تقدمت أدوات الإدارة والحكم على نحو واضح، بالتزامن مع ثورة المعلوماتية والاتصالات.
وقد شدني الحنين لسماع أخبار الوطن وأنا في مهمة عمل صحفية في طرابلس الليبية، فبحثت عن شاشة التلفزيون الحكومي. وبعد جهد، داهمتني الصورة القادمة من عمان، وأخبار لم تتوقف عن نشاط لرئيس الوزراء الذي يجول على الأسواق ويفند استراتيجيات الدولة في التعامل مع ملف المياه المعقد. هذان الخبران استغرقا ما يقارب نصف الساعة، ولكن في ظني أن أسلوب الإدارة والحكم تخطى مسألة الجولات والزيارات التفقدية، وهذا النسق المتواضع في الأداء والظهور الإعلامي الذي لا يضر ولا يفيد. ومن يعتقد أن الرأي العام يتشكل بمجرد أن ثلاثة أشخاص على بوابة سوق المؤسسة الاستهلاكية المدنية يقولون إن الأسعار جيدة وأقل من مستواها في العام الماضي، وأن الأمور على خير ما يرام، هو حتما شخص لا يدرك أن الدنيا تغيرت، والأولى أن نفهم ما يجري حولنا من خلال مزاج عمال البسطات والباعة المتجولين.
وحتى لو تغاضى الأردنيون عن رياح التغيير والربيع العربي، فإن ما فعلته حكومة الطراونة من رفع للأسعار، وبحسبة التضخم، يؤكد أن موجات الغلاء بدأت، وبأننا مقبلون على ثلاث موجات غلاء في الأشهر المتبقية من هذا الصيف الحار، وأن قدرة المستهلكين الشرائية تتراجع إلى حدود لا تبعث على الطمأنينة.
غير أن هذا الحديث الاقتصادي ليس ذا قيمة إذا كانت ابتسامات الرئيس لم تتوقف للمستهلكين السعداء بانخفاض الاسعار، وإذا كان تقرير تلفزيوني برفقة الرئيس في المؤسسة الاستهلاكية يدعو هؤلاء المستهلكين الى الطمأنينة.
انتهى الخبر وانتقل المذيع إلى الثاني بسرعة، وكان أيضا عن الرئيس الذي يتفقد هذه المرة وزارة المياه ليقف على آخر التطورات الجارية فيها. واستوقفتني تأكيدات الرئيس أن المياه شحيحة بل ونادرة في الأردن! وهنا أيقنت أن الشعب الأردني يهدر المياه، وأن الشبكات المهترئة وسرقة المياه كلها عوامل تزيد من معاناتنا ونحن نتعامل باستخفاف مع هذا الملف الحيوي الذي لا تعرف ندرته إلا الحكومة. والمفارقة أن هذا الحديث جاء أمام مسؤولين ومتخصصين وممولين في قطاع المياه.
خلاصة القول أن هذا النسق في الإدارة والحكم انتهى وولى منذ زمن بعيد، فليس ثمة من لديه وقت ليستمع الى كلام مكرر حول موضوعات الحسم فيها يحتاج إلى إرادة ورؤية وقرارات وحسابات علمية واقتصادية لا علاقة لها بالتمنيات. وإذا كانت تلك الجولات التفقدية بهدف طمأنة الرأي العام، فأقول للرئيس وللمسؤولين كافة إن الرأي العام قلق وغير واثق من مسار الاقتصاد الحالي، ويعبر عن قلقه هذا في استطلاعات الرأي، وفي التذمر المديد الذي يرافق الأردنيين في أفراحهم وأتراحهم.
لا يهتم الشارع لزيارة تفقدية يقوم بها دولة الرئيس أو معالي الوزير أو أي مسؤول دونهما لمنطقة ما أو وزارة، وكأن مشكلاتنا في نقص الزيارات الميدانية لا في سوء التخطيط والقرارات التي ترد من المكاتب المغلقة.
المطلوب أن تنتهي تلك الظواهر إلى الأبد، وأن يلتزم المسؤولون مكاتبهم ويقرروا من غرف مغلقة ما يدعو إلى طمأنينة الشارع. فهل سمعتم أيها السادة أن وزيرا أميركيا تفقد مؤسسة في نيويورك؟ أو أن عمدة لندن اطلع على سير الإجراءات في مشروع لرفاه البريطانيين؟ أو أن مسؤولا إسبانيا رعى يوما طبيا مجانيا في إحدى ضواحي مدريد؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد صحافة حسن احمد الشوبكي