لا ينفعنا ان نأتي بأفضل الانظمة الانتخابية وأن نتشدق صباح مساء بالاصلاح والدعوة للانتخابات وإعادة الهيبة للمؤسسات الدستورية والذهاب الى قوانين اقتصادية عصرية وتحويل عدد من اللصوص الكبار الى القضاء.
لا ينفع كل ما سبق اذا كان حكم القانون مؤجلا، واذا كانت المزاوجة ما بين القضاء المدني والقضاء العشائري تتم بطرق تسيء الى انسانية الفرد وتعمل على تشتيته وتحويله الى لاجئ داخل وطنه.
هذا ما حدث بالفعل مع عائلة السميرات في عشيرة العموش قبل سبعة شهور، فارتكاب احد افراد العشيرة لفعل القتل قاد بشكل عبثي وانطوى على تواطؤ ايضا الى ترحيل 1200 من ابناء وبنات السميرات وتوزيعهم على مناطق مختلفة من البلاد، وتركوا في بيوتهم وثائقهم وبطاقات التأمين الصحي وجوازات سفرهم وكل شيء بعد ان استحالت عليهم تلك البيوت، والمشهد متدحرج بكل ما فيه من مرارات؛ فكثير من ابناء وبنات العائلة فقدوا فرص عملهم ومثلهم طلاب في الجامعات اجلوا فصلا دراسيا او فصلين والحالة اكثر بشاعة بالنسبة لطلاب المدارس الابتدائية الذين خسروا دراستهم، ويمكن القول ان الخسارة اصبحت حليفا لمئات العائلات التي لا ذنب لها الا ان القاتل يشترك مع ابناء العائلة في جدهم السادس او السابع.
كيف تسمح دولة تقول انها تحترم الانسان وتدافع عن حريته ان يجري كل ذلك؟ وكيف يخسر المواطنون حقوقهم الاقتصادية وفرص العمل هكذا  في لمحة عين؟ وما هذا الاحترام المفرط لعادات قبلية - اكل الدهر عليها وشرب -  تعمل على تحويل المواطن المستقر الآمن الى لاجئ ومشرد داخل وطنه؟ والاكثر ايلاما في جلوة السميرات ان قوى متنفذة رسمية وغير رسمية – كما يؤكد ابناء العائلة - عملت على اطالة امد الجلوة لاكثر من ستة شهور ويمكن تخيل حجم الخسارات التي رافقت تلك الفترة الطويلة.
استمعت الى شكوى المتضررين من هذه الجلوة المديدة وكان صوت الرفض واحدا امام مبنى وزارة الداخلية سواء كان المتحدث شيخا كهلا ام شابا متعلما ام طفلة صغيرة لم تكمل عامها العاشر، كلهم قالوا ان مأساتهم كرة متدحرجة وهي تكبر يوما بعد يوم، واخيرا وجد صوتهم صداه بعد وعود من وزير الداخلية باعادتهم الى منازلهم قبيل منتصف الشهر الجاري، فيما بقيت الاسئلة تلاحق ابناء هذه العائلة التي تشتتت في انحاء المملكة، وما السر وراء عدم تطبيق القانون المدني بحق من قتل واجرم؟ ولماذا كان بعض المسؤولين والقوى المتنفذة سببا في الم العائلة؟ واذا كان "القضاء" العشائري يذهب الى الجد الثالث فلماذا تم اجلاء عائلات لا ترتبط بالقاتل الا في الجد الخامس او السادس؟ 
ربما تنتهي معاناة عائلة السميرات خلال الايام القليلة المقبلة وقد تطول، لكن الدرس الذي تقدمه هذه التجربة المريرة يؤكد ان ما يحتاج الى الاصلاح هو نسق الحكم الذي افرزه النظام القبلي، ففي منتصف القرن الماضي وبعده بقليل كانت الجلوة العشائرية تشمل عددا ليس بالكبير مع متاع يسهل حمله، وكان الاجلاء او الارتحال يتم في السابق على نحو سريع حقنا للدماء وفي ظل تضاؤل دور القانون المدني، اما اليوم فمثل هذه الجلوات تعني خسارة الوظائف وتدمير حياة الآمنين وانعدام فرص التعليم واحباط عائلات بما في ذلك التحييد الكامل لحكم القانون على مستوى الدولة كلها.
الاصلاح منظومة كاملة وشاملة، ولا يجوز ان نبدأ ببعضه ونتجاهل ما يؤثر في صميم وجوهر حياتنا. والاساس ان تبدأ المؤسسة الرسمية بنهج جديد يقيم وزنا للعائلات وامنها الاقتصادي والمعيشي، وان يتم التعامل مع القضايا التي تظهر في محيطها وفق رؤية قانونية مدنية تكفل سلام الجميع وامنهم وتحاسب المجرم ايا كانت جريمته، اما ان نقول بأن لدينا عملية اصلاحية تسيرعلى قدم وساق ونحن نفعل بأبنائنا وبناتنا مثلما حدث مع عائلة السميرات، فهو الجنون والعبث بعينه، واذا كان الشعب يريد اصلاح النظام، فانه ايضا يريد اصلاح التركيبة الاجتماعية والشركات، وتجاوز سلبيات التقاضي العشائري والانتهاء من شيء مؤلم اسمه الجلوة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  حسن احمد الشوبكي