للتلوث البيئي في حياتنا اليومية أشكال وألوان، لا تقتصر على القمامة والمخلفات البشرية والحيوانية، والتعامل معها باستهتار أو بجهل أو بتعمد، بل تتعداها إلى ما يُؤذي البصر والسمع أيضاً. ذلك أنَّ الروائح التي تزكم الأنف لا تقتصر على الأنف، بل هي مرتع وخيم للأوبئة، ومرتع لصغير الحيوان والحشرات لتدمر حياة البيئة والإنسان. وهو ما تظن البلديات العربية، ومنها أمانة عمان، أنَّه بيت القصيد. وفي حين يعمد المنظر المؤذي عندما يصبح ظاهرة إلى تدمير ذائقة الإنسان، وتشويش معالمه النفسية، وخلع روحه من السكينة التي هي مطلب إنساني طبيعي، (وإلا فلم سمِّيَ البيت "مسكناً" أو "سَكَناً" ؟)، فإنَّ الصوت المؤذي أسرع وأفعل في إقلاق راحة الإنسان، وزرعه في التوتُّر الذي هو أخطر مسبب للأمراض. فالأذُن باب للسعادة أو للتعاسة. وإذا كان الفم يتخير ما يذوقه، فإنَّ الأذن غير قادرة إلا إذا صُمَّت بالأيدي أو بالأصابع، كما في التنزيل الحكيم.
والصوت المؤذي ليس القبيح فحسب، ولا المرتفع الصاخب فقط، ولكنه أيضاً ذاك الذي يعترض الأذن ونحن نظن أننا نمشي في تفكيرنا أو في حديثنا أو في عملنا أو في نومنا أو في عبادتنا أو في أي شأنٍ نحن فيه، فيحولنا عما نحن فيه إلى دخيل صوتي لا يسبب غالباً إلا الإزعاج. فالبشر بحاجة إلى "التركيز"، وبحاجة إلى الإبداع، وبحاجة إلى التفكير، وبحاجة إلى الهدوء حتى يتم لهم ما هم بصدده. ولكن التلوث السمعي أو الصوتي لا يُمكَّن شعباً ولا أُمَّة أن تنجز وتتقدم وتطور ذاتها ما دامت الضوضاء ثقافةً سائدة، والعدوان على المسامع متاحاً ومسموحاً به، والآذانُ مستباحةً.
قد يبدو هذا الكلام مبالغةً، ولكن العلم الحديث يشدد على أهمية الأُذُن في طلب العلاج والتماس الشفاء من أمراض النفس والروح. ويصف أهلُ الطبِّ للمرضى تغييرَ المكان التماساً للهدوء، وقّصْدَ المنتجعات – لمن يقدر – طلباً للسكينة. بل إنَّ سكان المدن الكبيرة لا يحتاجون إلى عبقرية ليدركوا أهمية اللجوء إلى الريف والمواقع النائية لترمِّم ما دمَّره الصَّخَبُ والتوتر الذي تلاه. بل إنَّ بلديات هذه المدن، إن كانت ممن تقدَّم وغادر التخلف قَدَراً، لتحرص على ملء فجوات المدينة بالأشجار والحدائق، التي من شأنها، إلى جانب دورها التجميلي والترويحي والحيويّ، امتصاص الضجيج.
فأين نحن من كل ذلك؟
تحرص بلديتنا على نظافة المدينة، وهذا جيد بل ممتاز، وخصوصاً إذا قارنّا بعواصم عربية أخرى. ولكن ذلك ليس كل شيء. فما تزال عيوننا تبصر القبيح وتؤزِمها الفوضى فيما ترى وفيما تسمع. وإلا أين قوانين الضجيج؟ وأين ممارسات الجمال؟ وأين تثقيف الناس على قيم احترام آذان الناس وعيونهم؟ ما دام الكادر برمته لا علاقة له بالثقافة ولا بالفن. فالمهندس/ة مهمته لا تقتصر على إحكام البناء، بل على أن يكون جميلاً ومفيداً ويحقق تقدماً في مفهوم العمارة.
لقد صمَّت آذاننا تلك الاحتفالات الصاخبة بنجاح في الثانوية العامة أو في مباراة كروية. كما صمت آذاننا الألعاب النارية، وزمامير السيارات بمناسبة ومن دون مناسبة، وأصوات المكبرات في العربات التي تعلن عن بضاعتها، والأغاني – غالباً هابطة – من الجوار والسيارات المسرعة وتلك التي تغازل بنت الجيران، وأخيراً – وسأقول ذلك وأنا أضع يدي على قلبي – من مكبرات المآذن التي لا تؤدي دورها في الخشوع وإيصال التبليغ بالأذان، بل تعمد إلى التباهي والتنافس في رفع الصوت، وكأن الصلاة التي تعلن عن موعدها ليست لقاء مع الخالق بل مع الزعيق والنشاز. فكثير من أَذَنة المساجد وأئمتها– ولا أقول جميعهم – تنقصهم ثقافة الأُذُن التي لطالما كانت مدخلاً للإيمان، كما تنقصهم حساسية السمع التي قد تكون مدخلاً للنفور من الدين. بمعنى آخر، ليس الدين بالزعيق، ولن توصل الضوضاءُ إلى أكثر من آذان صماء. وليس التباري في رفع المكبرات دليل تقوى، بل دليل جهل أولاً، ودليل استهتار بواحدة من أهم نِعَم الخالق "السمع". لدى جميع الناس ساعات يعرفون منها أوقات الصلاة، فما حاجتنا إلى استعمال التكنولوجيا في غير حاجة الخلق؟ بل في تقديم صورة متخلفة للدين؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد