ما كاد الفتى العراقي الغاضب يُطلقُ حذاءه على جورج بوش، حتى وجد الإعلام العربيُّ فيه مادة دسمةً لتأويل النضال العربي، وللبحث في دلالات هذا الفعل الانفعاليِّ، وتعميق أبعاده. فقد تلقفته وسائل الإعلام العربيَّة المتعطِّشة للإثارة، وأخذت تمنح الفعل الغاضب المتواضع معاني ذاتَ أبَّهة. ناهيك عن المواقع الألكترونية التي انشغلت إلى حدِّ الهوس بالقصة وصورها وتداعياتها.
والعودة الآن إلى حادثة الزيدي تأتي بعد أن قضى الشابُّ الغاضب عامين في السجن "لتطاوله على رئيس دولة"، وخرج ليشارك في مؤتمرات وبرامج ومقابلات. وفي إحداها قال المنتظر بالحرف الواحد: "هذا ليس حذاء منتظر الزيدي! هذا حذاء الأمة العربية كلها!!!"، بالرغم من أنَّ بوش لم تصله هذه الرسالة.
ومع أنَّ منتَظَر الزيدي ليس سوى عربي، واحدٍ من ملايين كانت – وربما ما تزال - تتحرَّق شوقاً لضرب بوش وأمثاله، لتفشَّ غُلَّها، الذي لم يفشّه ساستُها، ولتعبِّر عن غضبها الذي يتعاظم، ولا ندري متى ينفجر وفي وجه أي طاغية، إلا أن ماكينة الإعلام العربيِّ صنعت من الفتى الغاضب أيقونةً للغضب العربيّ الذي بدا متوقفاً عند حدود رمي حذاءٍ على ظالم. مع أنَّ العبقريَّة الفلسطينيَّة كانت قد ابتكرت من قبل تقنية رمي الحجارة على عدوٍّ مدجَّجٍ، وتحولت إلى انتفاضة عارمة ثبَّتت أقدامها في العالم كأسلوب من أساليب المقاومة الشعبيَّة، ودخلت قواميس اللغات كلِّها.
غير أنَّ ما يحاول الإعلام الآن فعله هو أدلجة الحذاء، مما يعني أن يجد الغضبُ العربيُّ على المحتلِّ والديكتاتور متنفَّساً سهلاً، تنفثئ فيه موجات اللهب العارمة في صدور الناس. وهومطلبٌ سهلٌ وغاية لا يصعبُ تحقيقها؛ ففي أقدام جميع الناس أحذية وشلاليخ، وليس من العسير التنشين الجماعي على خطيبٍ متنفِّذٍ أو سياسيٍّ ذي صَلَفٍ، ورجمه بأحذية الحشود المجتمعة للاستماع إليه. وبما أنَّ الزيدي قد رمى فقط حذاءه، ولم تتبعه أحذية مساندةٌ أخرى من الجمهور، فيمكننا القول – وها قد انسجمْتُ مع أدلجة الحذاء؛ إنَّ حذاء الزيدي لم يستطع، وقد مضى على رميه عامان ونيف، أن يتحوَّل إلى ظاهرة عربية في المقاومة الشعبية. وما يزالُ ردَّةَ فعلٍ فرديَّةً.
هذا لا يقلل أبداً من وطنيَّة الشاب الغاضب الذي امتُهنت كرامته امتهاناً شديداً عند القبض عليه، وتحوَّل من دون أن يدري إلى رمزٍ مقاومٍ، وضحيَّة من ضحايا الرأي الصريح، مع آخرين وأخريات كُثُر في هذه الأمة التعيسة. ولكنَّ الطريق طويلة أمام الزيدي - وغيره من أفراد الشعوب الغاضبة – لتطوير أدواته في النضال، والتواري عن أنظار الإعلام الذي ينفخ في الحوادث من دون معنى إلا اقتناص المتعة في الإثارة، والأدلجة الفارغة أحياناً.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد