إنّها ذكرى أخرى لـ"ثورة 23 يوليو/ تمّوز 1952" الناصريّة: الخطابات نفسها والمقالات نفسها وآيات التكريم والإجلال التي تُسبَغ على "قائد الأمّة العربيّة" جمال عبد الناصر هي نفسها. لكنْ لا بأس بأن نلاحظ عَرضاً أن خواء 23 يوليو هو الذي يتيح للنظام الحاليّ، الذي لا يشارك عبد الناصر أيّاً من توجّهاته الكبرى، أن يتمسّك بـ"شرعيّة 23 يوليو". لا بل إن هذا الخواء هو الذي سمح لرئيس جمهوريّة إسرائيل شمعون بيريس ورئيس حكومتها بنيامين نتانياهو أن يشاركا بحماسة في ذكراها وفي قصّ قالب الحلوى في بيت السفير المصريّ في تلّ أبيب.
لنقل، بادئ ذي بدء، من قبيل تصحيح المعاني وتحريرها، إن ذاك الحدث الذي احتُفل به قبل أيّام قليلة، لم يكن ثورة، بل كان، في حقيقته، انقلاباً عسكريّاً شهدت مثله بالعشرات بلدان "العالم الثالث"، ما بين الأربعينيات والسبعينايت. فـ"الجماهير الشعبيّة" لم تنزل إلى الشارع لإسقاط النظام الملكيّ وإبعاد فاروق، فيما تحقّق أوّل حشد جماهيريّ نسبيّ بعد نجاح الانقلاب وفي ذروة الصراع التنافسيّ بين رئيس الجمهوريّة محمّد نجيب ورئيس حكومته الطموح جمال عبد الناصر. يومها رتّب رجال المخابرات العسكريّة بعض النقابيّين ممن تجمّعوا للهتاف ضدّ "الحريّة" (حرَفيّاً كان شعارهم: تسقط الحريّة)، قاصدين نجيب الذي انحاز لإعادة الحياة الحزبيّة والصحافيّة وإرجاع الجيش إلى ثكنه.
الناصريّون ومن يواليهم يردّون على كلام كهذا بأن 23 يوليو كانت ثورة لجهة إنجازاتها والتحويلات العميقة التي أحدثتها في الواقعين المصريّ والعربيّ. لكنّ هذا، في أغلب الظنّ، كلام لا يستقيم مطلقاً وواقع الحال. ذاك أن أهمّ "إنجازات" عبد الناصر ونظام 23 يوليو إمّا سقطت (وحدة 1958 وإقامة الجمهوريّة العربيّة المتّحدة مع سورية التي انهارت في 1961) أو كانت من الهشاشة بحيث ضُربت (هزيمة حزيران(يونيو) 1967 التي كانت بمثابة محاسبة إجماليّة عن السنوات الناصريّة وما بنته) أو أنّها تحوّلت إلى مشكلات تجهد مصر اليوم للتعامل معها (الحياة الحزبيّة التي كانت ممنوعة، الصحافة "القوميّة"، القطاع العامّ الضخم الخ...). وغنيّ عن القول إن الأرض التي خسرها عبد الناصر في 1967، وهي لا تقلّ عن صحراء سيناء بأكملها، استعادها خليفته أنور السادات الذي انعطف في بنود سياسته جميعاً عن الناصريّة.
فقصارى القول، بالتالي، إن ما يُحتفل به سنويّاً يرقى إلى سويّة مأساة، مصريّة وعربيّة، ما من مبرّر للاحتفال بها إلا المآسي الأكبر التي تلتها ولا تزال. فما جعل الناصريّة أشبه بالحلم الواعد صعود الإسلام الأصوليّ والعنفيّ مصحوباً بتمزّق الأنسجة الوطنيّة في الكثير من البلدان العربيّة التي باتت تعيش قاب قوسين أو أدنى من الحروب الأهليّة والتفسّخ المعلن. بيد أن الحلم لا يخلو، هنا أيضاً، من بعض التسرّع والخفة: ذاك أن الحقبة الناصريّة بالوعود المضخمة التي أطلقتها، ومن ثمّ بالعجز عن تلبيتها والإحباط الذي خلفه ذلك، لعبت دوراً أساسيّاً في التمهيد للكوارث اللاحقة. وكان ما ضاعف الأمر إخفاق سياساتها الاقتصاديّة والتنمويّة، والكبت التعبيريّ والحزبيّ الذي عمّمته من دون أيّ مقابل تعويضيّ، والتراجع الذي أصاب التعليم مصحوباً بهجرة الكفاءات والملمّين باللغات الأجنبيّة. هكذا، وبسبب هذه "الإنجازات" و"المكاسب"، ما إن احتكّت مصر بالزمن المعولم، واحتكّ بها، حتّى تكشّف اللقاء عن نتائج لا تُحمد عقباها.
هكذا يغدو الاحتفال بـ"ثورة 23 يوليو" وزعيمها جمال عبد الناصر مناسبة أخرى للبكاء على النفس، والاستمتاع بهذا البكاء! أليس ذا دلالة بعيدة على أحوالنا أن عبد الناصر – الذي خسر الأرض – أقرب إلى معبود، فيما السادات الذي استرجع الأرض أقرب إلى شيطان؟

 

 حازم صاغية  


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  حازم صاغية   الآداب   العلوم الاجتماعية