لا يهمّ ما يفعله بيت الشِّعر، بل لا يهم ما لا يفعله، ما دام منذ إنشائه حتى الساعة لم يكن سوى بيت يؤوي عدداً لا يستهان به من الموظفين ليس لديهم ما يفعلونه في يومهم، لأنّهم ببساطة، ليسوا من أصحاب الشأن. فهو بيتٌ صُمِّم خصيصاً - مثل عدد من أقسام أمانة عمان - للعاطلين عن العمل من مهن شتّى. وهذا ليس سيئاً، لأنه - أي البيت - يحلُّ مشكلة البطالة لعدد من خلق الله - لا من أهل الثقافة مثلاً ولا من الشعراء مثلاً - ممّن لم تتسعْ لهم الأقسام الأخرى في الأمانة، فجميعها مكتظٌّ - والحمد لله - اكتظاظاً بمَنْ له عمل ومن ليس. وهؤلاء الـ "ليس" في رقبتهم أسرٌ وأطفالٌ ومدارسُ ومصاريف.. وليس من العدلِ القولُ بقطعِ أرزاقِهم، لأن بقيةَ المثلِ معروف. ولا يتفذلك أحدُهم أو إحداهنّ بأن هذه هي البطالة المقنّعة بعينها، فإن من يده في الماء ليس كالذي يده.. وبقية المثل معروف ايضا.
وصحيح أن رواتب هؤلاء الموظفين مقتطعة من الضرائب الجسيمة التي ندفعها لأمانتنا الغالية على كل عطسة نعطسها، لكن الغاية النبيلة تسمو على سفاسف الأمور، فما تُقاس دنانير فوق دنانير تتسرّب من بين أصابعنا ولا كالماء، ما دام موظفو بيت الشعر ممّن "ليسوا" لا يواجهون عنت الحياة ولا يبلون قسوتها، كما لو كانوا في البطالة الحقيقية. واذا ما كان الشعر هو وقعُ الوجودِ على الوجدان، كما علّمنا أستاذنا الدكتور محمود السمرة، فإنه ليس من الوجدان أن لا يتَّسع الشعر وبيته لعشرين أو ثلاثين عاطلا (عن العمل طبعا)، عدد وفير منهم بينه وبين الكتاب جفوةٌ مستحكمة. صحيح أن هذا العدد لا حاكَ ولا نسج, ولا زرعَ ولا حصد, وأنه يشكل عبئاً على خطط إدارة البيت ومشاريعها للنهوض بالشعر وتوقيفه على قدمين حقيقيتين لا على عيدان قصب. فما يفعل مدير الدار وليس حوله من يثري أحلامه الشعرية بينما الواقع من حوله فقير مدقع؟ ما يفعل وأمانة عمان قد عقدت خططها الباهرة في تنزيل خط الفقر الذي ارتفع فحشدت له - للمدير، وغالبا دونما استئذان - هذا العدد الوفير من الـ "ليس"، بينما آماله كشاعر مُفْلق لا يحدها حدّ؟
من المؤكّد أنّ مدير بيت الشعر يفكّر كلّ يومٍ وكل ساعة بل كل دقيقة من عمر فتوّته المديدة إن شاء الله بمآل الشِّعر في أُمّيّةِ أمَّتِهِ وأجيالها الصاعدة. أكيد أنه لا ينام الليل وهو يحلم كيف بالإمكان استعادة طفل عمرو بن كلثوم الفطيم (المفطوم) الذي خرّت له الجبابرةُ سجودا، إلى أرض الواقع الذي يعج بأطفال الموبايلات والرسائل القصيرة وما تحويه من سمومٍ فاتكةٍ ومحكيةٍ متهافتة.
ليس لديَّ شكٌّ أن إدارةَ البيتِ - بيت الشعر الاردني - قد فكّرت طويلا في كيف بالإمكان استخدام هذا البناء الجميل القابع من إطلالته الرائعةِ على المدرج الروماني وجبال عمان القديمة، أكثر من أنه بيت شَعر (بفتح الشين) للتدخين وشرب الشاي، واكثر من أنه مكان استراتيجي لرمي علب البيبسي وأعقاب السجاير. أكيد أنها فكرت كيف يمكن تحويل هذا المكان الخلاب إلى ورشة حقيقية لصنع الشِّعر، ومنتدى حقيقي لتآلف الشعر مع فنون الإبداع الأخرى.. ولتآلف الشعراء وأهل الشعر لا في الأردن فحسب، بل مع بعضهم في أصقاع المعمورة.
أكيد أنها فكرت كثيرا في خلق حالة من الجَمال - بفتح الجيم - (لا من الجِمال - بكسر الجيم) يستطيع الأردن أن يزهو بها على سائر أوطان العروبة وكذلك الشرق والغرب!! في خلق حالة حضارية راقية تجعل الشعر الذي هو أرقى فنوننا في مقدمة ولائنا لهذا الوطن الطيب، وتعبيرنا عن هذا الولاء الذي من دونه - أي الشِّعر - نكون غثّاً ذاهبا في فراغ المعنى.. وأكيد اكيد خطر في بالها - الإدارة - يوما بعد يوم: كيف أكون أنا نفسي شاعراً، ثم إن بيت شعري خاو وضرير؟
الشِّعر الذي هو إكسير الفنون جميعها، الذي هو الصيحة التي تندّ عن ارتطام الحياة بنا، الذي هو حليب الأم، وملمس قلبها الدافئ، الذي هو الارتحال اليومي للنقص والارتحال اليومي للكمال.. الشعر الذي هو الضوء، والذي هو الماء، والذي هو الإسفين.. الشِّعر.. هو اللقيط التائه المنبوذ في.. بيته..

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد