لم يعد الأمر يحتمل التّأخير أو التّأجيل؛ فالمجتمع قد رثّ نسيجه كما لم يكن من قبل ولا من بعد! ولقد باتت الشمس واضحة من ثقوبه وشقوقه، ذلك أنّ العنف الذي هو الآفة الكبرى التي تسقط الدولة بكيانها العميق وأسسها. فها نحن لا نشهد العنف في المدارس والجامعات الأردنية بل في البرلمان والمستشفى والوزارة وكل مكان؛ أي أنه عنف مفرّخ في المجتمع، ومعشّش في أشدّ مناطقه ظلمة، أقصد "التعصّب". وهو بهذا شهادة على الحالة المترديّة لكل الأنظمة: السياسية والاقتصادية والتربويّة وخلُوّها من عناصر البناء، وكانت تولّى الاستبداد والفساد والأيديولوجيا تفريغَها من القيم التي تصنع التحضّر والتقدّم! 
ومن جهة أخرى، ألا يدعو إلى العجب أنّه في الوقت الذي يزداد فيه الطلب على الإسلام السياسيّ والطلب على التديّن، تستشري بين فئات المجتمع روح فاتكة لا يهدأ لها بال حتى تمزّق هذا النسيج؛ سَداه ولُحمتَه؟ أليس غريباً أنّ تغدو العلاقة بين التديّن الشائع اليوم وبين العمل البنّاء والأخلاق علاقةً عكسيةً على طول الخطّ؟ فإذا كانت التربية في المدارس قد أخفقت في التصدّي لمشكلات المجتمع، وفي تنشئة الطلبة على قيم التسامح والعمل والتفكير الخلاق، فأين هو دور المسجد الذي تؤمُّه الملايين، وتستمع إلى مواعظه ودروسه على أنّها الحقيقة المطلَقَة؟
أين أثر دروس الجمعة؟ ودروس ما بعد العشاء التي تُنفَقُ عليها الأموال والسياسات؟ بل إن السؤال الأهمّ هو: هل يُعنى المسجدُ ابتداءً بمعالجة أيّ مشكلة حقيقيّة تأخذ المجتمع إلى التخلّف والانهيار؟ هل يتحدّث المسجد عن قيم العدل والصدق والإتقان في العمل و"العمل العبادة" وحقوق البشر في الاختلاف، واللجوء إلى القانون؟ أم أنّ الرسائل التي يوجّهها تقتصر على موضوعات المرأة وكيف يزداد حبسها وشيطنتها؟ والحجاب واللحية وسائر أفعال الشّكل الذي يخلو من روح الإسلام ونهوضه بالفكر والروح؟ 
أقول هذا الكلام لا لأمارس هوايتي المحبّبة في انتقاد التيّار الإسلاميّ! بل لأوجّه إصبع الاتّهام إلى الدولة ومسؤوليّتها المهدورة في طقّ الكلام والتخاذل عن الإصلاح، وإلى المجتمع ودعاواه العريضة في صلاحه ولا صلاح!
فكلانا؛ دولة ومجتمعاً، متورطان في تسييب الأفراد والمؤسّسات لتنال حظّها من التآكل والانهيار. وما العنف إلا بعض نتائج النوم طويلاً في العسل والكسل، بينما تجري من تحتنا براكين جهنّم، التي ستطيح قريباً، وقريباً جداً، بكيان "الدولة"، لندخل منطقة الفوضى المدمّرة. وعندها، على الحكومة أن لا تنتحب على ما قدّمت يداها! وعلى الإسلام السياسيّ أن لا يستمرّ في انتهازيّته التي تسمح له أن يحوّل الإسلام من دينٍ راقٍ ومتحضّر وإنسانيّ، إلى شيء لا أحبّ وصفه، تشهد عليه مظاهرُ العنف والتعامل الهمجيّ مع قيم الإنسانيّة وباسمه! وتنفير أهل الأرض جمعاء من هذا الدين الذي حفظ في يوم من الأيام كرامة الإنسان، وأقام في الأرض دولة العدل والأخلاق!
دعونا لا نفقد الأمل...

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد