ليس لدينا دليلٌ سياحيٌّ واحد فيه تصنيفٌ نقديٌّ لمطاعم البلد، قائمٌ على الخبرة العينيَّة والتذوُّق. ولم تُوجِّهِ المدرسةُ الفندقيَّة الوحيدة لدينا أيّاً من الطلبة الأردنيين نحو تذوق الطعام ونقده. بل ولم يعُد خريجٌ أو خريجة من مدارس الخارج لتأسيس هذا الفرع الحضاريِّ من المعرفة الإنسانيَّة، ليس في الأردن وحده، بل في بلاد العرب جميعاً.
وتنشر كبرى الصُّحف في الغرب مقالاتٍ ومتابعاتٍ نقديَّةً لنُقَّادِ طعامٍ وشرابٍ، لا تتناول الجوانب العامة في أنواع الطعام ومدارس إعداده فحسب، بل تتابع طهاةً مشهورين في قوائم طعام مبتكرة، وما أعدّوه في حفلاتٍ لملوكٍ أو رؤساء. وبالإضافة إلى الكتب التي تصدر عن هؤلاء، فثمة برامج تثقيفيَّة، وبرامج ترفيهيَّة تدور حول إعداد الطعام برز فيها نجوم كبار، من هؤلاء البليونيرة الأميركية مارتا ستيوارت، والإنجليزيَّان جيمي أوليفر، ونايجيلا لاوسون، والشهير بوبي فلاي، وإميريل لاجاسي وسواهم.
بل إنَّ أجلاء قد أدلوا بسهمٍ في الكتابة عن هذا الفن الحيويّ واليوميِّ واللصيق بالحياة البشريَّة اليوميَّة، أمثال أستاذ علم الاجتماع العراقي في جامعة لندن الدكتور سامي زُبيدة، الذي ألَّف بالإنجليزية كتابين في الطعام، يُعتبران مرجعاً في فلسفة الطعام في منطقة الشرق الأوسط. ولن ننسى الكتاب الشهير للروائية التشيلية إيزابيل ألليندي "أفروديت"، في حلَّته المبتكرة، التي فقدت بعضَ سحرها في إخراجِ الترجمة العربيَّة.
ومرجع القول في ذلك أنَّ الطعامَ ثقافةٌ يحتفي بها أهلُ الاختصاص وسواهم من أهل الثقافة، هناك. فالمطبخ الغنيُّ، كالشاميِّ والمغربي والإيطاليّ، ليس سوى أحد مظاهر حضارة عريقة مرهَفة. وإذا كانت الفنون التشكيليَّة تُمتعُ العين، والموسيقى الأذنَ، فإنَّ الطعامَ يحتاج إلى الحواسِّ الخمسِ جميعها كما إلى الخيال.
وليس من عجيبٍ أنَّ كلمة "طَعْم" في العربية (طعم الحياة، فكرة بلا طعم، لا يستطعم ولا يذوق...)، هذه التي لها صلة وثيقةٌ بحاسة الذَّوق، مشتقَّة من "طعِمَ" أي أكل. كما ليس من المدهشِ أنَّ مصطلحي "التذوُّق الأدبيِّ أو الفنيِّ" و"الذائقة الأدبيَّة والفنيَّة" لهما علاقة بتذوُّق الطعام، للحُكمِ أو للاستمتاع. فالناقد والناقدة يتذوَّقان الطعام لمعرفة ما حققه الطاهي أو الطاهية من معايير الابتكار والعرض والمذاق الرفيع، مثلما يقرأ النصَّ ويتذوَّقه الناقدُ الأدبيُّ والناقدةُ لاكتشاف معالمه وما تحقَّقَ فيه من شروط الإبداع!!
ولكنَّه ليس من العجيب، لي على الأقل، أنَّ العربَ التي تنفقُ معظمَ ميزانية الأسرة على الطعام وتبذيره في القمامة، ويكادُ يقتصرُ احتفاؤها وتكريماتُها على تقديمه وكميته، لا تحترمُ الحديث عن الطعامِ كمعرفة جمالية بل وروحية، وخصوصاً إذا صدر عن مثقَّفة أو مثقَّف، على أنَّه دليلُ فَلَسٍ من الثقافة ومن الفكر. وهو مذهبٌ ليس من صميمِ ما عرفته ثقافتنا العربيَّة. فواحدٌ من أعظمِ أدبائنا وهو الجاحظُ، كان قد كتب عن الطعام كلاماً مستفيضاً في كتابه البخلاء، ولم يكن شيفاً أو طاهياً. ولن ننسى الهمذاني في مقامته البغدادية. ولم يتجرَّأ أحد في الأدب الحديث أن يكتب عملاً روائياً يدور حول الطعام (مثلما فعلت هدى بركات في الكتابة عن الأقمشة)، مع أن الطعام جزئية مهمة متكررة في تفاصيل الحياة اليومية، تأخذ من التفكير ما يزاحم أنبل القضايا. أوليس فيه سرُّ الحياة وتدفقها؟
لنعرف مقدار تقدُّم شعبٍ من الشعوب ننظر في تذوُّقه الفنون وفي ازدهارها لديه. وأضيف أيضاً: ننظر في موقع تذوُّق الطعام عنده، وفي نقده أيضاً.

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد