ليس للشِّعرِ من يَسعَى له، وإن كنَّا ما نزالُ نبدو أنَّنا نَسْعَى إليه. فهو يتيمٌ -كما قلتُ من قبلُ- وفي حياة أبيهِ أو أمِّهِ. وعلى كثرةِ مهرجاناتِهِ من المحيطِ إلى الخليجِ، إلاّ أنَّه واقفٌ وحدَهُ في زاويةِ الحياةِ العربيَّة كمُذنِبٍ، يتأمَّلُ من هناكَ عقوقَََنا وسماكةَ جلدِنا. فالبيتُ العربيُّ لا وقتَ لديهِ للشِّعرودواعيهِ، ما دامَ مبنيّاً على الاستبدادِ وتمتينِ حُصونِه، وما دامت المرأةُ فيه -خالقةُ الحياة- حبيسةَ أُفقِها الجَهمِ المحدودِ. أما الجهازُ التَّربويّ فأُمِّيَّتُهُ الحضاريَّةُ المسيطِرةُ لا يُدانيها إلاّ تبنِّيهِ الطُّغيانَ منهجاً وأيديولوجيَّةًً؛ فمن أين له الوقتُ والمدى ليقفَ على الجَمالِ وفِتنةِ المعنى؟ ومن هنَّ وهم أولاء اللواتي والذين سيذهبون في مغامرةِ السُّؤالِِ مادامَ أقصى الطموحِ الحفظُ والتَّكرارُ والاتِّباعُ؟ وما دامَ الجديدُ بِدعةًً تُحارَبُ، والحداثةُ كُفراً مُقاوَمَتُها تُدخِلُ الجنَّةَ؟ ولوسائلِِ الإعلامِ باعٌ -وأيُّ باعٍ- في تدوير أمّيّة المجتمعِ واجترارِها، ورَفدِها بما ينقصُها من لوازمِ التَّفاهةِ، وضيقِ المُبتَغَى، وتشكيلِ الشَّبيبةِ على قوالبَ فارغةٍ من أيِّ محتوىً، سوى الجائعِ للصُّراخِ وخصوصاً التَّديُّن. ولمؤسساتِ المجتمعِ دورُها في قتلِ القيمةِ ونَشرِالقُبحِ والابتذالِ والسَّفهِ والتَّسلّط والتَّطرّفِ وما شاكلَها من فنونٍ ساقطةٍ.
الشِّعرُ يتيمٌ في أهلِه، ومطرودٌ عن موائدِنا العامرةِ -إذا عمِرَت- تلك التي نمدُّها لمناسباتِ الزَّهوِ والارتجالِ. يتيمٌ حتّى عندما نحتفي به مُتظاهرينَ بحقِّهِ علينا، وبالتَّفاني في الحَدْبِ عليه، لغاياتِ الإعلامِ والدعايةِ وإراحةِ البال. فليس له شهرٌ واحدٌ في العامِ أو أسبوعٌ نكرِّسُهُ لنقرأه على ملأٍ أو في بيوتِ العلمِ، وما أكثرَها! لنعيدَ اقتباسَ تلك الجذوةِ التي تراكمَ عليها رمادُ التَّركِ والهجرِ والنُّكرانِ. لا نكرِّمُ شاعراً أو شاعرةً إلاّ فيما ندرَ. لا نحتفي بديوانِ الشِّعر إذا صَدَر. لا نمنحُ الجوائزَ، وما أغزرَها! لأولئك الذين واللواتي سرقْنَ النَّارَ من هياكلِ الآلهةِ، وإذا فعلنا فلكي نكرِّسَ العاديَّ أو البائتَ أو الذي فاتَ وقتُهُ. لا نخترعُ أساليبَ لكي نوجدَ الشِّعرَ في صُلبِ حياتنا: كأنْ نوجد منصباً اسمه "شاعر/ة عمّان" مثلاً أو "شاعر/ة القاهرة" أو دمشق أو حلب أو العقبة أو إربد... يستمرُّ عاماً واحداً. أو جائزةً دوليةً لأفضلِ ديوانٍ صدرَ في عامهِ (على غرارِ البوكر للروايةِ). أو نوجد قوانينَ تُلزِمُ دورَالنَّشرِ الخاصَّةَ بنسبةٍ مئويةٍ من مجموعِ نشرِها للشِّعرِ. أو نخصِّص شهراً من السَّنة الدراسيَّةِ (وليكن في الرَّبيع) للاحتفاء بالشِّعر ِومقاربتِهِ وإلقائهِ والالتقاءِ بأهلِه والتَّنافسِ في كتابتهِ. أو نعقد دوراتٍ تدريبيةً للكتابةِ الإبداعيَّةِ والشِّعر على الخصوصِ، نتعهَّدُ فيها بواكيرَ المواهبِ بالصَّقلِ، ونجزي هذه المواهب بالتَّبنِّي والنَّشرِ. أو نعترف بإنجازِ شاعر/ة في كلِّ ملتقىً شعريٍّ. أو نوجد برامجَ إذاعيَّةَ وتلفازيَّةً خاصَّةً بالشعر وما يدنو منه من فنونٍ. أو نلزم مؤسَّساتنا التي تنفق بلا وازعٍ، أن تُنفقَ على الشعر وكتُبِهِ. أو نجزي ناقداً أوناقدةَ تَخَصَّصَا في نقدِ الشِّعر. أونخصِّص عاماً للشِّعر في معارضِ الكتبِ المحليَّةِ والإقليميَّةِ أو... أو....
لدينا كثيرٌ نفعله من أجلِ الشِّعر، من دون أن نقضيَ الوقتَ في البكاءِ على أطلالِهِ.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد