هذه الكلمة من اختراعي، فليس في العربية الفعل الخماسي "تدهده" ولا الثلاثي "دهه"، ولكني وجدتني اقولها وأنا اعني اولئك الذين يتخذون الدين تقية لغرض آخر كالسياسة مثلا (الاسلام السياسي, ابن لادن ومن جرجرة) أو للتمنظر في المجتمع وإحراز سعر اعلى (الوجاهة الرائجة)، أو لحسم الانتعاش الدائر في شؤون الحياة وقضايا العقل (الارهاب الفكري)، أو لإحراز وظيفة لدى مرآب مستتر، أو لإخفاء حقيقة المرابي بثوب قصير من الدين.
المتدهدهون هم اولئك الذين لديهم برامج محسوبة من استعمال الدين، تمنحهم النجاح في الحياة ووفرة الرزق (يسمونه التوفيق من الله), وهذه البرامج تؤهلهم للوصول الى المتدهدهين الصغار (بسطاء الناس) الذين تطحنهم الازمة الاقتصادية فيدخلون اليهم من باب الزكاة والصدقات، ويسدون رمقهم ويبلون ريقيهم بمعونة تبدأ من توفير حجاب الرأس واللباس الشرعي للمرأة، والدشداشة والطاقية البيضاء وإطلاق اللحية والشالوخ للذكور... مع بعثة هنا، ودراسة هناك، وعمل لهذا، ووظيفة لذاك..
لا يريد المتدهدهون الكبار من المتدهدهين الصغار شيئا مقابل هذه الخدمات، سوى التمترس بالدين (ولو كان ذلك بغباء وقصر نظر)... لا يريدون منهم ان يفهموا الرأي والرأي الآخر، ولا ان يؤمنوا بالحوار، ولا بتعدد النظريات والافكار والانتماءات والثقافات بل، بالاسود والابيض ليس وغير.
يريدون منهم ان يفهموا انهم هم دائما على حق وصواب, وأن ما عداهم باطل باطل.
ليس مهما بالنسبة للمتدهدهين الكبار ان يتأمل المتدهدهون الصغار في جماليات الدين وأن يستمتعوا بجماليات القرآن... بل ان يتمسكوا بمظهرهم الشجي في الدشاديش واللحى، والاثواب الشرعية التي يلقط طولها السابغ تراب الطرقات.
وأن يستمعوا الى القرآن. ولذلك اخترع المتدهدهون الكبار صناعة جديدة يصرفونها لدى المتدهدهين الصغار (الذين لا يملكون شيئا اصلا) الا وهي الاشرطة المسجلة التي عليها ألوان من القراءات القرآنية... وليس مهما ان تكون بأقبح الاصوات، وكذلك اشرطة الخطب والمواعظ التي يكاد ينشق فيها حنك الواعظ من كثرة صياحه وهياجه.
تدور الخطب والمواعظ في غالبيتها في معانٍ تافهة من الحياة، وتنصب بشكل اساسي على المرأة وحجابها وزينتها ورائحتها (انه من الحرام ان تضع العطر أو تستعمل الصابون المعطر، ولكنه ليس حراما ان تطير رائحة عرقها ميلا امامها)... كما تقوم على سب تلك، وتكفير ذاك من اهل الكتابة والعلم...
يمتلك المتدهدهون الكبار الصناعات ويقوم المتدهدهون الصغار بتمويلها سواء بالشراء أو بشراء الاسهم (البنوك، دور الازياء الشرعية، المدارس الدينية، الجامعات الاسلامية، المستشفيات، وحتى البقاليات).
لا يعلم المتدهدهون الصغار انهم طحين جاروشة المتدهدهين الكبار، لأن كل ذلك وكل شيء يتم باسم الدين، ثم ان المتدهدهين الصغار لديهم بالمقابل سطوة ما بعدها سطوة.
فيستطيع اجهل نفر ان يقارع بقليل ما يحفظه (ولو كان مشوها محرفا- مش مهم) اكبر الناس علما ومعرفة, ويكفره, في يد المتدهدهين الصغار جهاز التكفير جاهز وشغال... وبينما لدى المتدهدهين الكبار خطط السياسة والكر والفر والمداهنة والتظاهر السلمي، يكون المتدهدهون الصغار على حافة الانفجار، منتظرين الاشارة الى الانطلاق للتدمير والقتل والانتحار....
الجارة الطيبة -قيل لي- وصل اليها التدهده بعد ان استمعت الى دروس الواعظة في المسجد القريب, (وهي غالبا واعظة امية) انقلبت الى متدهدهة صغيرة، تزور بالوجه عنا، وتلقي علينا زبالتها.
سائق التكسي اللطيف الاجتماعي الحباب، سد وجهه ووضع تكشيرة محترمة، ولعلع مسجلة بخطبة قبيحة... بائع الخضار الظريف سريع البديهة اطلق لحيته ووضع طاقيته وفتح المسجل على اعلى صوت بترتيل للقرآن بصوت قبيح...
ما دام الفقر وانعدام الحريات أو تضييقها مستشريين فستظل طريق المتدهدهين الكبار الى المتدهدهين الصغار سالكة.
ولن تنطوي صفحة هذا الفهم الاعمى للدين ومن ثم مخاطر الانفجارات الامنية والخوف على مستقبل الحياة... قط.
والحكومات الواحدة تلو الاخرى متورطة في المسألة ما دامت لا تفعل الكثير لأفظع خطرين "الفقر والحريات".

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد