ما يزال يوم الثاني من آب (أغسطس) 1990، الذي اجتاح فيه جيش صدام حسين الكويت، أكثر أيام العرب مفصليّة في العقود الأخيرة، وتحديداً منذ يوم الخامس من حزيران (يونيو) 1967. ذلك أن الثاني من آب (أغسطس) افتتح مرحلة جديدة في التاريخ العربي ما تزال نتائجها ماثلة إلى اليوم، بل تتوالى إلى اليوم. وربما سيتبيّن بعد سنوات كم أن مساعي شحن التفكير العربي ضد الاستبداد السياسي، والذي ترافق وخطوات الإطاحة بنظام صدام، قد أثّر في بلوغنا "الربيع العربي"، وثوراته ضد الاستبداد.
تُرى، كيف كان سيتغير تاريخ العرب المعاصر لو لم يُقدم صدام على فعلته تلك باجتياح الكويت، والتي قادت إلى تعطيل كثير من خطط التنمية في العراق ومحيطه العربي، والتركيز بدلاً منها على انقسام العرب إلى فريقين؛ بحسب الموقف من صدّام نفسه؟ ربما يكون مثل هذا السؤال ملحاً وضرورياً إذا ما كانت ثورات "الربيع العربي" تمثل نقطة تحوّل جوهرية في التاريخ العربي، وهو أمر سيتضح خلال وقت قصير. والسبب، أن الإجابة ستكون مفيدة في التخطيط للمستقبل، وتحديد أهدافنا منه؛ فهل ستظل شعاراتنا الكبرى تتعلق بمقارعة الأجنبي والتصدي للإمبريالية، ولو على حساب التنمية والتحديث، كما ظل يجري منذ الثاني من آب (أغسطس)، أم سنلتفت اليوم، بالاستفادة من نتائج "الربيع العربي"، إلى أولويات التنمية والمدنيّة وبناء دولة القانون، باعتبارها الطريق الناجعة للتقدم الحضاري وتجاوز التأثيرات الأجنبية وأطماعها؟
في أواخر العام 2003، أي عقب حرب احتلال العراق والإطاحة بنظام صدام، أصدر المفكر العربي برهان غليون كتاباً بعنوان "العرب وتحولات العالم"، استشرف في جزء منه شروط المستقبل، قائلاً إن على العرب، بعد ما جرى في تلك الحرب، أن يعتبروا احترام حقوق الإنسان وحريته وكرامته شرطاً للوطنية ومحوراً لها، وأن أي نظام يضطهد شعبه ويحرمه حقوقه وحرياته، هو نظام فاسد ولا وطني، حتى لو أعلن الحرب على الأجنبي.
والمعنى أن نظام الأولويات كان مقلوباً لدى الشعوب العربية. فالذين أيدوا صدام حسين وجعلوه رمزاً رغم طغيانه، إنما انطلقوا من اعتبار ما يجري داخل النظم العربية مسائل داخلية، وأن الأولوية هي دائماً للتصدي للقوى الأجنبية أو الصمود في وجهها، أياً كانت نوعية النظام الذي يعلن هذا الصمود. وهذا –للمفارقة- هو "المنطق" نفسه الذي يتحدث به مؤيدو نظام بشار الأسد اليوم في تبريرهم لمساندته رغم حجم الدم الذي أراقه؛ فهم يلقون كل الضوء على "صموده وممانعته"، أياً كان ما يفعله تجاه شعبه.
لكن مؤيدي الثورة السورية في المقابل، على امتداد العالم العربي، لا ينادون طبعاً بتشريع أبواب سورية لإسرائيل والإمبريالية! بل يجعلون التخلص من الاستبداد أولوية تقود إلى ثنائية التنمية والمقاومة؛ ما يعني أن "الربيع العربي" نجح نسبياً حتى الآن في إصلاح نظام الأولويات ذاك، لصالح التركيز على التضامن بين الشعوب العربية، أياً كان محتوى الخطاب الذي تقدمه الأنظمة.
ثمة تغيير إذن، لكنه ما يزال غير مكتمل بعد بسبب تعقيد المشهد الثوري في مختلف دول "الربيع العربي". وهكذا يكون علينا الانتظار قليلاً قبل إصدار الأحكام. حتى الساعة، ما يزال الثاني من آب (أغسطس) 1990 يرفد الذاكرة العربية والتفكير العربي بكثير من الصور والقيم، بما في ذلك صورة إعدام صدام، وقيمة "الرجولة" التي رآها الناس فيها، والتي تعني في الفهم الشعبي أن يكون القائد عنيداً كي يكون أسطورياً، وأن يقدم على الموت بشجاعة، بدل أن يكون محنكاً وليّناً، حتى لو كان اللين وحُسن التصرّف يخدمان مصالح شعبه وأمته، ويدفعانها قدماً على طريق التحضّر، أكثر مما يفعل "الموت الشجاع"!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  سامر خير أحمد   جريدة الغد