في عز دين حُمى السلام والاحتفالات بالغد المشرق مع جار الهنا ، لم ينس هذا الجار أن يُحول غصن الزيتون الذي زين بعض الفلسطينيين به دبابات الاحتلال (احتفالا بالسلام،) لم ينس أن يحول هذا الغصن إلى سهم مسموم مدبب لطعن أي قطعة لحم عربية يطالها ، سواء كانت من معسكر الاعتدال أو التطرف ، أو معسكر الغفلة ، فاللحم العربي واحد في معياره ، والدم العربي منذور لعجن فطير صهيون،.

حكماء صهيون لم تغرهم أوهام الجيرة الحسنة ، ولا مشروعات الشراكة الموعودة ، ولا إيقاعات الخطابات الرنانة بالغد المشرق ، بل ظلوا على دينهم في أخذ الحيطة والحذر والإعداد للحرب القادمة ، فدائما كان هناك في عرفهم وتقاليدهم حرب قادمة ، وقصة الحرب القادمة في أدبيات أبناء العم (أو اللغم أو الغم ، كلها سيان،) ترنيمة يرضعها أطفالهم مع حليب الصباح ، وهي أنشودة يتغنى بها غلمانهم ، ودرس محفوظات لكل طلابهم ، ولازمة يومية لشيبهم وشبانهم ، الحرب القادمة ، كما قال شاعرهم ، يربونها في بيوتهم ، ويعيشونها في غرف نومهم وتنام معهم على مخداتهم ، ويشربونها مع قهوة الصباح ، وحين يحلمون أو يهجسون ، وحين يهمسون في آذان عشيقاتهم ، الحرب القادمة هي كلمة السر التي تلم شتاتهم ، وتهدم أحقادهم البينية ، وتذيب خلافاتهم العميقة ، لذلك يربونها في حواكير المستعمرات ، كما نربي الأرانب وأحواض النعنع ، والدجاج البلدي ، ويتعهدونها بمياه العيون ، ويحرسونها برموش القلب،.

أما نحن فغرتنا الأماني ، وبنينا قصورا من منجزات السلام الموهوم ، حيث تفيض الأنهار دولارات ، وتمطر السماء استثمارات ، ونطلق الفقر بالثلاث ، وبلغ الوهم بالبعض أن يتوهم أنه سيكون بمقدوره أن يفطر في عمان ويتغدى في القدس ويسهر في تل أبيب ، واستبد بنا وهم المستقبل الوردي فعشنا مرحلة مرضية ، حتى كدنا أن نحول أسلحتنا إلى المتاحف ، وأن نحيل رصاصاتنا إلى حبات ملبس ، فما حاجتنا إليها في عصر السلام والازدهار؟.

جار الهنا ، كلما مر عام ، احتفل بالسلام بمزيد من التسلح ، فربرب حدائق صواريخه ، وجعل كل صبي ينام محتضنا بندقيته ، وحتى حينما يريد أن يلعب طفله حول أهداف البلي ستيشن إلى رؤوس عربية ، كي يترسخ في عقله الباطن والظاهر أنه كلما جندل عددا أكبر من الرؤوس العربية ، كلما كان يلعب بإتقان أكثر،.

بعد سنوات من السلام المجدب ، والأحلام الدخانية ، آن لنا أن نعيد إلى أجندتنا الوطنية خيار المقاومة والتسليح ، ومرحى بصرخة متقاعدينا العسكريين بالدعوة للتسلح بالصواريخ الرادعة ، والجيش الشعبي ، وتربية أبنائنا على أن هناك عدوا يتربص بنا الثواني ، ويتحين الفرص لإبادتنا وتفجير جبهتنا الداخلية ، فكلنا مستهدفون ، بلا استثناء.

تقول بعض الروايات أن أهل بيزنطة كانوا محاصرين بجيش ، وطال الحصار زمناً فتشاغلوا ببحث قضية من الأسبق على من (البيضة أم الدجاجة) وانهمكوا فى النقاش والجدل حول هذه القضية ، وطال خلافهم حولها ثم صار الخلاف بينهم عراكاً ، حتى جاء عليهم اليوم الذى دخل أعداؤهم عليهم المدينة ، وهم منهمكون فى ذلك الجدل البيزنطى ، ويقال إنه حين تقدمت قوات محمد الفاتح العثماني لفتح القسطنطينية كان "البيزنطيون" داخلها مشغولين من الطبقة السياسية الى الطبقة الدينية الى الشعب "بالجدل" حول قضية غبية للغاية وهي "جنس الملائكة". فانهارت امبراطوريتهم العريقة بسبب هذا "الجدل البيزنطي" ، ليس مهما أي الروايات هي الأصح ، المهم أن علينا أن نتوقف عن جدالنا المقيت حول حق العودة وسواه من الحقوق الثابتة ، فهو حق ولا يحتاج إلى جدال ، المهم هو كيف نكسر رأس من يُنكره ، وكيف نحوله من مفهوم جدلي إلى واقع عملي ، ليس بغصن الزيتون بل بالصاروخ الذي يزرع الهلع في قلوب القتلة واللصوص ، فيحملوا أمتعتهم ويرحلوا من حيث أتوا،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور