سياسة القمع والبهدلة لا تنفع الأردن وأهله وقيادته في شيء. وكلما ضيقت الحكومةُ وعتاةُ موظفيها وخَدَمِها ومزايديها والمنتفعين المؤقتين الذين يقبضون مقابل مواقفهم المعادية للحرية، على الرأي وحرية التعبير، اندحر الأردن إلى أسفل سلم التحضر في المنظومة الدولية.. فذلك أن الحريةَ مِنَّةُ الخالق لا المخلوق. وليس لعبدٍ يتمرغ على أرض عبوديته للهِ أو للسلطة أو للقمع، فضل على البشر في حرياتها، لأن أمهاتنا ولدننا أحراراً وحرائر.
ولأن الحرية هي الأصل في التشريع؛ إلهياً كان أم بشرياً. فقد كان لزاماً على أولئك الذين يشددون القبضة على حناجرنا، مثل دائرة المطبوعات التي لا شغل لها غير أن ترصد الكتب وتتحرى الأفكار في غياهب رؤوس أصحابها وصاحباتها، وتأخذنا بالظنِّ الذي هو أشد من الكفر نفسه، كما جاء في مُحْكَم الكتاب.. أو مثل دائرة الإفتاء التي تفتي فيما لا يقع في تخصصها أصلاً، ولديها الجرأة أن تصف المجاز والاستعارة الأدبية أو الشعرية (التي لا يجرؤ ناقد ولا ناقدة متخصصة على الجزم أنها تذهب إلى هذا المعنى أو ذاك) بالكفر الصريح.. وكلا الدائرتين لا باع لهما في النقد الأدبي الذي لا يكون نقداً إذا جَزَم أنَّ ما يقوله هو اليقين القاطع.. كان لزاماً على هاتين الدائرتين المولعتين بالتكفير والحكم على الناس من خلال الأدب والفنون، ومنع تداول المطبوعات أن تنظرا في نفسيهما أولاً؛ فقديماً قيل: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه فلزم حدَّه. وكان أحرى بفضيلة المفتي أن يرد المسائل إلى دائرة المطبوعات مع الاعتذار بعدم التخصص (إذ إنَّ تخصُّصَ دائرة الإفتاء لا يتجاوز النص القرآني والحديث الشريف وآراء الأئمة). فالنص الأدبي كائن مراوغ بعيد الغور لا يمنح نفسه بهذه السهولة التي يتخيلها مسؤولو المطبوعات أو فضيلة المفتي.
أسوق هذا الكلام تعليقاً على قرارات الدائرتين في تكفير الشاعرين الأردنيين: إسلام سمحان وزياد العناني في كلام استعاريّ جاء في ديوانيهما المصادَرَيْن. وهي مهزلة كوميدية ما بعدها من مهزلة. وحيث أن مدير المطبوعات يقول كلما راجعناه في قضية إنه "يجتهد" عندما يلجأ إلى القضاء، فإني أذكِّره بمسألتين: الأولى أن يثبت لي انتماءه الوطني بالكفِّ عن الإنفاق غير الرشيد (الذي له اسم لن يُعجبَه) فالمحاكم تكلِّف مالاً، والوقت يترجم إلى مالٍ أيضاً. والثانية أن يثبت لي انتماءه الوطني في رسم صورة حضارية للأردن لا تصنِّفه مع الدول الهمجية التي تتنكر لأبسط قوانين الديمقراطية. فإن ما تفعله الدائرتان في هذا المجال ليس سوى استهتار بالمال العام الذي ندفعه من عرق أرواحنا، وينفقانه في غير وجه حق. ومن جهة أخرى فعلى الدائرتين اللتين تمارسان دوراً بوليسياً على الأفكار أن تتحريا المصلحة الوطنية العليا التي تتلخص في ترسيخ قواعد الديمقراطية واحترام مبادئ حقوق الإنسان ومنها الحق في التعبير. وإذا كان في القوانين المتخلفة ما يخدم التخلف في هذا المضمار، فعلى الدائرتين التعالي عن استخدام أي قانون يسيء إلى صورة الأردن لدى نفسه ولدى العالم أنه ذاهب إلى أن يكون واحة للديمقراطية والحريات العامة. وعلى الحكومة التي تبالغ في تغنيها بالديمقراطية أن تقترح قوانين حضارية ليس منها حظر الاجتماعات ولا تمكين الأفراد البائسين من رفع دعاوى التكفير.

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد