قبل أن نبدأ بلوم مئات ألوف الأردنيين الذين يغادرون إلى سورية بعد أن تم إلغاء ضريبة المغادرة برا على الأشخاص والمركبات، سعيا وراء تنسم هواء دمشق وساحاتها، ووراء أكلة طيبة في مطاعمها وتحلية لذيذة في محلات حلوياتها، وتذوق بوظة "بكداش" في سوق "حميديتها"، علينا أن نستمع لحديث آخر اسمه "الاقتصاد الذكي" وقدرته التنافسية.
ونتذكر قبل ذلك، كيف كانت ضريبة المغادرة، قبل إلغائها حديث بيوتنا وصالوناتنا وجلساتنا، وكيف كنا نتندر عن كيفية الانتقال عبر دول أوروبا بيسر وسهولة بسوقها المشتركة وشكل وحدتها السياسية والنقدية وحدودها المفتوحة.
ارتبط الأردنيون بالشام بعلاقات رقيقة حلوة تعود إلى سنين طويلة مضت، واشتراك بتاريخ فرضته الجغرافيا وروابط دم ومشاعر إنسانية لا تقل قوة ورقة وصلابة عن روابط التاريخ والجغرافيا، وبفعل المصالح المشتركة حدودا وأمنا ومياها وسماء وأخطارا تتهددهم، عندما وجد بعض الشاميين، في مرحلة تاريخية، في الأردن والأردنيين وطنا وأخوة.
كانت الشام وفلسطين صديق الأردني المجاهد والتاجر والسائح والمغترب والعازب الذي يبحث عن رفيقة عمره، قبل أن يكتشف العالم وردية خزنة البتراء ودفء مياه العقبة وروعة جبال رم، وحمرة صخوره الشامخة الأبية الصامدة وسط أنس الصحراء وفرادتها التي تكاد تنطق بما شهدته رمالها من أحداث سجلها التاريخ، وألهمت العباقرة والمؤرخين والكتاب والدارسين منذ غزو الحلفاء للعقبة مرورا بشخصية الأردني التي سجلها التاريخ والسينما لعودة أبو تايه.
قبل أن نعتب على مواطنينا لذهابهم إلى الشام، علينا أن نسأل أنفسنا كم أردنيا زار البتراء وزار بيت الملك المؤسس في معان؟ وماذا فعلنا لذلك البيت وهل رممناه وأقمنا منه ذاكرة للوطن تحكي قصة وتاريخ الأردن من البدايات حتى الآن، بينما طوابير سياراتنا تنتظر بلهفة لتصل إلى سوق الحميدية؟ كم مواطنا أردنيا سمع بقلعة الشوبك؟ وكم مواطنا زارها؟ بل وكم مسؤولا يعلم عنها وزارها؟ وكم مسؤولا زار أو يعلم عن أحراش "برقش" ومحميتها ومحمية ضانا؟ ماذا فعلنا لمحطة الخط الحجازي والقلعة في "الحسا" التي تنتظر على الرصيف زوارها وهي تنظر إلى رمال الزمن الممتدة أمامها باكية والسيارات تعبر بسرعة من دون أن تلتفت لها ولتاريخها؟ ماذا فعلنا "بوسط عمان" ومدرجه الروماني الذي يمزج الماضي بالحاضر؟ ماذا فعلنا بقصر الملك المؤسس في الشونة الذي يحكي قصة أردنية لايعلمها كثيرون؟
قبل أن نشغل أنفسنا بإحصاءات السيارات والأردنيين المغادرين إلى الشام، علينا أن نسأل أنفسنا ومسؤولنا ماذا فعلنا لفرادة البحر الميت، وهو في بطن الأرض يحيطه تاريخ السموات وأديانها وأنبياؤها، ما جعل المستثمرين المصريين يجدون فيه الفرصة الاستثمارية الرابحة.
المواطن الأردني أذكى من اقتصاده، فارتفاع كلفة دخوله شاطئ البحر الميت ومنتجعاته، جعل الشام أقرب إليه من البحر الميت، وارتفاع كلفة شواطئ العقبة قَرّبت إليه شواطئ شرم الشيخ وطابا، ما أدى إلى تفتق ذهنية البعض عن فرض ضريبة مغادرة عليه تصل إلى خمسين دينارا لعقابه.
لله دركم، إن إلغاء ضريبة المغادرة بين الأردن وسورية لها معان أكبر من مجرد سياحة لدى البلدين، وقد صعّبتم السياحة الداخلية على المواطن وجعلتموها عالية الكلفة وقربتم الشام البعيدة عنه القريبة لقلبه وجيبه، وحرمتموه من البحر الميت بملحه واستشفاءاته، التي أصبح لا نصيب له من منتجعاته سوى المرور أمام بواباتها، فليخرج علينا صنّاع الخطط السياحية وشراكة القطاعين العام والخاص بوصفة تشفينا وتعيد للمواطن الذكي حصته في التنمية بدلا من معاقبته.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زيان زوانه جريدة الغد