كلُّ ما في الأمرِ أن الحكومات لم تعتد أن ينشأ أفرادُها في رحابِ الديمقراطيَّة، فمدُّها يدَها إلى جيبِها لمنح الشِّعبِ حقوقَه الطبيعيَّةَ، يخالطه وَجَلٌ عظيمٍ من أن تقود الديمقراطيَّةُ والحريّاتُ العامَّةُ إلى الفوضى، والإطاحةِ بكرسي الاستقرارِ – هذا في أحسن الظنِّ -. وهي تظنُّ أن من أولى واجباتها الوصايةَ على الناس والتفكيرَ بالنيابة. وهو منهجٌ رجعيٌ ثبتَ بالدليلِ القاطعِ أنَّهُ ليس فقط غيرَ ذي جدوى، بل مدمِّرٌ للأنظمة وللحكوماتِ على السواء.
وإذا كان التاريخُ – بعيداً وقريباً - معيناً لا ينضبُ للتجارب الإنسانيَّةِ ودرسِها وفرزِ ما فيها من صحَّةٍ وخطَلٍ، فإنَّ الواقعَ الحيَّ الآنَ يُنبئُنا أحسنَ النَّبأِ عن أنَّ سوءَ الظنِّ بالشُّعوبِ، وتجاهلَ إرادتها الحرَّةِ، والعبثَ بمقاديرها، والتسلُّطَ على تصريفِ ثرواتها  ليس لها من مآلٍ سوى ما حدث ويحدثُ الآن في تونس الشقيقةِ.
وفي ضوءِ ما يجري وما نحتاجُ، فإنَّ على حكوماتِنا العربيَّةِ أن تسارعَ إلى التعاملِ بسرعةٍ وكفاءةٍ مع عددٍ من المحاور يجنِّبُنا النجاحُ في علاجها الوقوعَ في أزمة تونس، والمخاطرةَ بالأوطانِ واستقرارِها. فلا ينقص بني يعرب مزيدٌ من القلق والضغوطِ والقلاقل والانقساماتِ والحروبِ الأهلية والدماء التي لا يستقيمُ معها نماءٌ ولا هناء. وهذه المحاور كما بُحَّ صوتُنا وصوتِ كلِّ ذي ضمير: إصلاحٌ سياسيٌّ واقتصاديٌّ (يقضي على البطالة والفقر وعلى مبدأ الرأي الواحد والفساد، ويوفِّرُ مزيداً من الديمقراطيَّةِ ومن الحرياتِ العامة)، وإصلاحٌ تربويٌ وتعليميٌ وثقافيٌّ.
ولا تخشَ الحكوماتُ والأنظمةُ أن يُساءَ استخدامُ الحريَّة، فلن نكتسبَ الحنكةَ في التعاملِ معها بكفِّ ِاليدِ، وإغلاق الفم، وترشيدِ التعبير، لأنَّ النقدَ حتى لو كانَ جارحاً يقوّي عضلةَ العقلِ المفكر لدى النَّاقدِ والمنقود، ويقوّي الإرادةَ الفاعلةَ، ويضعُ الناسَ على سِراطٍ سليمِ المآلِ.
وإذا كان من خشيةٍ حقيقيَّةٍ فذلك العنفُ الذي تُفصحُ عنه احتكاكاتٌ شتى، والذي ليس كما نعلم إلا وليدَ احتقانٍ طالَ أمدُهُ، وتحوَّلَ مع الوقتِ إلى منطقةٍ ملتهبةٍ تهدد سائرَ الجسدِ الوطنيِّ بالحُمّى والتمزُّق والأخطارِ الجِسامِ.. احتقانٍ لم يعد ينفعُ معه الصَّبرُ ولا الوعود. احتقانٍ لا يُداوَى إلا إذا كفَّ الجوعُ عن أن يَعضَّ بأنيابِه الحِدادِ، واستعادت الناسُ كرامتَها، وصينت حقوقُها، وقرَّرت مصائرَها. احتقانٍ لا نعلم متى ينفجر، وعندما ينفجر أيَّ جهَّنَّم ستنفتحُ على الحكوماتِ والأنظمةِ والأوطان. وعندئذٍ لن ينفعَ أيُّ طوقٍ أمنيٍّ في علاجِ واقعٍ تكرُّ حباتُهُ كمسبحةٍ، وبينما برميلُ الأسى ينتظرُ شرارةً عمياء!!!
إنَّ غلاءَ الأسعار ليسَ سوى قشَّةٍ تطفحُ بها كأسُ الشعوب. وإنَّ عدواناً فردياً لرجل أمن على مواطن سيأخذُ بعداً رمزياً لن يكون من السهل على أعتى الأنظمة ولوغاً في الاستبدادِ أن تنجوَ منه. فهل يمكنُ أن يتعلم العرب من الحاضر إن فاتهم أن يتعلَّمَوا من التاريخ؟؟؟ 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد