ليست هي الديمقراطية الحقيقيّة التي انتصرت في مصر، بل تلك الشكليّة التي رآها جيمي كارتر وصحبه. فلم يعد مهماً ولا ضرورياً تزوير الصناديق بالطريقة التقليديّة البالية، بل ثمّة ألف طريقة وطريقة للالتفاف على المسألة ومنها المال السياسيّ الذي أنفقه المرشّحون لا على الدعاية التي تجاوزت السّقف القانونيّ بملايين ملايين الجنيهات فحسب، بل ذاك الذي أُنفِقَ لتزوير إرادة الناس واستغلال فقرهم، سواء بالموادّ العينيّة (زيت، سكّر، رز)، أو بالمال (مئة جنيه للصوت الواحد). وهذا بحدّ ذاته فسادٌ من الدرجة الأولى لأنّ المال السياسيّ كان يجري تحت أبصار لجنة الانتخابات الرئاسيّة وأسماعها! ولم تتّخذ حتى الآن أيّ إجراء تجاه المخالفات الجسيمة التي مارسها المرشحون ومنها: بدء الدعاية قبل الموعد القانونيّ للبدء، وتجاوزها الحدّ الأقصى للإنفاق، وهتك فترة الصمت الانتخابيّ. وعلى رأسِ هذه التجاوزات شراء الأصوات طبعاً!
حتى شراء الأصوات ابتُكرت فيه طرقٌ إبداعيّة جديدة، فبالإضافة إلى المواد التموينيّة ارتأى حزبُ الحريّة والعدالة (الذراع السياسيّ الحزبيّ للإخوان المسلمين) أن تدور على القرى والنُّجوع في أثناء الدعاية الانتخابيّة عيادة متحرّكة تقدّمُ خدمة مجانيّة -لا لمعالجة مرضى الضغط والسكّر أو وباء التهاب الكبد لا سمح الله!- بل لختان البنات! والمصيبة أنّ النساء في حزب الحريّة والعدالة ونائباته في البرلمان يدافعنَ عن الختان على أنّه عنوان العفاف، مما دفع بالشاعرة والكاتبة النابهة فاطمة ناعوت أن تذكِّر النائبة المحترمة أنّ العفة تبدأ من الرأس لا من أسفل الجسد، وأن تربية النفس والعقل على معاني العفّة واحترام الجسد هو الذي يحفظ الفرد والمرأة من استعمال الجسد في السوء.
نعود إلى المال السياسيّ الذي أنفقه المرشحّان المتصدّران القائمة بنجاح: محمد مرسي وأحمد شفيق. فكلاهما أنفق ملايين مؤلّفة، يمكن حسابها بسهولة، ولم تأخذ لجنة الانتخابات على أيديهما. وكلاهما متورّطٌ -بحسب ما رصدته كاميرات- في شراء الأصوات. وكلاهما كان وراءه جيشٌ جرار من أيديولوجيين (مرسي) أو نظامٌ بائد (شفيق). وإذا كان من المسموح به أن يدخل أبناء التنظيم السياسيّ الإخوانيّ وبناته في معادلة مرسي، ومن المتوقّع أن يدخل أعضاء الحزب الوطني المحلول في معادلة شفيق، فإنّه لم يكن من المتوقّع أن يدلي الأموات والجيشُ بأصواتهم ويدخلوا قوائم الانتخاب ولصالح شفيق طبعاً!
وإذا كان في هذا الكلام ما يبدو من قبيل التكهُّنات وخصوصاً فيما يتعلّق بتصويت الجيش لشفيق، فإنّ البيّنات على تواطؤ النظام الحالي (المجلس العسكري ولجنة الانتخابات ووزارة الداخلية) ظاهرة واضحة في تفصيلات السّياق.
خلاصة الأمر أنّ الذي نجح في الانتخابات حتى اللحظة هو المال السياسيّ، بينما شكّل مجيء حمدين صباحي في الدرجة الثالثة حتى الآن، ظاهرةً صحيّةً تنعش القلب؛ إذ كان الإيمان به وبأطروحته النّبيلة "واحد منِّنا" -بحسب جميع التّحليلات- هو الدافع الأوّل والأخير لانتخابه. ففي مقابل الفساد الذي متح من بئرٍ لا يفنى من المال السياسيّ المدعوم بجماعة ثريّة ثراءً فاحشاً (من مال الأعضاء والدول الداعمة ومال الخارج الذي دخل دون رقيب)، وذاك المدعوم بمال الخارج المشبوه الذي يريد لنظام مبارك أن يعود، تقف حادثة حمدين صباحي علامة فارقة في التجربة الانتخابيّة المصريّة. ولهذا حديث آخر.
دعونا لا نفقد الأمل...
المراجع
rasseen
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد