بعد انشطار الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، واحتمال صيرورته انفصالاً، شرعت تتهاوى الرموز المشتركة والتوحيديّة للشعب الفلسطينيّ. فصورة الرئيس الراحل ياسر عرفات ديست بالأقدام، على ما نقلت الصور، فيما اضطر رئيس الحكومة اسماعيل هنيّة للاتّصال بأرملته و"طمأنتها" على سلامة المكان الذي كان يقيم فيه في غزّة. أما الرئيس محمود عبّاس فلم يعد "الأخ أبو مازن"، بل صار الاسم المخوّن والمطعون به، لا بشرعيّته السياسيّة والتمثيليّة فحسب، بل بنزاهته وأمانته الشخصيّتين أيضاً. وأخيراً، وقد لا يكون هذا آخراً، امتدّت اليد الى محمود درويش، الشاعر الذي ارتبط اسمه بالقضيّة والشعب الفلسطينيّين أكثر من أيّ اسم آخر، أقلّه منذ أواخر الستينيات.
ولربّما جاز القول إن درويش، في التاريخ الثقافيّ للفلسطينيّين، يحتلّ ما تحتلّه منظّمة التحرير الفلسطينيّة وحركة فتح في تاريخهم السياسيّ والعسكريّ. فهو الصوت الذي ظهر في المرحلة إيّاها وعبّر عن الطموحات والرغبات نفسها. وفيما بدأت منظّمة التحرير تميل الى الاعتدال ومنطق التسوية، كان الشعر الدرويشيّ ينقل سعي الفلسطينيّ الى ان يعيش عيشاً "طبيعيّاً" مثل سائر البشر، يعمل ويحبّ و"يشرب القهوة". ذاك أن عصر البطولات والملاحم انتهى، أما محاولة مطّه الاصطناعيّ فالفلسطينيُّ الضحيّة هو من يدفع أعظم كلفها من حياته وحياة أبنائه. وقد سبق لبرتولت بريخت، في أحد تأمّلاته،أن نعى الشعوب التي تُنجب الأبطال لأن معنى ذلك أنها تعيش في الكوارث.
على أيّة حال، يبدو أن حركة حماس، وبوصفها جزءاً من تيّار الصعود الأصوليّ والعنفيّ، تحاول وضع تلك المرحلة برمّتها في العتم. وهذا أيضاً ما نلقاه حين ننظر الى الحركات المشابهة في المشرق العربيّ. فحزب الله اللبنانيّ، مثلاً، ما إن ننظر في أدبيّاته حتّى نلاحظ غياباً كاملاً لما هو تاريخ وطنيّ لبنانيّ بإيجابيّاته وسلبيّاته. فهو، طبعاً، لا يملك أدنى موقف من أمين الريحاني وجبران خليل جبران والياس أبو شبكة، لكنّه لا ينمّ عن أيّة صلة، أو مطلق معرفة، بفؤاد شهاب وبشارة الخوري ورياض الصلح وميشال شيحا. فهذا جميعاً ما يكاد يرقى الى جاهليّة بالقياس الى لحظة انبثاقه النورانيّ. وأغلب الظنّ أن الجماعات المسلّحة في العراق لا تدرك أيّ معنى لأسماء جعفر أبو التمّن وكامل الجادرجي، عبد الكريم قاسم أو عبد السلام عارف، معروف الرصافي أو مهدي الجواهري أو جواد سليم.
وهذه، والحقّ يقال، سمة من سمات الحركات الراديكاليّة المغالية التي تذهب الى أن التاريخ إنما يبتدئ بحضورها على مسرحه، فيما السابق على ذاك الحضور مجرّد صفر وعدم. فهي وحدها من يعيد الوصل، بعد انقطاع دام مئات السنوات، مع اللحظات المجيدة للإسلام الأوّل. أما كلّ ما يقع بين التاريخين هذين فغيّ وبهتان.
والراهن أن تربية الأجيال على هذه البديهيّات الفقيرة لا تفعل غير إنتاج البله والغباء المعمّمين، ونشر القناعة، ذات النتائج المَرَضيّة، بأننا جميعاً أولاد اللحظة، لم تسبقنا تجارب نتعلّم منها ولا مقدّمات، أو معارف أو إنجازات، نستند إليها.
بل يمكن القول إن التربية هذه لا تقلّ ضرراً عن التربية المضادّة لها والتي تقوم على نفخ الناشئة بتاريخ مزعوم من الأمجاد، لم يعتوره الخطأ ولم يقاربه، مرّةً، الإثم. فهذه، شأن تلك، أقصر الطرق الى تزكية الخواء وتسييده.
بيد أن النزاهة تستدعي الإقرار بمسؤوليّات أخرى لا تختصرها المسؤوليّة المؤكّدة للحركات الأصوليّة المغالية والعنفيّة. ذاك ان التحوّل الديموغرافيّ الضخم الذي شقّ طريقه في منطقتنا، إبّان العقود الثلاثة الماضية، مسؤول، هو الآخر، حكماً. وهي مسؤوليّة ضاعفها تخلّف التعليم في معظم بلداننا عن مواكبة هذا الجديد الضخم، وعن الاستعداد لملاقاته في منتصف الطريق. هكذا لم تتّسع مرافق التعليم ووحداته المدرسيّة أو الجامعيّة الى الحدّ الذي يستوعب الأعداد الناشئة، ولا تمّ، في المقابل، الاستثمار الكافي في التعليم لجعله يتطوّر متساوقاً مع المعارف والتقنيّات العصريّة المطلوبة. وزاد في البؤس انكماش سوق العمل عموماً حيال الشبيبة ممن وجدوا أنفسهم أسرى البطالة التي تعزّز الأفكار القطعيّة المصطبغة، في أغلب الحالات، بالخرافة وأسطرة الواقع.
وهكذا فحين نستنكف عن وضع سياسات جديدة في ما خصّ التزايد السكانيّ، أو التطوير التعليميّ، أو التوسيع والإنعاش الاقتصاديّين والتنمويّين، نكون لا نفعل إلاّ صبّ الماء في طاحونة الجهل المعمّم. وليس من المبالغة، والحال هذه، أن نقول إن تلك الظاهرات هي التي لعبت دوراً كبيراً في توسّع الحركات الأصوليّة الراديكاليّة قبل أن تلعب دورها، الضخم هو الآخر، في نشر نظرة ضامرة وخاوية الى التاريخ.
وهذا، ومنعاً لسوء الفهم، لا يعني تمجيد التاريخ والافتتان بكلّ ما انطوى عليه. بيد أنه يعني، بالضرورة، الإلمام به بأكبر قدر ممكن من التواضع وأكبر قدر ممكن من الدقّّة. وهو، للأسف، تطلّب لم يعد يجد ما يلبّيه إلا في ما ندر.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حازم صاغية