لكم حذّرنا من ظاهرة العنف اللغويّ (وأسبابه) الذي يتجلّى في قَبول مجتمعيّ عامّ لاستخدام مفردات وعبارات تصِم الآخر الذي قد يكون ابناً أو ابنة أو زوجة أو أختاً أو زميلة وزميلاً في العمل أو عابرة في الشّارع أو كاتباً أو سياسيّاً أو صاحب رأي أو باحثة في موضوع أو فنانة أو شاعراً أو رسول إصلاح أو مفكّراً؛ وخصوصاً ذاك العنف الذي ينبثق عن خلفيّة أيديولوجيّة تبيح للمُعنِّف انتهاك حرمة الآخر، وترصيع جسده بما يتركه الميسم على الفرس من علامات للتّعريف، ولكنّها علامات تتطاول على كرامة الإنسان وتتمادى في تجاوز الحدود المشروعة للرأي والخلاف الموضوعيّ القائم على احترام الحقيقة لا احتكارها. فالعنف اللغويّ الأيديولوجيّ (أي الذي يقتصر على الألفاظ منطوقة أم مكتوبة) هو المقدّمة الطبيعيّة لإرهاب الأبدان والأرواح والأمكنة والممتلكات!
والمثال أمامنا ماثل في العنف الجامعيّ الذي يبدأ بالشّتيمة (عدوان لغويّ لفظيّ) وينتهي بالتّلاحم الجسديّ والضّرب (حوادث الجامعة الأردنية وغيرها)، وقد يصل إلى القتل أو/ والتّدمير(حادثة جامعة البلقاء التّطبيقية وتداعياتها في السلط). 
ولا يمكن -بطبيعة الحال- أن نلوم المعنِّف فحسب، فهو نتاج نظام تربويّ ينتهج القسوة والتّعصّب وانعدام الحوار واحتقار الآخر واحتكار الحقيقة والشوفينيّة المتعالية، ويشجّع على التسلّط والهيمنة، بل يدعو إليهما كشرط من شروط الاعتصام بالعشيرة أو الجماعة الدينيّة أو السياسيّة أو الأغلبيّة أو مؤسّسة الذكورة! وللأخيرة حديثٌ آخر!
هذه العوامل جميعها انتهت إلى ظواهر دخيلة على المجتمع المحلّيّ والعربيّ، جديدة فيه، تتهدّد أمنه المجتمعيّ، وتُعرب عن فساد عميق أصاب طويّته الأخلاقيّة وعقله (الذي وُجد لاستعماله في المحاكمة العقليّة والتّفكير النّقديّ)، برغم التّدافع إلى المساجد والحجاب وإطلاق اللحى. بل إنّ هذا التّدافع نفسه مشوب بقدر عال من التّدافع الجسديّ على مواقف السيّارات وعلى الطّابور وفي السياقة ومخالفة جميع آدابها، وعلى التهرّب الضريبيّ، والاعتداء على المال العام والخاص، وعلى الغشّ في البيع والتعامل الإنسانيّ، وفي التّعالي على المختلف والمغاير ومحاولة تخويفه بألفاظ التّكفير والتّخوينِ والنّبذ والوصم الأيديولوجي، وفي ضرب الحصار على الأفكار والآراء المختلفة، في الوقت نفسه الذي تنشقّ فيه الحناجر مطالبةً بالحريّة وبالديمقراطيّة!
فما هي هذه الحريّة وهذه الدّيمقراطيّة المطلوبتان وأنتَ تسبح في مستنقع نفي "الآخر" وترويعه وإرهابه وتهديده بالاجتثاث والإفناء؟! أوليست محاصرة المحكمة الدستوريّة العليا في مصر لمنع قضاتها من إصدار الحكم بشأن اللجنة التأسيسية للدستور وتعطيل عملها، والصراخ بعبارة تتهدّد حياتهم (والخطاب موجّهٌ إلى رئيسهم محمد مرسي) "أدينا الإشارة نجيبهُمْ لَكْ ب شْكارة" (أي جثثاً في أكياس) هي تعبير صارخ مرعب عما آل إليه مفهوم الحريّة والديمقراطيّة في رؤوس الذين كان العنف والإرهاب درساً أساساً ومنهجاً ضروريّاً في بنيانهم التّربويّ والأخلاقيّ والدّينيّ؟!
أيّ أمل ننشد إذن؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد