لا يمكنُنا أن نستغربَ ما آل إليه حالُنا من العنف اليومي، ما دامت لغتنا قد عبَّرت في أفصح صورة عن تاريخ العنف في حياتنا وماضينا، والذي لطالما امتلأ بالدماء!! فجيناتنا المعرفية تحمل هذا التاريخ، ولا تمحوه لأننا ببساطة لم ننتقل حضارياً بعدُ من مرحلة الرعي والبداوة الفكرية التي تقوم أساساً لا على بذل الجهد المنظَّم للزرع (أي الإنتاج)، بل على تتبع مواقع الكلأ وما تجود به السماء (وسواها بطبيعة الحال) من وعود المطر وغيره. فما نزال في رحلتنا التعيسة داخل تجربتنا – كشعبٍ – في ذاك التيه الصحراوي الشاق الذي يُنبِئُ عنه أوَّلَ ما يُنبئُ، التجهُّمُ في وجوهنا وسلوكنا ولغتنا.
وما دامت سبعون سنة ونيِّف من عمر دولتنا ونظامها التربوي والسياسي والاجتماعي لم تنجح في صقل النتوءات الحادة في شخصيتنا الأردنية، ولا في تليين طباعنا النافرة التي تدين في جزء كبير منها إلى الطبيعة الصحراوية الخشنة التي تحفر في وجوهنا (التكشير)، وتتطلَّب أكثر من الصلابة لمواجهة غوائلها، من جهة، وإلى التربية البيتية والمدرسية التي قامت وما تزال على العنف، فكيف بالله يكون ممكناً أن نخرِّج أجيالاً سويةً لا تظن أن تحصيل الحق لا يكون إلا بالذراع؟ وقبل ذلك بأقذع الشتائم؟
إنَّ اللسان العربي يمتلئُ بالعنف اللفظي، ولم يكن حالُه كذلك أبداً. فاستقراء الأدب الجاهلي وكتب الأخبار والأدب القديم يوصلنا إلى نتيجة مفادها أنَّ التهديد بالعنف لم يكن إلا في سياق التفاخر بالقوة، وهو سياق بدويٌّ محض لم تعد إليه الأمة في تاليات أيامها. ولكن لغة اليومي الآن، والتي هي لغة السلم، تحفل بإشارات وعبارات لا يحصرها الحصر، تكرِّس العنف في أذهان الأطفال أولاً، ليمارسوه فيما بعد. ومن هذه العبارات التهديد – ولو مزاحاً - بتكسير الرأس أو قطع اليد، أو حرق البيت على من فيه، أو تخريبه، أو قصف العمر، أو إطلاق الرصاص (والله لأقوّصك)... الخ. ولطالما كان خروج أمثال هذه العبارات من أفواه أساتذة ومربين أجلاء وساسةٍ مرموقين (مثل تهديد الوزير المصري فاروق حسني بحرق الكتب في سياق معين) دليلاً قوياً على أن العنف – كمفهوم – قد تغلغل إلى أعماقنا، ودخل وعينا الباطن من دون انتباهنا المباشر. ولذا لم يعد يُدهشني أن أستمع إلى الخطيب يدعو الله (العليَّ العظيم القادر المنتقم المحيي والمميت) أن يبدد شمل (الكفار) و(أعداء الإسلام)، ويفني نسلهم، وييتم أطفالهم، ويرمِّل نساءهم، ويمحو دابرهم!!!! (هذا يشمل في أذهان المتلقين: المرأة غير المحجبة، والجار غير المسلم، وشارب الخمر، والمختلف المغاير، والعلمانيين...) بدل أن يكون الدعاء بالخير والهداية، وهو ما انتقده عدد من الدعاة الإسلاميين أمثال عائض القرني وسلمان العودة والشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي.
ليس العنف اللفظي سبباً مباشراً للعنف الجسدي وامتداداته بالسلاح، ولكنه دليلٌ على تقبل فكرة العنف، وتعويدٌ للناشئة، من ثَمَّ، على شرعية ارتكابه. فلنُعِد النظر فيما أدى إلى العنف في مؤسستنا التربوية ومنظومتنا الأخلاقية (التي تتبناه وسيلةً لحل الأزمات ما جلَّ منها وما صغُرَ) وبنائنا الاجتماعي والسياسي حيث الفقر والأمية وفقدان الرجاء.
المراجع
alghad
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد