لا أكاد أجد في الثقافة العربية هدفاً أسهل عليها من المرأة، حيث تتبوأ في طرفةِ عينٍ رأسَ الهرمِ في الممنوعات، وتصبح رأس الشرور جميعاً. فإذا وقف خطيب يَعِظُ في الناس كانت المرأة أولى الموضوعات المُحَبَّبة، فبتقويم اعوجاجها (الذي هو بحسب الخطيب فطرةٌ فيها) يسلم المجتمع. وإذا أفتى مُفْتٍ فلكي يحذِّرَ من فتنة المرأة التي تفتك بالأخلاق العامة وتورِدُ الجماعةَ مورِدَ التهلُكة. ومؤخراً طلعت علينا دائرة الإفتاء في المملكة بأنَّ حصول المرأة على كرامتها وإنسانيتها التي نصَّت عليها الشرائع الدولية أمرٌ حرامٌ، ومخالفٌ للشريعة الإسلامية. وفي حين تصمت الدائرة عن قضايا جوهرية ولها علاقة بحياة الكائن البشري من مثل عدم الوقوف بصلابة أمام التكرار الخطير والمتفاقم لما يسمَّى بـ"جريمة الشرف" التي تذهب ضحيةً لها مئاتُ الأردنيات كلَّ عام، وتصمت عن جريمة اغتصاب الطفلات التي تتم باسم الزواج، وتصمت تماماً عن جريمة الفقر التي يذهب ضحية لها معظمُ الأردنيين والأردنيات، بينما يذهب المال إلى جيوب قليلة، وتصمت عن الفساد والسَّفَهِ في الإنفاق الحكومي، نجد الدائرة الكريمة قد انزعجت أيما انزعاج من أن يعترف النظام الأردني بالمرأة كائناً محترماً ومستقلاً. وهو ما رأينا إسلامَنا يحققه عندما جعل الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، مسؤولاً عما يفعل، وإلا لكان من أسهل الأمور أن تُعفى المرأة من ذمتها المالية ومن الحساب في اليوم الآخر، وهو شيx لم يقل به الإسلام، بل أكد عكسه. وبينما يُعفَى الأطفال ومن هم وهُنَّ دون سن البلوغ من التكليف ومن الحساب، مِنْ ثَمَّ، يُحاسَبُ الوالدان ومن في مقامهما عما اقترفا من أخطاء في تربية أطفالهما وعما صمتا عنه من أخطاء الصغار. فأين ذلك من الفتوى التي تُجَرِّم استقلالَ المرأة ومسؤوليتها عما ترتكب من صواب ومن ذنوب. إنَّ مبدأ المساواة في الكينونة الإنسانية لايعني بأي حالٍ من الأحوال، أن يُفتَح البابُ على غاربه لانحلال النساء، فلِمَ يكلِّفُ اللهُ المرأةَ مثل الذكَر وقد خلقها قاصراً؟ وكيف يستقيم العدلُ الإلهي عندئذٍ؟
لست أناطح دائرة الإفتاء في أداء مهمتها، التي تنحصر في تيسير حصول الناس على رأي فقهي يتعلق بإدارة حياتها في إطار الحلال، الذي هو إطار القانون والأخلاق، ولكني أُبدي الرأي في مواقف من المرأة تنطلق من انزعاج عميق من وجودها، وألمٍ ما بعده ألمٌ من انخراطها في الحياة. وهو مُنطَلَق غير صحيٍّ ولا ينسجم مع معنى التكليف والعدل الإلهي والحساب ما كان منه ربانياً أو دنيوياً أرضياً.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد