الشمس أنثى
فاجأني ما جاء على لسان وزير التربية والتعليم فايز السعودي قبل أسبوع، عند تبريره لسبب سيطرة الإناث على المراتب العشر الأولى في شهادة الثانوية العامة، وقوله إن السبب يعود لـ"هروبهن من شغل البيت!!!"، مضيفا تبريرات أخرى أبرزها طبيعة المجتمع، وعدم وجود متنفس للبنت غير الدراسة.
انتظرت لأكثر من أسبوع لعل وعسى يخرج من بيت وزارة التربية ما يشير لسبب تلك التصريحات وهدفها، وكان أملي أن يقال إن التصريحات فهمت في غير سياقها الطبيعي.
الوزارة سكتت، وكأن الأمر لا يعنيها آو يخص وزارة التربية والتعليم في دولة مجاورة، وكأن الكلام جاء على لسان وزير آخر غير وزير التربية والتعليم عندنا.
قد يقول قائل أو ناطق باسم الوزارة أو منافح عن وزيرها، إن السعودي كان "يمزح"، وإن كلامه فهم في غير سياقه، وإنه كان يتحدث عن حالة ظهرت ويجيب عن سؤال وجه له.
بداية لا يجوز لوزير التربية أن يمزح في قضايا مهمة كقضية "الجندر"، فهو يعرف تماما أن هذا الموضوع على درجة عالية من الأهمية، وبالتالي لا يجوز المزاح فيه أو التعامل مع تفوق الإناث على الذكور في مواضيع معينة بتبريرات لا تسمن ولا تغني من جوع، وتظهر في الوقت عينه تفكيرا ذكوريا للدولة يظهر في الكثير من مناحي الحياة.
ما قاله الوزير والطريقة التي برر فيها التفوق الأنثوي في التوجيهي، يظهر جليا طريقة تفكير الحكومة بالمرأة وكيف لا وهي (الحكومة) اختزلت تمثيل المرأة بوزارة واحدة وأسمتها وزارة شؤون المرأة وتركت الحقائب الوزارية الأخرى للذكور فقط باعتبار أن المرأة أخذت حقها بحقيبة.
تغيير آلية تفكير المجتمع حول المرأة لا يتأتى بشعارات وعبارات إنشائية يقولها وزير أو رئيس وزراء، وإنما يتأتى من خلال تغيير طريقة التفكير الجمعي بالمرأة وعدم النظر إليها باعتبارها قاصرة، وغير قادرة على التفكير واتخاذ القرار، وهذا الدور تلعبه الحكومة أولا بعد أن تقتنع (الحكومة) بشراكة المرأة في الحياة العملية وعدم تقزيم حضورها في موقع واحد هنا أو كوتة هناك.
تعبنا ونحن نسمع أن المرأة نصف المجتمع وإنها مدرسة، وأن المرأة التي تهز السرير بيدها تهز العالم بيدها الأخرى، كلها عبارات إنشائية ترقيعية، اعتاد المسؤولون عندنا ترديدها لإظهار إيمانهم بحقوق المرأة، بيد أن هؤلاء أنفسهم يرسبون في أول اختبار يتعلق بالمساواة.
فالحكومة الحالية قزمت حضور المرأة بمقعد وزاري واحد، وكذا فعلت بالنسبة لمواقع الدولة الأخرى، وهذا الأمر يحسب عليها وليس لها، ويدلل على الطريقة التي تفكر بها الحكومة صاحبة الولاية العامة بنصف المجتمع.
اكتساح الإناث لقوائم العشرة الأوائل في المملكة ليس لأنهن يهربن من الشغل المنزلي، بل لأنهن يدرسن، وأثبتن أن لديهن قوة إرادة وعزيمة أكثر من أقرانهن الذكور، وهذا التفوق الأنثوي تم التقديم له في سنوات سابقة، فغالبا كانت قوائم العشرة الأوائل تشهد تفوقا أنثويا واضحا.
ثم من قال إن العوائل عندنا تسمح لطالب أو طالبة التوجيهي القيام بأعمال بيتية، فكلنا نعرف أن البيت الذي يوجد فيه توجيهي يكون فيه حظر تجول.
دعونا من عبارات الإنشاء والإطراء ولنذهب نحو مساواة حقيقية في الجندر، مساواة بالقول والعمل، مساواة نربي عليها الجيل الناشئ، ولتتوقف وزارة التربية والتعليم عن تلقين أولادنا صغارا "ماما في المطبخ، بابا يقرأ الجريدة.. رباب تساعد ماما.. باسم يلعب"؛ فمثل تلك المواضيع التي يظهر فيها فكر ذكوري خالص أنشأت جيلا ذكوريا لا يؤمن بالمساواة بين الجنسين، ويعتقد أن المرأة ما تزال ضلعا قاصرا، كما تذهب بعض الأفكار الظلامية.
وصدق شاعرنا المتنبي عندما قال "فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال".
المراجع
ammonnews.net
التصانيف
صحافة جهاد المنسي وكالة عمون الاخبارية العلوم الاجتماعية