في أكبر الاجتماعات الإعلاميَّة في الوطن العربي، أقصد المنتدى الإعلامي التاسع الذي أقامه نادي دبي للصحافة في مدينة دُبي، وبحضور شيخ إمارتها، وعدد مهولٍ من أعلام الصحف والفضائيّات العربيّة والأجنبيَّة، أطلق العالم الدكتور أحمد زويل دعوته إلى "مجتمع العلم"، طريقاً وحيدةً لنهضة العرب. وهذا يعني أن يُعادَ بناءُ مناهج التعليم وفلسفته خالصَيْن من تغييب العقل، والاستهتار بقدراته وإمكاناته. وهذا يعني أن يُشرَع فوراً في إعادة ترتيب أولويَّاتنا، وفحص ما آلت إليهِ برامجُنا التربويَّة من تخاذلٍ أكلَ مستقبلاً كان يمكنُ أن يكون مثمراً. والحلُّ الذي يبدو سحريَّاً يكمن في عبارة بسيطة هي "احترامُ العقل، والتفكيرُ الحرُّ"، اللذان من دونهما لن يُحرزَ شعبٌ تقدُّماً، ولن يُسجِّل اختراعاً يزاحمُ به مجتمَع العلمِ الدوليِّ. فتحريرُ العقل البشريِّ ضرورةٌ جوهريَّةٌ في أيِّ نُشدانٍ حقيقيٍّ للتغيير. وما لم يُقضَ تماماً على بؤَرِ التخلُّفِ في توظيفِ الغيبِ بديلاً لعالمِ الشهادة والواقع، وعلى اللهاثِ الأعمى وراءَ الحلولِ السَّرابيَّة التي تشبه فتحَ الفنجان والكفِّ ومعرفة أقدار البشر من اتصال هاتفيٍّ، فسنظلُّ أسارى حالٍ من الخِزيِ الحضاريِّ، والتمرُّغِ في ذيلِ الشعوب، بينما الجدلُ دائرٌ عندنا حولَ: هل النقابُ عادةٌ أم عبادة؟ وهل الاختلاطُ حلالٌ أم حرام؟؟؟!!!
بالإضافةِ إلى مناهج تعليميَّة قويَّة وخلاقة، تسمح بإطلاق قدرات الطلبة إلى أقصى مدى، وقائمة على السؤال والتساؤلِ من دون قيدٍ ولا شرط، فإنَّ مجتمعَ العلمِ يحتاجُ أيضاً لكي يوجَد إلى أن تُمحى أميَّةُ النساء والرجال على السواء. وهو جهدٌ ليسَ بالهيِّن، ولكن لإن أُعطِيَ الأولويَّةَ آتى ثماراً خارقةً؛ إذ سيتيحُ ذلك التعاملَ مع العلم بعقلية العلمِ. وسيُستَخدمُ الرأس البشريُّ للتفكير لا لاستقبال خزعبلاتٍ شتى، لا تزدهرُ إلا في انحطاطِ الأمم. فعلينا أن لا نستغرب انتشار هذا الكم الهائل من الفضائيات البذيئة التي تسيء إلى الذوق، وتشتم العقل، ما دام نصف المجتمع العربيِّ يسرح بلا رقيبٍ في الجهل والأمية القرائيَّة فضلا عن أنواعِ الأميَّات الأُخرى.
إنَّ العالم الكبير أحمد زويل مِنَّا، من الطينة نفسها التي جبلتنا، تعلَّمَ في مدارسنا قبلَ أن تتدهور، وأتيحَ له أن يُطلق طاقاتِه الخلاقةَ في مجتمعٍ يحترمُ التفكيرَ والعقل، ولا يرضى ببديلٍ عنهما. وهو في وصفه لعلاجِ النهوض يُدركُ تماماً مثالبنا ومهاوي أقدامنا، ويعرفُ معرفةَ خبيرٍ أدواءَنا، ويدلُّنا على حلٍّ خبره وعاينه وجرَّبه. ويصدقُ فيه القول المأثور: "إنَّ الرائد لا يكذبُ أهله". فلعلّنا نحنُ نصدقُ مع أنفسنا ولو مرة!!!!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد