لا يحتاج -في رأيي- أيّ معنى إلى عيد أو يوم للاحتفال به إلا إذا كان معنى معتدى عليه، أو مهملاً يحتاج إلى ذكر وتنويه، وكان إلى ذلك ذا قيمة مهمة للبشريّة أو لشعب من الشعوب. وكذلك ينصرف الأمر إلى الأفراد. ومن هذا الباب كان يوم البيئة ويوم الحبّ ويوم اللغة العربيّة ويوم الأمّ ويوم الطّفل ويوم حقوق الإنسان ويوم الفنّ. ومن هذا الباب أيضاً حرصت منظّمة اليونسكو وبعض المنظّمات الدّوليّة الأخرى على تحديد أيام بعينها ليحتفل بها سكان الكوكب، برغم أنّها تحتاج في هذه الأوقات إلى أن تصرخ في وجه أشكال العدوان الذي تمارسه الدّول والجماعات عالميّاً، لا بتحديد يوم للتسامح وثان لقبول الآخر فحسب، بل بتكريس جهود استثنائيّة لمحاصرة البشاعة الدوليّة التي تعمّ السلوك الدّوليّ في خلق أزمات ومواجهة أزمات! ولهذا حديث آخر.
وعلى ذكر البشاعة، فإنّ من بعض أهداف عيد الفنّ الذي كانت تحتفل به الشّقيقة مصر تمييز الفن عن غيره من أنواع النّشاط البشريّ، لأنه يُعنى بصقل الرّوح، وإعادة هندسة النّفس وإزالة ما يعلق بها من غبار وقبح، سببه الحقد والخُيلاء والتعلّق المذموم بالتملّك والأَثَرة والسّلطة وغيرها... وإذا ما كان قد توقّف الاحتفال بهذا اليوم، منذ تولّى السّلطة حسني مبارك، نتيجة لاعتباره من بقايا الفكر الناصريّ الاشتراكيّ، فإنّ عودته ذات دلالات قويّة كردّ مباشر على تاريخيْن: تاريخ مبارك وعهده، وتاريخ الإخوان وعهدهم! وإذا لم يكن لمبارك من موقف أيديولوجيّ ضدّ الفنّ، فقد كان له موقف أيديولوجيّ من الاشتراكيّة (المرتبطة مصريّاً بعبدالناصر) التي تضع الفنون في موقع متقدّم من نشاطها السياسيّ. وعلى ذلك حدث في عهد مبارك أن تدهورت الفنون التي تعتمد على الدولة وسياساتها المناهضة للجمال والحسّ الراقي بالحياة؛ مثل المسرح والسينما والموسيقى. وظلّت الفنون الأخرى (كالفنون التشكيليّة والشّعر والأدب) تنمو بجهود الأفراد وبقايا الدّفع الذاتيّ الذي اكتسب نشوته في العهد الناصريّ. وإلا فكيف نستطيع أن نفسّر الإسفاف المريع في الغناء وفي المسرح والسينما والدراما التلفزيونيّة وازدحام المدن بالعشوائيات كظاهرة غير إنسانيّة؟ إنه جوّ عامّ أسّسه أنور السادات في انفتاحه العظيم على الرأسماليّة المتوحّشة وقيم الاستهلاك، وتابع السّير فيه خَلَفُه كببغاء.
أما تاريخ الإخوان والحركات المتأسلمة، فليس ذلك الذي تمثّل بالعام الذي قضاه محمد مرسي رئيساً لمصر، بل هو تاريخ ممتدّ إلى بداية السبعينيات، حيث انتعشت منذئذ تلك الحركات، وقويت شوكة الإخوان، تمثّلت في بلوغ بعض أفرادهم مواقع متقدّمة في الحكم، مثل وزراء الإخوان في الأردن في السّبعينيات والثّمانينيات، ومستشاري بعض رؤساء الدول العربية ذات التوجّه الإسلاميّ! وعلى ذلك فإننا نستطيع القول، إنّ تاريخ المتأسلمين، وما يُضمره من ثقافة، والذي جاء عيد الفنّ مؤخّراً رداً عليه، يحفل بالعداء الراديكاليّ للفنون جميعها، والعداء الأيديولوجيّ للجمال، حيث يعتبر فتنةً وخروجاً عن تعاليم الدين كلّ ما بارح الكلمتين المختَصِرتَين للوجود الإنسانيّ برمّته: الحلال والحرام!
ولسنا نغالي. فنظرة سريعة إلى أدبياتهم ومنابر إعلامهم ومواقع تواصلهم الاجتماعيّ تجعلنا نصل إلى خلاصة مفادها أنّ الفنون جميعها "حرام" ما لم تكن من التّفاهة والتّسطيح والخلوّ من الفنّ وقيم الجمال! ولنستمع في هذا إلى غنائهم البائس، وموسيقاهم النائحة، ولننظر إلى أين بلغت ثيابهم ومظاهرهم وعمارتهم وسلوكهم من (التّصاميم المبتكرة) التي تدفن الجمال في أعمق نقطة من الازدراء والكراهية والتجريم!
هل من سبيل إلى أمل؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد