مع أنَّ بيتي يقعُ قرب ثلاثة مساجد تتقاطعُ أصواتُ مؤذنيها عند كلِّ أذان، إلا أني نبَّهتُ على الأولاد أن يظلَّ التلفزيون والراديو أيضاً مفتوحَيْن على محطة الأردن، لكي نسمع أذان المغرب الذي يبشرنا بالإفطار السعيد، بعد نهارٍ طويلٍ حارٍّ. وبرغم أن الأولاد قد قدموا احتجاجاتٍ شديدةَ اللهجة لأنَّ هذا الإجراء يرغمهم على أَكْرَهِ المهمات الترويحيَّة على الإطلاق، وهي تجرُّعِ ما يجود به التلفزيون الأردني، إلا أن لهجتي الحازمة الجازمة لم تترك مجالاً لتفاوض، فنعاس نومة العصر كانت تداعب أجفاني، ووزارة الداخلية، أقصد أم العيال، في المطبخ تعدُّ لنا ما تجود بها قريحتها، و"اذهبي يا بنت ساعدي أمك"!!
وغفوتُ وقد انحشر في أنفي شذى الأطعمة، فتحلَّب له ريقي تحلُّبَ من يوشك على إفطار. وكنتُ هذا الصباحِ قد تسللتُ من العمل تسللاً لكي أشتري لأم نيازي (زوجتي) عُدةَ الكوارع والكرشات من المسلخ، حتى تكون جاهزة ساعة الإفطار. وعندما رجعتُ كان المراجعون والمراجعات في حالة هيجان، ومديرتي قد أوصت جميع الموظفين بالقبض عليَّ حياً أو ميتاً. عندها لم أجد بداً من استخدام أسلحتي السريَّة التي أدَّخرها لمثل هذا الموقف. دخلتُ على المديرة وقد شمَّرتُ بنطالي للركبتين، وقميصي للكوعين، وأنا أحمل إبريق الوضوء، وأجرُّ في قدميَّ شالوخاً من البلاستيك أدَّخِره لهذه المناسبات، مبسملاً محوقلاً مستغفراً الله في خشوع.
نجحت التمثيلية عند المديرة السافرة، التي منعها سفورها في هذا الشهر الفضيل من أن تجاهر بالمعصية فتعاقب موظفاً لأنه يؤدي فروضه في أوقاتها في المسجد!!! وبينما عدد من المراجعات يرمقنني بتقزز للتشمير عن مفاتن أطرافي المشعرة، كان وجهي قد استعاد نسخته الطبيعية في التجهم والقرف والتأفف من الحرِّ والصومِ وكثرة الأعباء، و"اصطفوا على الدور يا إخوان ويا أخوات" بصوت جهوري هادر.
بعد أن مشّّيْتُ عدداً من المستعجلين والمستعجلات، رفعتُ التلفون على البيت أسأل أم نيازي أن لا تنسى أن تضع على رز الحشوة البهارات التي أحضرتها أمس إثر معركة مع المصطفّين على دكانة ألبان الصيانة. وأن تكثر اللوز المقلي الذي أجبرتُ بناتي على تقشيره وهنَّ على التلفزيون في السهرة. "وبالمناسبة يا أبو نيازي لا تنسى تجيب معك علبتين لبن رائب وضمة كزبرة للملوخية وعلبة طحينية للمتبل ورقائق عجين للسمبوسك"... وهكذا قضيتُ ساعة أخرى وأنا أتناقش مع بكيسة (أم العيال) في ما أُحضر معي، وفي اللمسات الأخيرة لإفطار هذا اليوم.
المفاجأة كانت في أنَّ اللبن الرائب مفقود من البلد. فبعد أن غادرتُ العمل الساعة الثانية، أي قبل الموعد الذي حدَّده رئيس الوزراء بنصف ساعة (حُطّ بالخُرْج، وخُرْج الحكومة بات بحجم البلد)، اتَّجهتُ إلى ألبان الصيانة، ثم إلى ألبان الأخلاق الرفيعة، ثمّ َإلى ألبان الإيمان، فالإحسان، فالسلوان، فالفتوى الحكيمة، فالعدل، فالنظافة، فالاستقامة... وعبثاً وجدتُ علبة لبن. كان ثمة هجوم بشريٌ كاسح استهدف هذه المحلات، وغيرها... وكله من أجل ماذا؟ من أجل الشهر الفضيل. لم أجرؤ على الشكوى من الناس، فهم مثلي مرتبطون بدينهم وبحبهم لرمضان، ولكن ما الذي تفعله الحكومة؟ هل هي نائمة بينما الشعب الأردني بلا لبن رائب؟؟ أين الوازع الديني؟ وأين الاستعداد لشهر العفة والأخلاق والتقى والورع؟؟
(ملاحظة: قصة فقدان اللبن من الأسواق حقيقية).

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد