تخطر على بالي بقوة أيام الأشهر الأخيرة من العام 1988 وبدايات العام 1989، عندما كانت الحكومة تمر بظروف مالية عصيبة كالتي تمر بها هذه الأيام، حيث أدى تواكلها والحكومات قبلها عن إيجاد حلول جذرية تنقذ الموازنة العامة من مصيرها المحتوم، فتراكمت المشكلة إلى أن تحولت إلى أزمة انفجرت في بدايات العام 1989، بعد أن مارست الحكومة كل أنواع الفهلوة السياسية والمالية بدون أن تضع يدها على حلّ جذري يعالج الوضع.
كانت بداية ما تم التعارف عليه في التاريخ الأردني "بهبّة نيسان"، عندما أنضجت الظروف المالية والسياسية حالة القلق وحولتها إلى انفجار انتشر في جهات المملكة الأربع، ووقفت الحكومة عاجزة متبلدة تماما. 
يخطر على بالي كلّ هذا بأوضاعنا التي نعيشها الآن، ما يستدعي المقارنة على محاور أربعة، أولها؛ وضع الخزينة العام، وهو ليس أقل سوءا ولا أقل خطرا من أوضاع تلك الأيام بمؤشرات حجم العجز وحجم الدين العام وحجم القطاع العام المملوك للدولة كأصول كانت تنزف، لكنها الآن لم تعد أصولا تملكها الدولة. وثانيها؛ سلوك الحكومة، وفي الحالتين "عاشت تحلم بالعسل" وتحاول تضليل نفسها قبل تضليل المواطن دون تقدير لحجم المشكلة وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وبدون وضع خطة مواجهة، وثالثها؛ حالة المواطن، فحالته المعيشية لم تتحسن في الحالتين، لكنّ وعيه وإدراكه وقدرته على التعبير انتقلت من تقدير ضعيف إلى تقدير ممتاز؛ حيث أصبح الآن قادرا على الإعراب عن عدم ثقته بالحكومة وقراراتها، ورابعها دور الإعلام، والذي انتقل من تقدير ضعيف، عندما كان رسميا أكثر من الرسمي نفسه إلى تقدير ممتاز، مساهما في توعية الرأي العام وصنعه وكشف الحقائق للمواطن والحكومة في آن واحد. 
هذا وبينما ينتقل مشروع موازنة العام 2012 من مجلس النواب إلى مجلس الأعيان مستكملا مراحل إقراره الدستورية، بفرضياته التي تقوم على فرض ضرائب جديدة، إضافة إلى ما تم إقراره حتى الآن من رفع تعرفة الكهرباء التي صدمت الجميع ورفع تعرفة النقل العام اعتبارا من أمس، انتظارا لقرار رفع الدعم وفق آليات سبق وأثبتت عدم صدقيتها لتنتهي بأن يتحمل المواطن أعباءها كاملة سواء في الخبز أو في المحروقات أو في إدخال مزيد من السلع ضمن ضريبة المبيعات وفي موجة ارتفاعات سعرية شاملة يزيد من لهيبها ارتفاع سعر النفط. وبذلك تتوافر الظروف المهيئة تماما لما لا يستطيع المواطن والاقتصاد تحمله.
نعم، لقد أتاح ربيع الغضب العربي فرصة لأسلوب احتجاجي له خصائصه في كل بلد، وكانت النعومة خاصية أردنية، وعلى الرغم من ذلك فإنني لا أنصح الحكومة بالاعتماد على مقولة أن "المسيرات والاحتجاجات أصبحت تحصيل حاصل، فلماذا لا نتخذ القرارات الصعبة ونفقع الدملّ مرة واحدة".
تشتري الحكومة بعض الوقت، لكنها ستجد بعده نفسها في المأزق ثانية، فجيب المواطن ليس المصدر الوحيد لرفد الخزينة في إدارة المالية العامة.

المراجع

ammanxchange

التصانيف

صحافة  زيان زوانه   جريدة الغد