طلبتُ من ابنتي أن تحقِّقَ وصيَّتي في التبرُّع بمكتبتي لكلية الآداب في الجامعة الأردنيَّة بعد موتي، مثلما أوصيتُ الدكتور إبراهيم سعافين (مدير مكتبة الجامعة الأردنية) أن يطالبَ. ففي هذه الكُليَّة – أولى كُليَّات الجامعة الأردنيَّة التي هي أولى الجامعات في الأردن قاطبةً- شدوتُ العلمَ، ونهلتُ من فيضه الغادق، وتأسَّسْتُ في الركضِ خلفَ المعرفة، والسَّعيِ في اللغة والتَّحقيقِ بمنهجِ القدماء والمُحدَثينَ الذين يَدينون بفضله لعميد الأدب العربي طه حسين في كتابه الشهير "في الشعر الجاهلي" الذي أقام الدنيا ولم يُقعدها، بسبب شكِّه الكلِّيِّ بصحَّةِ مجملِ الشعر الجاهليِّ، فاتَّخذَ تحقيقُ التراث من بعده منحىً جديداً في التثبُّتِ من نسبة الشعر إلى أهله، والتثبُّتِ من نسبة القول والرأي إلى عصرهما، وبرز فيه كبارٌ أمثال الشيخين أحمد ومحمود شاكر.
كما أوصيتُ – وأوصي الآن - أن يُقدَّمَ ما يصلُح من أعضائي لكلِّ من يحتاجُ إلى كِليةٍ أو عينٍ أو كبدٍ أو رئةٍ أوقلبٍ وكلِّ ما توصَّل العلمُ إلى نقله. آملةً أن ينتقلَ مع العين (القرنية) شَغَفي بالجمال، ومع القلب انشغالي بالعشقِ، ومع الكَبِد رصيدي من اللَّوعاتِ، ومعَ الرِّئةِ شهيقُ الدَّهشة أمام رَوعة الخَلْقِ، ومع الكِليةِ تخلُّصي من الحِقدِ والكراهية وسُعارِ المطالب. فليس في جسدي – ولم يكن في يومٍ من الأيَّام - مكانٌ لعِراك المشاعرِ الملوَّثةِ بالبُغضِ والحقدِ، ولا حيِّزٌ للعَكَرِ الطَّويل الأمد. ومع ذلك فأحذِّرُ ضحايا أعضائي مما يمكن أن يتلبّسَها من نوازعَ للحريَّة وللعراكِ وللتمرُّدِ على القارِّ والمطمئنِّ من القيمِ والأفكار. فليست الحياةُ عندي لتعاشَ كما وصفها الأجدادُ، ولطالما ركضتُ في نواحيها سعياً وراء اكتشافٍ مهما ضَؤُلَ أو عظُمَ ثمنُهُ، وخلفَ تمحيصٍ يُغري بتمحيصٍ!
وإني لأحذِّرُ ضحاياي ممَّن سيقرأون ويقرأنَ كتبي من أنَّها اختيرت لتلبِّي ذلك النُّزوعَ الأهوجَ نحو المُختَلِفِ ونحوَ السؤال ونحو الجمال ونحو الحريَّة بمعناهما العميق. وإذا وُجِد كتابٌ يكرِّسُ الماضي فذلكَ للصِّدامِ مع محتواه الساكن، بعدَ التعرُّفِ إلى عناصره وآليات تفكيره. كما ستجد ضحاياي خزانةً لإبداعِ المرأة ودراسات الجندر باللغتين العربيَّة والإنجليزيَّة، وهذا بحدِّ ذاته فايروس أحذِّرُ من انتشاره، ولأرى أن جُندَ المحافظين سيضعون هذه الكتب في خزانة مقفولةٍ عليها نواطيرُ عتاة.
وكنتُ تبرَّعتُ بمكتبتي للأطفال لمكتبة أمانة عمان، التي لي معها تاريخٌ عريق، حيثُ نهضَتْ في أوائل ستينات القرنِ الماضي – وأنا على مقاعد الدرس في الجامعة – لدعوة كبار أدباء وأديبات العربية آنذاك وشخصيات بارزة أخرى، لتقديم محاضراتٍ عامَّة في قاعتها التي قرب المدرَّج الروماني. وكان من هؤلاء ميخائيل نعيمة وجبرائيل جبور وعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) وعبد الرحمن ياغي وناصر الدين الأسد وشوقي ضيف ومحمود سيف الدين الإيراني وعدوية العلمي وأمين فارس ملحس وغيرهم ممن محت الذاكرةُ – الآن- أسماءهم دون فضلهم. وكنتُ أحرصُ على حضور تلك المحاضرات ومناقشة أصحابها بما تكوَّن لديَّ من معرفةٍ، وما ثار عندي من سؤال. فكانت رافداً مُهمّاً لما أعايشه في الجامعة ومكتبتها على وجه الخصوص.
ويجب أن أعترف هنا أني كنتُ لطشتُ من مكتبة الجامعة كتابين ما زلتُ أحتفظ بهما عن الفن في الصين واليابان، فسيعودان إلى الجامعة بعد رحيلي، لا قبل ذلك. وقد كان سّدَنةُ المكتبة يسمحون لي أن أستعير المصادر كما المراجع لأني كنتُ طالبةً شغوفةً بالبحثِ، وأحملُ كلَّ يومٍ إلى البيتِ أرطالاً مرهِقةً من الكتب، في مشوارٍ مُضنٍ إلى جبل الجوفة، أستعملُ فيه ثلاث مواصلات.
وهكذا، اعترافاً للحياة والجامعة بالجميل، أردُّ الدَّيْنَ، بعضَه على الأقل.

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد