لا أستطيع أن أشكو - على المستوى الشخصي - من العام الذي يوشك أن ينصرف؛ فالحياة كانت كريمةً معي، وأنا أستحقُّ؛ أستحقُّ كإنسانةٍ وكامرأةٍ وكعربيةٍ وكمواطنةٍ وكأمٍّ. فهذه معانٍ لا تُناقَش أولوياتها. فهي مجتمعةً تشكِّلُ بعضَ هُويَّتي، والبقيةُ تتكفَّلُ بها صورتي الجسدية وجهادي العقلي. هذا الجهاد الذي انحرفت معانيه في الأرض، حتى صار له أن يقضي على الحياة بوعودِ جنانٍ كاذبةٍ!! وحتى توغَّل وتغلغلَ في الرؤوسِ الصغيرةِ المتتلمذةِ على فقهاءِ العنف، فأنتجَ غربةً عن الحضارةِ، وبعداً عن مسالك الإنسانية السويَّةِ.
لا أستطيعُ أن أشكوَ على المستوى الشخصيِّ من عَنَتِ العام الذي يودِّعني من دون أن يستأذنَ، فحياتي محاطةٌ بأخوةٍ وأخواتٍ أخيارٍ، يتعلَّمُ الحب منهم كيفَ يسعى في النفوس ويُطَهِّر، وكيف يجعلُ طيبُ المَنْبَتِ وسموُّ المقاصدِ العلاقة الإنسانية نسائمَ لينة وسلاماً دائماً وعطاءً لا يقف عندَ حدٍّ.
وها صغيرايَ ينقِّبان في الحياةِ مسعىً للخير وللإنجاز، كما تتمنّى كلُّ أمٍّ، وأنا أفورُ لهما بالرضى والدعاء. وحولي عصبةٌ من صديقاتٍ وأصدقاء، يجعلنَ السعادةَ فكرةً تتحقَّقُ معانيها بالإخلاصِ والودِّ العظيمِ كلَّ يوم. وها في قلبي نبتة الطمأنينة والسكينة أرعاها وقد خلت نفسي من مطالب الدنيا إلا من طلبِ الصحة وابتعادِ العجزِ عني في العقل والجسد.
لا أستطيع أن أشكوَ على المستوى الشخصيِّ؛ ما دمتُ ما أزال قادرةً أن أقضيَ شؤوني بنفسي، وما أزال مستطيعةً أن أقرأ وأكتب وأُعِدَّ طعاماً لي ولصحبتي بين الحين والآخر، وأتفنَّنُ فيه. وما دمتُ أُحسنُ أن أفي بما ألتزم به من مهماتٍ، وإن كنتُ قد اختصرتُ في الصداقة ما فاضَ من براثن صاحباته، ونفيتُ عني الأهواءَ التي تحطُّ بالنفسِ ولا تُلَيِّنُ ظهراً. وزهِدْتُ بما يتعارك عليه الآخرون والأخريات. فلم تعد الحياة مغنماً، ولا أظنُّ أنَّها كانت كذلك لي يوماً.
ولكني لا أستطيع أن أكفَّ عن الشكوى كلما نظرْتُ في مجتمعي. فكيف أستطيع أن أتجاهلَ ملفَّ ارتفاع خطِّ الفقر في بلدي وامّحاء طبقةٍ بكاملها؟ أو تسيُّد الاستبداد على مصائر الناس ما كان من المجتمعِ والأغلبية أم من الثقافة الذكورية؟ أو ملفَّ العنفِ والتساهل في بتِّ جذورهِ وتجفيفِ منابعهِ؟ أو تدهور حال أهل الثقافة، أو العبث بالمال العامِ، وغياب الشفافية والمساءلة وتعثُّرِ الإصلاح؟
ما زلتُ أرى في ملف البيئة أمية الحفاظِ عليها، على كلِّ مستوى، لا أستثني منها مسؤولاً واحداً.. وأرى كيف قُضِيَ على الأراضي الزراعية بتخطيط المدنِ الخائبِ، وكيفَ انتُهِكَ الجمالُ؛ جمالُ التاريخ أو جمالُ الطبيعةِ، بأقبحِ المشروعات، وفي ملف التربيةِ والتعليمِ كيف يُهرَعانِ إلى أسفل، لا بقانون الجاذبية، بل بقانون التهالك والبِلى وانعدام البصيرة.
ملفات كثيرة أيها العام الذي ينصرم.. مع أن رأسمال الموضوع أن نتقن مشروعاً واحداً أو نحقِّقَ إنجازاً واحداً ولو كلَّ عام!
المراجع
alghad
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد