يلتقي رئيس الوزراء، نادر الذهبي، اليوم بقيادات القطاع المصرفي في اجتماع يعتبر بادرة إيجابية طال انتظارها وذلك بسبب طبيعة المرحلة التي يمر بها الاقتصاد الأردني، والدور الرئيسي الذي يمكن أن يلعبه القطاع المصرفي في تنشيط الاقتصاد ودرء مخاطر التراجع والجمود الذي يشهده وإبعاد عواقبه عن الجميع وطنا ومواطنين وحكومة.
ولكي يتنشط الاقتصاد لا بد من وسائل تحفزه على ذلك، وأهمها السياستان المالية والنقدية.
أما السياسة المالية؛ ولظروف الأردن الخاصة التي يمكن تلخيصها بمحدودية الموارد المالية الحكومية والعجز المزمن الذي تعيشه الموازنة العامة وارتفاع الإنفاق العام غير المنتج خلال الفترة الماضية وما وصل إليه حجم الدين العام، فيمكننا القول إن السياسة المالية لا تملك الحل المواتي لتنشيط الاقتصاد، وإن المكابرة في ذلك سيكون لها انعكاسات سلبية على مجمل الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني.
لذلك فالحل ليس في السياسة المالية، وإن كان لا بد من مواجهة المشاكل المالية الحكومية والعمل على إصلاحها ووضع قانون ضريبة محفز وعادل.
أما السياسة النقدية؛ وهي أكثر ما نحتاج لتفعيله الآن وهي جوهر اجتماع الرئيس مع القيادات المصرفية فهي جانب أساسي من الحل، لذلك لا بد من البداية أن نبيّن مجموعة من الحقائق؛أولها أن السياسة النقدية المتحفظة التي كان البنك المركزي ينتهجها والتزام القيادات المصرفية بها والتزام هذه القيادات بقواعد الحيطة والأمان المصرفي كان سببا رئيسا وراء تجنيب القطاع المصرفي والاقتصاد الأردني من الوقوع في براثن الأزمة الاقتصادية العالمية، وهي مصرفية مالية في جذورها امتدت فيما بعد إلى بقية القطاعات الاقتصادية. ولكن ظروف المرحلة التي يمر بها الاقتصاد الآن، تتطلب أن تراعي السياسة النقدية ظروف الانكماش التي نعيشها والتعامل بمرونة مع معطياتها وتطويع تعليماتها لتتناسب معها.
وثالثها، أن القيادات المصرفية مسؤولة عن حماية ودائع عملائها، وبالتالي فإنهم لن يدخلوا في مغامرات تجلب عليهم الوبال، بغض النظر عمن يطلب منهم ذلك، فالمسؤولية أولا وأخيرا تقع على عاتقهم ولن ينفعهم اعتذار مسؤول هنا أو هناك عندما تصلهم شرور أعمالهم إن ساروا فيها بدافع المجاملة بعد أن تكون الفأس وقعت بالرأس.
ورابعها، أن القيادات المصرفية لا تقوم بواجبها تجاه مساهميها ومودعيها إن هي واصلت العزوف عن الإقراض، فمنح التسهيلات هو عملها الرئيس ومصدر أرباحها، ومهما استطاعت أن تحقق من أرباح غير تشغيلية في ظرف ما، فإنه يبقى الاستثناء وليس القاعدة، وأن واجبها يحتم عليها أن تستمر بالبحث عن العملاء المليئين المنتجين لتقدم لهم القروض بالضمانات التي تحمي أموالها وبالآليات التي تمكنهم من تسديدها.
وخامسها، أن القيادات المصرفية تدير البنوك كمؤسسات تسعى لتحقيق الربح والنمو وزيادة حصتها في السوق، وهذه محركاتها للعمل، وتحتاج وهي تسعى لذلك إلى السياسات والأدوات السليمة وبالتعاون مع البنك المركزي لتمارس دورها كمؤسسات وطنية تحتفظ لديها بأموال المواطنين ما يميزها عن غيرها من المؤسسات الاقتصادية الأخرى، وبدون ذلك فلن يحركها للعمل خطاب أو دوافع أخرى.
وسادسها، أن القيادات المصرفية وهي تمارس عملها فإنها على اتصال وعلاقة يومية مباشرة مع البنك المركزي يحكمها مجموعة من القوانين أهمها قانون البنك المركزي وقانون البنوك وقانون مراقبة العملة الأجنبية، إضافة إلى حزم من التعليمات التي تنظم عملها.
إن المرحلة التي يمر بها الاقتصاد الأردني بتداعيات أزمة اقتصادية عالمية مصحوبة بتحديات سياسية داخلية وإقليمية تلقي على أطراف العلاقة الثلاثة (الحكومة والبنك المركزي والقيادات المصرفية) بمسؤوليات جسام تفرض ضرورة تنسيق خططهم وأدوارهم واتخاذ قرارات سريعة إضافة إلى بلورة إجراءات يتم الإعداد لاتخاذها خلال الشهور القليلة المقبلة وإجراءات أخرى على مدى الفترة 2010-2012 وذلك ليتمكن الأردن من الخروج من الوضع الحالي سليما ومعافى.
على الجانب الحكومي، فقد أصبح من الضروري أن تعالج الحكومة ماليتها، وتتوقف عن الاقتراض الداخلي، وعدم منافسة الفعاليات المحركة للنشاط الاقتصادي في الحصول على التسهيلات الائتمانية، لأن إنفاق الحكومة في معظمه غير منتج ولا يحقق التنشيط الاقتصادي المستهدف؛ إذ أن القيادات المصرفية تبقى في النهاية إدارات تبحث عن الربح من أقصر الطرق وأكثرها ضمانا وتوجه تسهيلاتها للطرف الذي يحقق لها أهدافها من ربحية وأمان وسيولة وهي في الإقراض للحكومة، التي لا ينافس ضمانتها أي فعالية اقتصادية أخرى، تجد ضالتها المنشودة بخاصة أن الطرفين (الحكومة والبنوك) أصبح من مصلحتهما وقف هذا الإقراض بعد أن وصلت المديونية الداخلية للحكومة إلى (6) بلايين دينار، إذ أن للحكومات أيضا طاقة على خدمة قروضها. أما اقتراض الحكومة من الخارج فليس في صلب الاجتماع المرتقب وإن كان يستلزم من الحكومة ضبطه.
كذلك، على الحكومة أن تعمل على إعادة هيكلة المؤسسات المستقلة ووقف توالدها ودمج المتشابه منها وتقليص موازناتها وتحسين أدائها وتكليفها بوضع خطط عمل لها تدر عليها عوائد تصرف منها على نشاطها وترفد بها الخزينة، وتلك أول خطوة تساعد الحكومة على ضبط اقتراضها داخليا وخارجيا.
وعلى الحكومة أيضا أن تعمل على توحيد المرجعية الرقابية في القطاع المالي برمته، وقد تابعنا بلهفة نوايا التنسيق بين ديوان المحاسبة وديوان المظالم، ما يتطلب وضع خطة حكومية شاملة تقضي على تشتت المؤسسات الرقابية على القطاع المالي برمته ووضع إطار مرجعي لها وإصدار القوانين والتعديلات اللازمة.
فليس من المعقول أن يستمر الوضع القائم بما فيه من احتمالات تضارب وتناقض، الذي يشرف فيه على هذا القطاع البنك المركزي وهيئة الأوراق المالية ووزارة الصناعة والتجارة (مراقب الشركات) وهيئة التأمين، بخاصة ونحن نرى على سبيل المثال أن القيمة السوقية لرؤوس أموال الشركات المدرجة في بورصة عمان قد تجاوزت العشرين بليون دينار، وكيف اكتوى الاقتصاد الأردني بتداعيات قضية شركات الاحتيال للاستثمار في البورصات، وانعكاسات قرار البنك المركزي بحل مجلس إدارة بنك المال على بورصة عمان.
كما أن على الحكومة أن ترٌشد وتوحد خطابها الاقتصادي، فليس من الحكمة تضارب تصريحات الوزراء في العلن، ولا تصب في الصالح العام تناقضات الفريق الحكومي في فهمه لما يجري وكيف يمكن معالجته، وليس في صالح الحكومة أن يظهر بعض مسؤوليها وهم يدافعون عن أنفسهم ردا على تصريحات أو أرقام أعطاها زملاؤهم، كما ليس في صالح الحكومة أن يظهر أحد أعضاء فريقها وهو يلمّع نفسه ويظهرها كنجم ساطع وسط ظلام بقية فريقها، فهذه الظواهر لا تخدم الأداء العام بل تقزّمه وتسيء له كما تسيء للاقتصاد الوطني وتربك فعالياته. وعلى الحكومة أن تدرك أن الأردن، كغيره، يعيش مرحلة انفتاح إعلامي داخلي وخارجي بحكم ثورة الاتصالات، وانخفاض كلفها التي جعلت المواقع الإلكترونية تتزايد، وكذلك عدد المواطنين الذين يستعملون الشبكة العنكبوتية العملاقة، وإذا كنا نتغنى بذلك صباح مساء كمؤشر تنموي، فعلى الحكومة أن تطور فهمها لطبيعة هذا الانفتاح وتطور وسائلها في العمل والتعامل مع مواطنيها ومع الفاعليات الاقتصادية بما ينسجم مع هذه الثورة المعرفية ووسائلها وفنونها، فالثورة المعرفية التي لا تدفع بالتنمية تشير إلى خلل ما في مكان ما، ولا يجدي الحكومة نفعا انتقاداتها للإعلام ووسائله الحديثة من مواقع إلكترونية وفضائيات ومراسلين وصحافة وصحفيين.وانطلاقا من هذا كله، فالحكومة تعمل عين العقل إن وضعت خطة تواصلية لها مع القطاعات الاقتصادية لتعرض لهم خطابها الاقتصادي، وكذلك مع المواطنين في مضاربهم، لتشرح لهم أيضا فهمها لما يجري وتعرض عليهم أفكارها وتستمع لبث شكواهم ولما يقولونه ويقترحونه، بخاصة أن قائد البلاد حرص في أكثر من مناسبة على توجيه الحكومة بهذا الصدد وتوسيع إطار المشاركة الشعبية.
هذا علما بأنني أعني بالخطة التواصلية أمرا يختلف تماما عن الطريقة التقليدية التي تتم فيها لقاءات الحكومة مع المواطنين، والتي تدعو فيها وجهاء المناطق والمسؤولين السابقين من سكان عمان لتحاورهم وليجلسوا بالصف الأول ويغادروا إلى مناطقهم مباشرة بعد اللقاء من دون حضور ومحاورة المواطن المعني حقيقة بالاجتماع، تاركة ذلك المواطن في حيرة وحنق وارتفاع وتيرة الشكوى والاحتقان.
أما على جانب البنك المركزي فقد تم تخفيض متطلبات الاحتياطي النقدي الإلزامي من البنوك من 10 % إلى 7 %، وتم تخفيض مؤشرات سعر الفائدة، ولم يدفع هذا القيادات المصرفية إلى تخفيض فوائد الائتمان كما لم يدفعها لمد القطاعات الاقتصادية بالتسهيلات الائتمانية نتيجة وجود مقترض حكومي مضمون ومنافس وحرص البنوك في ظل مخاوف غذتها حالة التراجع والجمود وتوفر نافذة الإيداع المفتوحة لهم لدى البنك المركزي التي تعطيهم عائدا ممتازا.
لذلك على البنك المركزي أن يخفض الفائدة على نافذة الإيداع، وأن يسهل آلية جدولة القروض غير العاملة لدى البنوك وأن ييسر آلية تصنيف القروض وتحويلها إلى قروض متعثرة بما يراعي ظروف المرحلة، وأن يتابع توزيعات أرباح البنوك في نهاية السنة المالية 2009 ليحقق تمتين أوضاع البنوك بتجنيب المخصصات الكافية للقروض بالدرجة الأولى وما ينسجم مع طلب المساهم بالحصول على جزء من الأرباح ثانيا إن كانت أوضاع البنك المالية تسمح بذلك.وقد يكون مناسبا للحكومة والبنك المركزي أن يشكلا طواقم عمل لدراسة واقع الفاعليات الاقتصادية قطاعيا للوقوف على ظروف كل قطاع ومعاناته لوضع خطط وآليات عمل تتجاوب معها وتسعفه إن كان يلزم وتحفظ حق البنوك في نفس الوقت. كما أنه من الضروري اتفاق الطرفين على حدود النشاط الاقتصادي المسموح به للرعايا العرب المقيمين في الأردن وتنظيمه ومراقبته كغيره من الفعاليات بدلا من المراوحة خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الوراء وبدلا من معالجته بطريقة القرارات الصادمة، ما يضر بالمصالح الأردنية اقتصادية وغير اقتصادية مع شركائنا التجاريين.
إن اجتماع الرئيس بالقيادات المصرفية يمكن أن يكون من أهم أحداث السنة على الصعيد الاقتصادي، بخاصة أن الحكومة التي وصلت مديونيتها قرابة عشرة بلايين دينار اتخذت قرارها النفسي بضمان الودائع البالغة عشرين بليون دينار ولم يكلفها قرارها شيئا مثلها مثل حكومات دول أخرى، لكن العبرة تبقى فيما سيتمخض عن الاجتماع من نتائج عملية ترى النور.
المراجع
alghad
التصانيف
صحافة زيان زوانه جريدة الغد