من يحب بلده لا يسعى لتخريبه، بل يسعى بكل ما أوتي من قوة أن يحافظ على ممتلكاته، ويكون رقيبا على كل ممارسة خاطئة، وهو السلوك الطبيعي تجاه وطنه. وبذلك السلوك يكون عينا ساهرة عليه للعبور به الى المستقبل، وعكس هذا السلوك يكون قد أسس للخراب أو ساهم فيه أو على الأقل سكت عنه.
شغلتنا حروب الجوار ورائحة الدم، وحال الأمة التي تسير من بؤس إلى بؤس، شغلنا الحديث عن الإصلاح السياسي والاقتصادي واتهام هذا الشخص أو تلك الفئة بالفساد الاقتصادي ونسينا أننا شركاء في هذه المحنة، ولم نلتفت إلى قضايا، هي في مجملها أهم من الحديث عن الحكومات وعن البرلمانات وعن كل المفردات السياسية التي تزخر بها الكتابات والتحليلات. لماذا نسعى إلى الخراب والفوضى؟ لماذا بلغت اللامبالاة حدودا أصبحت لا تطاق؟ لماذا ننظر الى الدولة نظرة تستدعي نهبها وتخريبها؟
أسئلة كثيرة لا توجد لها إجابات شافية، وكل يحمّل الطرف الآخر المسؤولية، وربما تكون هذه الممارسات ممارسات فردية، ولكنها أصبحت تنتشر بسرعة في مجتمعنا الأردني. قبل أيام وفي إحدى المؤسسات الاستهلاكية العسكرية في عمان، شاهدت أحد الموظفين يطرح أكياس السكر والأرز، وبطريقة تؤدي إلى تخريب هذه الأكياس، وعندما طلبت منه أن يأخذ حذره من هذه الطريقة في رمي الأكياس، قال لي "إنها أموال العسكر"، إجابة كانت لي بمثل الصاعقة، لم نعد نعبأ بالمال العام، لم يعد هذا المال وهذه المؤسسات ملكنا الخاص، صرنا ننظر إليها على أنها يجب أن تخرّب أو تنهب.
هذا السلوك غير المقبول والمرفوض جملة وتفصيلا، نجد له تعبيرات في نظرة الناس إلى مؤسساتنا الوطنية، فقد استسهل بعض الناس أن يخرّب ما يملكه ويعود عليه بالنفع؛ فالبعض يسرق الماء وغيره يسرق الكهرباء ويقطع الأشجار، وغيرهم يسرق المناهل وأسلاك الكهرباء والاتصال، للحصول على بعض الدنانير، وهم بذلك يخربون الاقتصاد الوطني.
والحالة تنطبق على الكثير من السلوكيات المرفوضة التي أصبحت تغزونا بشكل كبير بعد "فوضى الربيع العربي"، فعلى سبيل المثال الذي يؤكد تغيرا في قيمنا نحو الأسوأ، تجد في ممرات المستشفيات المدنية والعسكرية وبشكل أقل الخاصة، من يدخنون متحدّين التعليمات التي تنص على عدم التدخين في المستشفيات، وعندما تطلب من أحدهم أن يكف عن هذا السلوك الذي يؤذي المرضى ينظر إليك بشزر، وتخشى أن ينقض عليك على اعتبار أنك قد لامست المقدس الخاص به.
هذه حالة عبثية تجاه ممتلكات الوطن، يصاحبها عدم تطبيق حقيقي للقوانين وغياب شبه تام للرقابة الذاتية والرقابة الرسمية، على كل ما يخص الدولة ومؤسساتها، والوطن ومختلف مرافقه، لذلك لا بد من عقوبات صارمة على من يتجرأ على ممتلكاتنا، وقبلها أن نؤمن بأن هذا وطننا وأن كل تفاصيله هي لنا!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن