يؤجل الناس كتابة مذكراتهم حتى مراحل متأخرة من أعمارهم. فلا يبدو مُعتاداً أن يكتب واحدنا شيئاً من مذكراته قبل ذلك. لكن ما اعتاد عليه الناس ليس صحيحاً دائماً بالضرورة، بل ربما يكون خاطئاً وناقصاً. وعلى سبيل المثال، فقد بدا شروع الزميل نادر رنتيسي في كتابة مذكراته مبكراً، كما فعل في "نصف السيرة"، ملفتاً وجميلاً ومدهشاً.
وربما يكون تأخير كتابة المذكرات هو ما يفسر اتجاه معظمها للمجاملات، لأن صاحبها يأخذ في حسبانه ساعتها حسابات الربح والخسارة، سواء بالنسبة له أو لأبنائه من بعده، بعد أن بات ينظر للدنيا برويّة وحلم أكثر من ذي قبل. وفي محصلة الأمر، فإن معظم المعلومات التي تكون في المذكرات، لا تكون حقيقية، أو دقيقة، أو صادقة تماماً.
ما يحصل، أن المذكرات، بصيغها التي نعرفها ونتداولها، تكون في جوهرها إعادة قراءة للأحداث المعروفة، من وجهة نظر صاحب المذكرات، وبحسب زاوية تأثّره أو تأثيره فيها، بخاصة إذا كان له ضلع في صناعتها. وهكذا، فإن المذكرات، بصيغها التي نعرفها ونتداولها، لا تروي في العادة "تاريخ الناس"، الذي يمكن اعتباره الغاية النبيلة الأساسية من تدوين المذكرات الشخصية، ولا تشير لوجهات نظر "عامة الناس" وسلوكهم اليومي إزاء الأحداث الكبرى. وفي الخلاصة، فإن أكثر المذكرات التي نقرأها، لا تغطي ذلك النقص الخطير في كتابة التاريخ في عالمنا العربي، المتمثل في التأريخ للناس المتأثرين بالأحداث، من دون مشاركتهم في صنعها.
ثمة مخرج من هذا كله، وهو أن يصير مقبولاً كتابة جزء من المذكرات في منتصف العمر. لو بدأ الناس كتابة مذكراتهم في سن الأربعين مثلاً، أي حين يكونون أقل حاجة للمجاملات، وأكثر قدرة على التحدّث بصراحة، وسمّوا ذلك الذي يكتبونه ويصدرونه "جزءاً أول" من كتاب مذكراتهم، فقد يكون ممكناً أن تحتوي المذكرات كلاماً أوضح عن تاريخ الناس، بخاصة أن ذلك يسمح بإفراد مساحات أوسع لذكريات الطفولة، وهي بالضرورة ذكريات لا ربح ولا خسارة فيها من جهة، وبإمكانها توضيح المؤثرات التي تصوغ سلوك الأطفال وتحكم وعيهم حين يكبرون، من جهة ثانية.
على أن للأمر محاذير طبعاً. فكتابة المذكرات في مرحلة من العمر يكون المرء فيها طامحاً إلى توسيع مساحات فرصه في الحياة، قد يجعله ميالاً لأحاديث تنطوي على كل حسابات الربح والخسارة، ما يجعل أدب المذكرات مرتعاً للمجاملات وتزيين المثالب والسلبيات. لكن، على أي حال، فإن انكشاف عدم صدق المرء، ولجوئه إلى قلب الحقائق من أجل مصالح خاصة، في منتصف العمر، خير ألف مرة من انكشافه في آخر العمر، حين لا يكون ثمة مبرر مقنع للتزييف والتزويق.
يلجأ عدد من الناس إلى تدوين يومياتهم في مراحل حياتهم المختلفة، وربما منذ مراحل الطفولة، ما يوفر لديهم ذكريات مفصّلة للأحداث التي عاشوها وخبروها ومروا بها. لذا، فإن إبقاء تلك اليوميات حبيسة الأدراج، لا يقرأها إلا صاحبها، إنما تحرم المكتبة من كتب مذكرات قيّمة، وسر قيمتها أنها صادقة تماماً، وهذا هو ما يُفترض أن يكون محور الحُكم على أهمية أي كتاب مذكرات، وليس فقط ما حصّله صاحبه من مناصب أو جمعه من ثروات. فهناك قصص يمكن أن تروى عن الفشل، أو عن صانعي الفشل، لا عن "النجاح" وحسب، بمعناه السياسي أو المالي، فتكون لها قيمتها وأهميتها العالية.
علينا أن نقبل كتابة المذكرات المبكرة، والمذكرات التي يكتبها الناس من غير أصحاب المناصب والثروات؛ فثمة دائماً حكمةٌ ما تعكسها حياة كل مُجدّ، حتى لو كان من أولئك الذين يمشون في الشارع!
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  سامر خير أحمد   جريدة الغد