولار)!
الحلول التي يقترحها صندوق النقد برفع أسعار الكهرباء، لن تبقى عند هذا الحد؛ فكل القطاعات الخدماتية (مستشفيات، وفنادق، ومقاهي، ومطاعم.. إلخ) سترفع أسعارها نتيجة لهذه الزيادة. والنتيجة في المحصلة النهائية، تطال جيب المواطن الذي لن يستطيع تحمل أدنى حد من الزيادة، سواء في أسعار الكهرباء أو غيرها.
فالوصفة السحرية لحل مشكلة خسائر شركة الكهرباء الوطنية، والتي يضعها صندوق النقد الدولي، الذراع الجديدة للاستعمار الغربي، تتلخص في أن زيادة تعرفة الكهرباء، بالإضافة إلى توريد كميات أكبر من الغاز الطبيعي المصري، كفيلان بخفض خسائر الشركة لتبلغ مليارا و35 مليون دينار، أو ما يعادل 4.2 % من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام 2013.
ولم يعد ما يقدمه صندوق النقد الدولي مجرد اقتراحات، بل أصبحت أوامر وجب علينا وعلى غيرنا من الدول الإذعان لها. وأصبحت مهمته في بلدنا، كما البلدان الراكضة وراء سياسة السوق المفتوحة، هي تعديل مستوى الطلب الكلي في الاقتصاد الوطني، وخفضه بما يتناسب مع مستوى العرض الكلي. والهدف الأهم، والذي نجح فيه برنامج التصحيح، فتضمن تحرير الاقتصاد، وتخفيض الإنفاق العام، وبيع القطاع العام للقطاع الخاص، وإلغاء الدعم عن احتياجات المواطن الأساسية.
ونتيجة لعلاقة التبعية تلك، وبرامج الهيكلة التي فككت أبنية الدولة الاقتصادية، نتحمل نحن المواطنون النتائج والآثار السلبية لبرامج التصحيح وإعادة الهيكلة التي طرحها صندوق النقد الدولي، وأصبحت اقتراحاته أوامر تلزم بها حكومتنا بدون أن تقيم أي وزن للنتائج الاجتماعية والأزمات السياسية المترتبة على عملية رفع الأسعار. فالانخفاض الكبير على الإنفاق العام يؤدي إلى هبوط معدلات النمو الاقتصادي وتراجع الدخول، والمزيد من البطالة، وتدهور مستوى المعيشة الذي يتفاقم يوما بعد يوم.
صيفنا المقبل هو صيف ستلتهب فيه الأسعار في كل القطاعات، وبما يمس مختلف المواد الاستهلاكية نتيجة لزيادة أسعار الكهرباء. ولن يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الحكومة ستسعى جاهدة إلى تطبيق كل ما اقترحه صندوق النقد. وسياسة شد الأحزمة على البطون لم تعد تجدي نفعا، خصوصا مع توالي الإضرابات في مختلف قطاعات البلد، والتي تطالب بزيادة الرواتب، في حين أن كل ما يراه صندوق النقد يتلخص في ذبح المواطن، وتعميق الهوة بين الدولة ومجتمعها، وخصوصا في مثل هذه الظروف المحلية والإقليمية تشهد الحديث عن تسويات سياسية تهدد استقرار الدول الحالية. 
فهل نحن مستعدون لتحمل تبعات رفع أسعار الكهرباء وغيرها من السلع في مثل هذه الأحوال؟ أعتقد أنه ليس من اليسير الإجابة عن هذا السؤال، فالواقع يقول أننا لن نتحمل ذلك!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن