اللافت للنظر في التحليلات التي تخرج حول الحالة المصرية اليوم، هو أن أنصار تيار "الإخوان المسلمين" يرون أنّ كل من خرج إلى الشارع للإطاحة بالرئيس محمد مرسي، هم من "البلطجية" ومن بقايا الحزب الوطني الحاكم أيام الرئيس المخلوع حسني مبارك "الفلول".
هذه القراءة السطحية لحركة الشارع المصري، تؤكد على أن هذا التيار الذي وصل إلى الحكم في مصر هو تيار مراوغ، ولا يحتكم لقواعد اللعبة الديمقراطية، وأن قصة الديمقراطية في وعيه لا تتجاوز وصوله إلى سدة الحكم. ومن ثم، فليذهب الجميع إلى جحيم الدكتاتورية، طالما أنني في السلطة، وأفعل ما أشاء.
توصيف من يخرج إلى الشارع في مصر بالفلول والبلطجية، وما إلى ذلك من أوصاف، هو إهانة للشعب المصري، وإهانة لكل مكوناته الاجتماعية والسياسية، بما فيها الحركات الإسلامية؛ سواء من الإخوان المسلمين أو غيرهم من التيارات الدينية السلفية. فالكل في الحالة المصرية يُجمع على "فشل" الرئيس المنتخب ديمقراطيا في إدارة شؤون الدولة المصرية.
لذلك، كانت ردة الفعل عنيفة من قبل الشارع المصري عندما خرج الملايين من المصريين إلى الميادين والساحات، لاستعادة الثورة التي خطفها الإخوان المسلمون، بحسب ما يعتقد المواطن المصري العادي قبل المثقف أو المسيس، وحتى نفر البلطجية الذين نسمع عنهم في هذا الميدان أو ذاك، لم يعجبهم حال الحكم في مصر!
الموقف النقدي من أداء الرئيس مرسي، والخروج إلى الشوارع من قبل القوى السياسية والشعبية المصرية، يعيدان الحيوية إلى المطالب الشرعية التي انطلقت على أساسها الثورة على النظام السابق؛ كما يعيدان تصحيح مسارها وفق عقد اجتماعي جديد، يكون المصريون فيه شركاء في رسم مستقبل دولتهم ودستورهم الجديد، وفق شرعية شعبية تستمد قوتها من الشعب الذي هو أساس السلطات، وليس من خلال جماعة دينية تريد أن تحكم قبضتها على مختلف مفاصل الدولة، وأن تنحي الجميع وتمنعهم من المشاركة في رسم مستقبل مصر الجديدة، التي أخذت تتناهشها القوى الإقليمية والدولية؛ بعد وصول مرسي إلى السلطة، والتي انحرف بها بشكل واضح عن بوصلتها العربية، وسعى إلى أسلمة الخطاب السياسي لمصلحة "الإخوان المسلمين".
عودة المصريين إلى الميادين هي خطاب ذو مضامين واضحة، تريد منه الجماهير التأكيد على ضرورة تصحيح مسار الثورة، وتستدعي من الرئيس المصري أن يكون تفاعله إيجابيا، بحيث يتم تجاوز مأزق شرعية الحكم التي وضع مصر فيها؛ فليس هنالك بديل أمامه إلا الخضوع لإرادة الشارع الغاضب من سياسات حكمه، خصوصا بعد أن سعى الإخوان المسلمون، وغيرهم من القوى السلفية المتحالفة معهم، إلى تشكيل جبهات شعبية مضادة، عبر الخروج إلى الشوارع والميادين للتعبير عن مساندتهم لشرعية حكم مرسي، التي أثبتت حركة الجماهير المصرية في الأيام الماضية أنها شرعية منقوصة، وتكاد تكون حكرا فقط على جماعة الإخوان المسلمين.
لذلك، فإن نعت الطوفان البشري المائج في ميادين مصر بالفلول والبلطجية، هو نعت يثير السخرية!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن