الإفتاء مسؤوليةٌ أخلاقية، مثل ما هو مسؤولية دينية اجتماعية. وهي مسؤوليات لا ينبغي أن تتناقض أو يضرب بعضُها بعضاً. فإذا قال النبي الكريم: "جئت لأتمم مكارم الأخلاق"، فإن كل ما لا يكون من "أكرم" الأخلاق فهو حكماً من "أرذل" الأخلاق. وعندئذٍ وبحسب المنطق النبوي يخرج من الإسلام.
فالخُلق إما أن يكون كريماً أو رذيلاً، ولا موقع وسطاً بينهما. وكل مراوغةٍ في الخُلُق تخرجُهُ من تلك التي قال النبي الكريم إنه جاء ليتممها. فإذا كان الإفتاء مسؤوليةً أخلاقية، وهو كذلك، فإن أي فتوى تجيز الاعتداء على كرامة الإنسان أو حياته أو جسده، إنما هي "هَتْكٌ" لأخلاق النبوة، وخروجٌ وقحٌ عن ما يتوخاه الدينُ نهوضاً بالإنسانِ وتهذيباً لتوحّشِهِ، فالدينُ أولاً وأخيراً إصلاح. فإذا خرج عن هذا المعنى في سلوك أهله، لم يعد إصلاحاً، بل إفساداً في الأرض، وهو ما حذّر منه القرآنُ الكريمُ بصريحِ العبارة.
والإفتاءُ، بعد ذلك، عِلْمٌ لا جهلٌ وهو علمٌ لا بالشريعةِ فحسب، بل بمقاصدها ايضاً. وهو علم لا بالفقهِ والدينِ فقط بل بعلوم الدنيا مما بَلَغَتْهُ معرفة الإنسان في النفس والمجتمع والاقتصاد والإناسة (الانثروبولوجيا) والصّحة.. وغيرها من العلوم الإنسانية. فهذه مجتمعةٌ تحقق في الإفتاء الديني صفته الإنسانيةَ، وتجعله - من ثَمَّ - مفيداً للبشر وميسِّراً لحياتها.
ولذا، فإنَّ كلَّ إفتاءٍ يخرجُ عن مقاصدِ الشريعةِ في صَوْنِ كرامةِ الإنسانِ وحياتِهِ وجسدِهِ، وكلَّ إفتاءٍ لا يأخذُ بقوانينِ التحضرِ البشري، إنما هو إفتاءٌ غابرٌ مجحفٌ متخلفٌ، وكذلك متوحشٌ.
في هذا السياقِ يؤكدُ مفتي المملكةِ العربيةِ السعوديةِ وكما ورد في الصحفِ (الحياة اللندنية، الغد 15 كانون الثاني الماضي)، "أنَّ زواجَ القاصراتِ ممن بلغنَ سنَّ العاشرةِ حلالٌ"، وأن "الأنثى إذا تجاوزتِ العاشرةَ من العمر او الـ 12، فهي قابلةٌ للزواج، ومن يعتقد أنها صغيرةٌ فقد أخطأ وظلمها". انتهى.
اولاً. أحبُّ أنْ أفصلَ هذا المفتي عن مملكتِه. بمعنى أنّ ما يتفضلُ به فضيلةُ المفتي من فتاوى غير حضارية، تُنبئ عن جهلٍ مدقعٍ بألف باء الإنسانية والاجتماع البشري، يُحْرِجُ دولته أيَّما إحراج، وخصوصاً أنها بدأت تخطو نحو التحديثِ، والأخذ بأسباب التقدم فيما يخص الإنسان وحقوق الإنسان. وإن صَمْتَ المملكةِ على هذا النوع من المفتين سينسفُ نسفاً تلك الصورةَ التي تَسعى السعوديةُ إلى تسويقِها من أنها دولةٌ بدأت تسعى إلى حقوق الإنسان.
ومن جهةٍ ثانية، لا يبدو كلامُ المفتي خطاباً في المعرفة، ولكنه خطابٌ في الجهل، ولتعزيزِ مجتمعِ الجهل. صحيحٌ أن الناسَ المثقفةَ - بشكل عام - لا تنتظرُ هذه الفتوى لتعلمِ ما الحلال وما الحرام في زواج القاصرات، ولكن الأميةَ أسهلُ ما تكون هدفاً سائغاً لأمثالِ هذا الخطابِ المتخلف، الذي بدل أن ينوَّر ويضيءَ يزيدُ العتمةَ.. وبدل أن ينهضَ بالناس والأفكار والأخلاق يهبط بها.
إنّ تحليلَ زواجِ القاصرات والطفلات، تحليلٌ للاغتصاب في أبشع صوره (اغتصاب الاطفال، وهتكٌ لعِرض الطفلةِ باسم الدين. فالأطفالُ - يستوي في ذلك طبعاً الإناث والذكور- أمانةٌ في أعناق المجتمع والوالدين ومن يحلُّ محلهما، لحين نضوج العقلِ وبلوغ الرشد وتحقق القدرة على الاختيار. وإذا كانت هذه الفتوى تتضمن ظاهراً كلمةً مثل "مصلحة البنت"، فعلى جمهورِ المصلينِ الذين استمعوا إلى فضيلته أن لا يصمتوا، وخصوصاً أنهم غالباً من أساتذة الجامعات. إذ أين تكمن مصلحة طفلةٍ في أن يَسْتَعْمِلَ جسدَها وأعضاء أنوثتها - في الغالب - ذكرٌ راشد وأحياناً كثيرة رجلٌ كهل أو شيخ؟ ما الذي تدركه طفلةٌ في العاشرة من الحياة والعِشرة وقيم الزواج والجنس؟ بل ما الذي يدركه جسدُ الطفلة من الجنس وآلياته ومعناه ورغباته؟
لا يحتاج الأمر إلى تفسير، ولكن للتخلف والعنجهية الذكورية والغباء ألواناً وأشكالاً، كما أن الظلم والتباهي بتبريره محنةُ الدين في أهله. وهي محنة قديمة منذ تدوين الحديث الشريف، ومنذ ادّعى رواتُه أن رسولَ الله قد بنى بطفلة اسمُها عائشة بنت عبدالله بن أبي قحافة (ابو بكر الصديق)، ولم تتجاوز التاسعة. وهي تهمةٌ بشعة لنبي الإسلام والمسلمين. وفي حين أن بعض المحققين الموضوعيين والذين في رأسهم مُخٌ، توصلوا بالبيّنة العقلية والتاريخية إلى أنها - أي السيدة عائشة - لم تتزوج قبل السابعة عشرة.. فإن الشائعَ المعيبَ والمصدَّقَ أيَّما تصديق من عامة المسلمين والمستشرقين وأعداء الإسلام الذين وقعوا في هذه الرواية الكاذبة على كنزٍ لشتم الإسلام ونبيه - هو تلك الرواية الشوهاء المجردة من الإنسانية والموغلة في الهمجية. فما هؤلاء القوم الذين يصدّقون عن نبيِّهم سيد مكارم الأخلاق - والذي لم يُؤْثَرْ عنه ظلمٌ أو خشونةٌ أو حَيْدٌ عن سراطِ مكارم الأخلاق أنّه يفتِكُ بطفلة؟ وما هو الاستثناء العقلي والروحي وملامح النضج الجنسي التي وجدها نبيٌ كريمٌ في شيخوختِهِ في ابنة صاحبِه التي لم تتجاوز السنين التسع؟
المراجع
alghad
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد