ربما لو أنّ جميع الأغنياء في العالم جعلوا لهم هماً آخر على هامش همّهم الأكبر في تنمية المال، وأنّ هذا الهمّ الآخر يصبّ في التّخفيف عن أولئك الذين واللواتي في أتون الحاجة أو في جحيم القلّة، أقول ربّما أنّه بالإمكان التّخفيف من العناء وجعل الحياة ممكنة! من هؤلاء من تنحني البشريّة احتراماً لهنّ أنجلينا جولي، الممثلة الهوليووديّة، التي لم تأخذها مهنتها في التّمثيل إلى الانغماس في حياة التّرف والانشغال بعمليات التّجميل والانخراط في تداعيات الملل والمخدرات والاكتئاب التي يعرفها جيداً من خبر صدمة المال والشّهرة... ولكنّ المرأة التي تحتل صورها أغلفة أهمّ المجلات، وحصدت على مدى سنوات أعلى الأجور في هوليوود وأهمّ الجوائز، وتحوّلت إلى أيقونة عالميّة للجمال، ها هي تضرب مثالاً نادراً في التنكّر للصورة النّمطيّة لأهل الفنّ السينمائيّ ولأهل الشّهرة، لتجترح طريقاً آخر مغايراً تعبّر من خلاله عن قلبها الرّحيم تجاه البشر، بغضّ النّظر عن الجنس واللون والدين والثقافة!
فالمسار الذي اختارته أنجلينا هو مسار استثنائيّ بجميع المقاييس؛ فبالإضافة إلى تخصيص ميزانية من وقتها ومن ملايينها للعمل الإنسانيّ في المناطق المنكوبة في البلاد العربيّة والشرق المسلم وتبني موضوع اللجوء بسبب الحروب، فإنّها على المستوى الشّخصيّ قد وسّعت من عائلتها -بالمعنى العدديّ والمعنى المناقبيّ- بتبني أطفال من كلّ لون بحيث جعلت من أسرتها نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه أسرة العالم من وئام وتحابّ، دونما اعتبار لأيّ فرق جادت به الطبيعة على أهل الأرض. وإلى أنّها تُحضّر بنفسها وفي صبيحة كلّ يوم إفطار أطفالها الست، تضرب مثلاً رائعاً للأمهات الثريات في تواضع الحياة ونبلها وسكنها في التّفاني الذي يحمل في طياته تساوي الأمّ المقتدرة مع الأمّ الفقيرة التي بالكاد تجدُ ما تُعدّه لأطفالها من طعام! بينما نساء الطبقات العليا -وخصوصاً في المجتمعات محدثة النّعمة- يتركن عالم أطفالهنّ سائباً لتحشوه عاملات المنازل -ودونما رقيب- بما خبرنه من بؤس الحياة وتقشّف معناها وأخطائها الجسيمة القادمة من الجهل والفقر والمرض!
لكم أودّ أن أرى من هذه المرأة نسخاً عربيّة تتنازل عن جزء من وقتها، وجزء من مالها، لإقالة عثرة للبشريّة دون نظر إلى دين أو طائفة؛ فبينما اليد المجرمة تعيث حرباً في الأرواح -سواء أكانت جماعات إرهابيّة أم أنظمة طغاة- تمتدّ اليد الرّحيمة للغوث، في إشارة إلى حيويّة الأمّة وامتلائها بالخير، بعيداً عن الطّنين العقائديّ والصراخ الأيديولوجيّ الذي لا يجعلنا بالتّأكيد خير أمّة أُخرجت للناس!
دعونا لا نفقد الأمل...!
المراجع
alghad
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد