عندما توفيت الأم وسبقها الأب الىالموت قبل ذلك بأربع سنوات وجدت شريفة نفسها السليمة المعافاة الوحيدة في عالم يملؤه المعاقين .. اختان اثنتان وشقيق واحد .. أما الأخوان الأثنان الأصحاء فقد سافرا الى احدى دول الخليج منذ زمن للبحث عن مستقبل أفضل وربما هربا من احراجات الوضع العائلي برمته.
أما لماذا رجعا الى السفر بعد وفاة والدتهما وحضور مراسم العزاء وكيف طاوعهما ضميرهما بترك شريفة وحدها في هذه الشرنقة فقد اعتمدا على فاطمة الأخت الكبرى التي ورغم اعاقتها في اللسان و اليدين والكاحلين وملامح الوجه قد حباها الله تعالى عقلا راجحا وحسن ادارة وقلبا رحيما واهتماما لا مثيل له بالأخت الصغرى شريفة وبباقي أفراد العائلة كانت وحتى قبل وفاة والدتها كالأم الرؤوم في حرصها على أبنائها،والعناية بهم وتقديم كل ما تستطيع رغم حركتها المعاقة ولسانها الموروب ووجهها المعوج..سبحان الله.. كما اعتمد الأخوان على الأخت الثانية خديجة وسلامة يديها ولسانها وجهها من أي الأعاقة التي تركزت في ساقيها المقوستين وحوضها المتحرك وصدرهاالمندفع الى الأمام .. واجادتها التامة للأعمال المنزلية خصوصا الطبخ وقيامها بما يطلب منها دون تلكؤ أوثرثرة ..قليلة الكلام عديمة التذمر صامته ولكنها تبدو سعيدة دائما..مثالا للعامل الماهرالنشط الذي يجيد كل شيء فاضافة الىالأعمال المنزلية لا تضيع لحظة من وقتها كالنملة الدؤوب.. التطريز يحلو من بين يديها سواء شراشف وأغطية الطاولات والطرابيزات أو أثوابها وأثواب فاطمة وحياكة ملابس شريفة الأنيقة دائما حتى ظنت صديقاتها انها تشتريها من أحسن المحلات.
كانت شريفة في ذلك الوقت في الثانية عشرة من عمرها ولهذا لم تكن اعاقات اخوانها تحرجها بعد ، فمنذ ولدت وجدت نفسها في هذا الوضع وكان اهتمام فاطمة والذي يفوق الوصف بهاوما تلقاه منها من حنان يغطي على ما غير ذلك..
أما اعتمادهما على الأخ الشقيق شريف فقد كان لصحة عقله ولسانه ويديه واجادته القراءة والكتابة الذي يقرأ بنهم في كافة المواضيع رغم اعاقته الماثله بالساقين المشلولتين الضعيفتين العاجزتين المتدليتين عن المقعد المتحرك دون حياة..
كان شريف شابا ذكيا تمنى قبل اصابته بالشلل أن يصبح طبيبا أو مهندسا أو شرطيا كعادة أبناء جيله ولكن جرثومة لعينة ضلت طريقها الى عموده الفقري فتمركزت فيه وأعطت أوامرها بتدمير أعصاب الساقين..ها هو الآن يجلس محسورا يراقب عالم الأقدام والسيقان الذي أغرم به حد الهوس،ما أن يلتقي بأحد حتى تتوجه عيناه أولا الى ساقيه وما أن يزورهم زائر الا وتفقد قدمه وحذاءه أولا.. كان هذا العالم الساحرفي نظره أكثرما يتمناه ويتوق الى دخوله ولكن ما كل ما يتمنىالمرء يدركه..ولكنه عزيز بعيد المنال قاسيا طاردا له وحده دون أبناء جيله والى الأبد..
ويبدو أن الله تعالى قد رأف بالأجساد الثلاثة فجعلها تكمل بعضها البعض ( والله سبحانه لا يقطع ولا بيضيع)..
عندما كبرت شريفة قليلا تغير الحال وباتت اعاقات اخوتها تشكل لها حرجا ..فلماذا وحدها دون صديقاتها ودون بنات عائلتها ودون بنات الحي وبنات المدرسة لماذا هي بالذات تعيش هذا الوضع الشاذ ولماذا لم تقسم الأقدار المعاقين الثلاثة على ثلاث عائلات مثلا.. ومع أنها كانت تحب اخوتها وتسارع لمد يد المساعدة الا أن حسرة وغصة كانت تملأ قلبها عندما تجد أختها فاطمة تعمل حركاتها الغريبة جاهدة على ارضائها والترفيه عنها..
لم تكن تحتك كثيرا بزميلاتها حتى لا يأتين منزلها ويشاهدن العجب ولأن فاطمة التي تحب أختها تسارع لأكرام الضيفات القليلات وتبتسم ابتسامة تزيدها اعاقة فتنظر اليها البنات بدهشة توقف ضحكاتهن فتسرع شريفة للطلب اليها بالدخول وتركها مع صديقاتها ووجهها يتدفق غيظا..
باتت الظروف تضغط على أعصابها فزميلات المدرسة يكثرن من سؤالها حول من يغسل مريولها النظيف ومن يكويه ومن يمشط لها شعرها الطويل ومن يمسح حذاءها وكيف تتسنى لها كل هذه الأناقة والنظافة وعندما تخبرهن يسخرن منها غير مصدقات وفي يوم استشاطت غضبا وهي تلاحظ فاطمة التي كانت تصر على غسل المريول بيديها وتجد صعوبة بالغة بعصره فتقوم بحركات عجيبة من لسانها ويديها.. آلمها المنظر فهبت واقفة وأمسكت بالمريول وفعفلته بالتراب ورمت به بعيدا ودخلت غرفتها ونامت حتى الصباح لا تريد الذهاب الى المدرسة.. أما فاطمة فلحقت بها بسرعة مستغربة تصرفها وأحضرت المريول وأمضت يومها تحاول ازالة آثار الطين عنه وغسله من جديد واستمرت في مهمتها الى أن أعادت له لونه الزهي .. في الصباح نهضت كعادتها وقامت بكويه ومسحت حذاء شريفة وانتقت لها جربانا أبيضا ناصعا مع ربطات جدائل جديدة لامعه وتوجهت اليها في الغرفة فوجدتها قد كومت نفسها ورفعت ركبتيها ووضعت رأسها عليهما وغطته بيديها..
أمسكت فاطمة برأس شريفة ورفعته بحنان وسألتها بلغتها التي تفهمها جيدا عما بها بينما تفك الضفائر الطويلة فنظرت شريفة الى الكرسي الذي اعتادت أن تجد مريولها جلس عليه باناقة فشعرت بالندم وعانقت شريفة وأخذت تقبلها بحرارة وقد نسيت اعاقتها التي تزداد ظهوراعندما تضحك…ارتدت مريولها وسارعت الى الشارع حيث تلتقي بعض البنات في طريقهن الى مدرسة..وما أن رأتها زينب حتى أثنت على اناقتها وسألتها من غسل مريولك فصرخت في وجهها قائلة "مش شغلك ما تسأليني مرة أخرى هيك سؤال " نظرت اليها بعتب ومشت الرفيقتان صامتتان .
بعد الظهرأسرعت شريفة بالخروج وحدها من باب المدرسة وتوجهت الى البيت لاتريد صحبة أحد..
أما شريف المسحور بعالم الأقدام فقد أخذ يحلم.. لو كانت له قدمان طويلتان يسير عليهما أو على ألأقل واحدة فقط لو كانت له لذهب الى المدرسة وأخرس ألسنة الطلاب الذين استهزأوا به وحرموه منها لو كان بامكانه أن يستعمل عصا أو حتى عصاتين ..لو كان يستطيع أن يمشي كشية فاطمة أو خديجة ..آه. ما الفائدة لم يعد لديه سوى هاتين الزائدتين الملقبتا رجلين بالأدعاء فقط....
لو كانت له ساق واحده سليمة ..واحدة فقط.. لأكمل دراسته وبات مدرسا مرموقا لا يهمه احد ويقف على ساق واحدة متحديا ومؤكدا كفاءته يشيربعصاه الى السبورة التي يكتب عليها الدرس.. ولتزوج وأنجب أبناء أصحاء باهى بهم العالم ..ولتفرغ لتدريسهم فواحد مثله ليس بعالم السهرات ولا عالم الزيارات كان أفنى نفسه بتعليم أبناءه وتقديم كل ما يجعلهم متفوقين عظماء..آه..ولكن الأقدار حرمته ذلك الحلم البسيط أيضا رغم أن كل الناس لديهم قدمان اثنتان.. فماذا لو كان لكريم ساق واحدة وأعطاه الأخرى ألا من يتبرع بالسيقان كمن يتبرع بالقلب أو بالقرنية أو بالكبد متى يصبح ذلك ممكنا هل يعيش ليتحقق ذلك الحلم..ساقا واحدة فقط ألا من يبيع ساقا واحدة.... آه يا شريف ستبقى هكذا طوال عمرك تحلم وتتمنى بينما قدماك الهزيلتان تجلسان تحتك ويداك تجران هذا الكرسي اللعين.. ما يلبث أن يدور بالكرسي ويدخل الغرفة التي يجلس فيها متأملا حاله بعد أن يحرك جسده عنه بصعوبة ويصل الى سريره..
بما أن الأخوان الأخوان المغتربان ذوي السيقان الطويلة أكملا تعليمهما على عكس شريف الذي لم يملك تلك الأمكانات بوظائف محترمة وحصل كل منهما على مرتب جيد أغدقا على من تركوهم خلفهم بسعة..
فيرسلا الشيكات باسم شريفة لأنها من يملك الأقدام تصرفها وتسلم النقود للأخت الكبرىفاطمة المدبرة وراعية الميزانية والتي لم تكن لتبخل على اخوانها بشيء وتقدم لشريفة مايكفي لتشتري كل ما يلزمها من ملابس وأحذية ،اضافة الى ما تخيطه لها خديجة ،ومصروفا مجزيا للمدرسة تنقطها اياه كل صباح.
كانت شريفة تسحر أخواتها فينظرن اليها كملاك أو كشيء خارق بعيد كل البعد عن عالمهن فهي التي تسير على قدمين قويتين وتتكلم بلسان سليم وتضحك بشكل يزيدها جمالاوتمشي منتصبة القامة تحملها ساقان طويلتان فتنظر اليها خديجة وتبتسم في اعجاب.
بقي حال الأخوة الأربعة على ما هو عليه، المعاقون الثلاثة والسليمة الوحيدة شريفة التي بدأت تتذمر وتتبرم لأتفه الأسباب فتسرع أختيها لاستكشاف ما بها ومحاولة ارضائها بأي شكل ولم يعد حالها خافيا على أي منهم فأخذوا ينظرون الى أنفسهم على أنهم عبأ ثقيلا عليها..
لاحظت شريفة أن أختها الكبرى فاطمة ولعدة أيام خلت تحاول تقليب صفحات أحد كتبهامتبها القديمة فأخذت تسترق اليها النظر وهي تدس أصابعها المعاقة بصعوبة بين الصفحات تتأملها بعينيها الضيقتين وتحاول تحريك لسانها بحيث ينطق بشيء ما..وعندما توجه نظرها الى شريفة تسارع الأخيرة للألتفات الى الناحية الأخرى متجاهلة ما تقوم به كي لا تحرجها..وعندما تأكدت من ملاحظتها ثم اخذت تتعمد ترك نفس الكتاب في نفس المكان ليتسنى لفاطمة التعود عليه ومراجعته أو تجلس الى جوارها وتحمل نفس الكتاب أيضا بيدها أو تضعه على الأرض وتنحني عليه بحيث تتمكن فاطمة من رؤية ما تفعله فترددوتردد كلمات الصور بصوت عال وتعيد ترديدها والآشارة اليها بيدها أو بقلم تمسكه والتمعن بها ثم الأنتظار هنيهة لمعرفة رد فعل فاطمة على ما تفعل..أما فاطمة فتبدأ وبسرها ربما لخجلها أو لعدم رغبة منها بمضايقة شريفة تبدأ بترديد ما تسمعه بسرها لا يتحرك منها الا الجزء السليم من شفتيها والذي يجعلها كضفدع يحاول النقنقة بهدوء.. ومرة بعد أخرى حفظت فاطمة الصور وكلماتها تماما كما حفظت صفحاتها في الكتاب وبالتتابع تطور الأمر معها وباتت أكثر جرأة اذ تحاول القراءة بتدوير ثم لاحظتها وهي تراقبها تقرأ فتحاول تدويرلسانها في فمها في هدوءصمت في محاولة لتقليد شريفة فيما تفعل ..كان منظرها يبعث الغضب والألم في نفس شريفة في نفس الوقت ولكنها أعجبت تماما فيما تحاول فعله وعندما يأتيها عقلها الهادىء تحاول توضيح اللفظ لفاطمة فتنغص عليها حركات وجهها وفمهاوجه وفم فتغضب لاعتقادها أن لا أمل يرجى من أختها ثم تنهض وتأخذ من يدها الكتاب بانزعاج..فتلوذ فاطمة بصمتها وكأنها تعلم أن حب شريفة لها وغضبها من اعاقتها يدفعها لمثل هذا التصرف..ثم لا تلبث أن تهدأ فتعود للجلوس الى جوار فاطمة وتعاود الكرة..
مرة بعد مرة ويوما بعد يوم فوجئت شريفة بأختها تقدم لها لوحة صغيرة مكتوب عليها بخط واضح كلمة " شريفة" أمسكت شريفة باللوحة وهتفت " يا الهي مزبوطة تماما.. كيف تعلمت كتابتها؟ ولماذا اسمي أول ما كتبت؟" فأخبرتها بكلماتها ولسانها المعوج " أنها تحبها أكثر من أي انسان آخر".. فضمتها الى صدرها وردت بكلماتها الصحيحهالصجيجه أنها أيضا تحبها جدا ولولا أنها تحبها جدا لما فرحت كل هذا الفرح لكتابة اسمها أول ما كتبت وطارت الى محل الزجاج والمرايا قدمت الكرتونة لصاحب المحل فعمل لها اطارا وبروزها بالزجاج ..عادت الي بيتها سريعا ودون أن تلاحظ فاطمة علقت الآطار على حائط غرفة الصالون الحائط ثم دلفت بخطوات هادئة وطلبت الى فاطمة قامت بالطلب اليها أن تتبعها الى نفس المكان ثم أشارت اليها بيدهاالىتدخل غرفة الصالون فأشارت اليها بيدها الى البرواز..فضحكت فاطمة تلك الضحكة التي تزيدها اعاقة.. نظرت اليها شريفة وتنغصت كعادتها وسرعان ما أوقفت مشاركتها الضحك فأدارت وجهها وذهبت..
شعرت فاطمة بالسعادة والفخر بانجازها وكانت تقوم بتلميع البرواز في كل صباح تقفوتأمله والوقوف أمامه طويلا تتأمله وكلما زارهم زائر أشارت اليه بيدها أنه من صنع يديها المعاقتين ..
اعتقدت شريفة أن فاطمة ستكتفي بهذا العمل الفذ ولكن فاطمة جاءتها بعد يومين ومعها قلم جديد ودفتر جديد وطلبت منها أن تكتب لها الأرقام:
- يا سلام تريدين أن تتعلمي الأرقام كمان..
- اذذذذذذذذا ممممممممممككن..
- ليش؟
- بددددددددي أحسسسسسب المصصصصرروووووف.
- حاضر يا ستي..
كتبت لها الأرقام من واحد الى عشرة وسطرت لها الصفحة كاملة..فانحنت فاطمة على الدفتر وبيدها المعوجة القلم وبدأت تدير يدها يمينا ويسارا ليأخذ أسهل موضع..ثم بدأت تكتب دون جلبة الى أن أنهت الصفحة..
- عظيم عظيم كل الأرقام مضبوطة ما عدا الرقم أربعة لقد قلبتي وجهه ناحية الرقم خمسة ولكنني أريد أن أقول لك أن الرقم أربعة يحب الرقم ثلاثة ولهذا هو يدر وجهه اليه ..
- بيحبببببببه عللللشان هووووا أصغغغغغر منننه..
- ملاحظة رائعة والله يا فاطمة لم تخطر على بالي..
خلال أسبوع واحد تمكنت فاطمة من اتقان كتابة الأرقام من واحد الى مائه.. ثم بدأت شريفة تعلمها مبادىء الحساب ..هذا ناقص وهذا زائد..
- الززززززززائد أحسسسسن..
- هيك رأيك.
فتهزت رأسها بالأيجاب..كان ذكاء فاطمة عنصرا مهما في عملية تعلمها فقد كانت في الماضي تستطيع القيام بعمليات حسابية شفهية ولكنها أرادت أن تتعلم ذلك كتابة وكان لها ما ارادت..بعد أن وصلت من العلم ما وصلت اليه بدأت تعتمد على نفسها بنفسها للمزيد ودون مساعدة..
- أنتتتتتتتتتي دييييييري بالككككك على دروس س سك.
هذا ما كانت تقوله لشريفة..
كم تمنت شريفة أحيانا في سرها لو زارهم عزرائيل وانتقى واحدا أو اثنان من أخوتها لتتخلص من بعض الهم فثلاث معاقين في منزل واحد أمر يكاد لا يصدق تسأل نفسها ان كانت ستبكي لو حصل ذلك…فهل يبكي الناس المعاق..ما حاجتهم اليه..وبماذا ينفعهم .. انه عار ..عار لا أكثر.. وعندما تحاول أن تتخير بينهم فتتذكر لطف فاطمة وقلبها المليء بالحب وتتذكر حنانها الذي يفيض عليها وعلى المعاقين الأثنين الجالسين واحدة في المطبخ والثاني على المقعد..ثم تتذكر خديجة وصمتها المطبق واخلاصها في خدمة عائلتها رغم صدرها الذي يكاد يصل فمها وتتذكر الأكلات اللذيدية التي تجاهد كل يوم لصنعها دون تذمر.ثم تتذكر أخاها المسكين الذي كانت له آمال طويلة وعريضة في الحياة..فتلعن تلعن
نفسها الأمّارة بالسوء والأنانية وتبكي وتتمنى أن يبقى اخوانها حولها ويبقون معاوتبقى هي معهم الى الأبد..في كثير من الأحيان تتخيل لو كان الجميع أصحاء يعيشون في هذا المنزل الجميل وتجمعهم المودة والرحمة كما هم عليه حاليا ..كل يوم على هالحال.. هذا ما ظهر من يوميات شريفة التي قرأتها احدى زميلاتها بعد سنوات..
رغم بعض تأنيب الضمير بقي الأخوان المغتربان وفيان لمسؤولياتهما يقومان بهاعلى أكمل وجه فتحقق للمعاقين الثلاثة والأخت الوحيدة السليمة مستوى لائقا من الحياة..
تفوقت شريفة ونجحت نجاحا باهرا استحقت مكافأة مجزية وعندما طلب منها احضار ولي أمرها للمشاركة بحفل توزيع الجوائز تغيبت عن الحفل دون ان تقدم تبريرا ولكن فقدمت لها فاطمة لم تنس المناسبة فقدمت لها خمسة دنانير حمراء جديدة.. في البداية فكرت باصطحاب اخوتها الى المتنزه وتحمست للفكرة ولكنها عدلت عنها اذ كيف تحمل شريف بكرسيه وكيف تمشي مع خديجة وصدرهايكاد يصل رقبتهاوفاطمة ماذا لو ابتسمت وشاهدها أحد سيضحك عليها ولا شك وستأخذ على خاطرها.. فانكفأت على أحلامها وأخذت تفكر بشيء أنسب يحفظ كرامة الجميع .. فذهبت الى محل البوظة واشترت أربعة عبوات كبيرة وعادت بها راكضة قبل أن تسيح بفعل حرارة الجو.. أكل الأخوة البوظة وتمنى كل واحد لأخته النجاح فيما أخذ شريف ينظر الى قدميها وساقيها اللتينقديمها وساقاها اللذان بدتا طويلتين جدا في نظره مؤكدا أنهما تكفياها.. وهل نجاحها لو كانت مثله على كرسي سيحقق لها قدمين سليمتينقدمان سليمتان..
انقضى عامان على وفاة الأم وعودة الأخوين المغتربين الى أماكن عملهما فتقدم فأخذ الأخ الأصغر أشرف بطلب اجازة وسافر الى البلاد لزيارة اخوته..وصل البيت وطرق الباب فنهضت شريفة تركض وشريف يتأمل ساقيها من جديد.أحضر معه الكثير من الهدايا والملابس وبعد أن وصل بيومين توجه الى المؤسسة الطبية فأحضركرسيا جديدا لشريف الذي رفضه رفضا تاما مطالبا بقدمين سليمتين فسواء كان الكرسي قديم أو جديد لا فرق.. بعد ما أظهره شريف من انفعال تأكد لأشرف أن شقيقه غير قانع بوضعه كأخواته وخشي أن يقدم على ايذاء نفسه فأخذ يخرجه كل يوم في نزهة يجره على مقعده غيرعابىء بنظرات الناس ولا ملاحظاتهم الى أن شعرشريف ببعض الثقة فقبل بالكرسي الجديد ..
- ميـــن؟
فرد الطارق:
- أنا أشرف.
- أشرف..حضر أشرف.. فاطمة جاءجاءت أشرف ..تعالي تعالي..
والى أن تحركت فاطمة وتبعتها خديجة ثم كرج شريف بكرسيه المتحرك القديم كان أشرف قد وصل وسط الغرفة التي كانوا يجلسون فيها..
منظر لا يسر الخاطر ولكن هذه هي مشيئة الله تعالى..نظر اليهم الغائب نظرة حزن ورثاء فنبهته فاطمة أن يشكر الله على نعمته وأنهم على أحسن ما يرام بفضله تعالى..نظرت الى السماء تبتهل الى الله أن يبقيهم سالمين.." فتبسم لها بعد أن عرف أنها فهمت ما يجول في خاطره..
" أحضر معه الكثير من الهدايا والملابس والشيكولاتات الفاخرة ..وقبل أن تلتفت خديجة للهدايا بادرت الى المطبخ لتنتقي لفة من اللحم الطيب الذي تحتفظ به فب فريزر الثلاجة التي اشترتها فاطمة من الأموال التي أرسلها اخوتها..وضعتها في ماء دافىء ثم انتقلتالى البندورة والبصل تغسل وتفرم وتنظف..ثم نقعت كاستين كبيرتين من الأرز في ماء ساخن..
وفاحت رائحة طبخها اللذيذ فأخذ أشرف يناديها "تعالي يختي ملحقين على الأكل هو أنا جيت من صحرا ولاّ من مجاعة"..وعندما سمعته توجهت الى الغرفة التي يجلس فيها الجميع على فرشات نظيفة ومرتبة وابتسمت وأخبرته انها تكاد تنهي مهمتها..وأنها لم تفعل الكثير لأن الوقت متأخر وليس بوسعهم شراء أشياء من الدكان في هذا الوقت..فضحك أشرف وقال " الله يعطيك العافية يا ست الكل ..كل اشي من ايدك بركه والله أنا مشتاق للأكل من تحت ايديك الحلوات"..عندما سمعت فاطمة هذه العبارة نظرت الى يديها المعوجتين دون أن تتكلم..
أما هدية شريفة فقد كانت بوط رياضة فاخر أمسكه شريف بلهفه تأمله مليا وقلّبه..فك خيطان قيطانه نظر في داخله وفي كعبه وملّس عليه ولم ينس أن يشم رائحته قبل أن يدفع به الى شقيقته..رائحة فاخرة..رائحة الجلد التي تصنع منه الأحذية التي تلبسها الأقدام التي تنتصب عليها السيقان الطويلة التي تمشي على الأرض..
بعد أن وصل أشرف بيومين توجه الى المؤسسة الطبية فأحضركرسيا جديدا لشريف..كان فرحا بالكرسي وأخذ يشرح له كيفية استعماله وأنه من أحسن الكراسي الموجودة في المؤسسة وأن ثمنها باهظا وأن لا شيء يغلى على أخيه"..نظر اليه شريف بحدة وصاح بأعلى صوته
"لا ..لا أريده أخرجه من هنا أريد ساقين سليمتين أقف عليهما..ما الفرق أن يكون الكرسي جديدا وثمينا أو قديما مهترءا..فسواء أكان هذا أو ذلك سيان بالنسبة لي.."
رفض شريف الكرسي الجديد رفضا تاما مطالبا بقدمين سليمتين فالجلوس على كرسي لا يتغير بتغير الكرسي..سواء أكان قديما أو جديدا أحمر أو أسود لا فرق..المشكلة في الكرسي نفسه والحاجة اليه.. لم ينبس أشرف بكلمة واحدة بل تأثر من حال أخيه فقام بطي الكرسي ووضعه جانبا واستلقى على احدى الفرشات وغطى وجهه ورأسه بوسادة وذهب في نوم هادىء يتأمل شقاء أخيه وتعاسته .
بعد ما أظهره شريف من انفعال تأكد لأشرف أن شقيقه غير قانع بوضعه كأخواته وخشي أن يقدم على ايذاء نفسه فأخذ يخرجه كل يوم في نزهة يجره على مقعده غيرعابىء بنظرات الناس ولا ملاحظاتهم تعامل معه كما يتعامل مع صديق قريب سليم يسير على قدمين طويلتين .. يصاحبه الى المقهى يشربان الشاي ثم يذهب به الى المطعم لتناول وجبة ساخنة من الفول والحمص ثم الى الفرن لأحضار الخبز الساخن والى البقال لأحضار طلبات خديجة المتلاحقة التي أرادت أن تظهر كفاءتها المطبخية على أحسن وجه..كما كان يعتمد عليه في جمع الحاجيات التي ينتقيهابنتقيها من دكان البقالة ووضعها في كيس فوق الكرسي وعلى ركبتيه لتبدو الساقين الضعيفتين ذات قيمة..
لم يتوقف أشرف عند هذا بل تحدث الى البقال قائلا:
- لو سمحت كل شعرشريف ببعض الثقة وبما يمكن أن يقدمه لعائلته وفي صباح أن ترسل الأجير الى منزل أخي شريف ليلبي طلبات عائلته..
تنبه شريف لعبارة " منزل أخي" وشعر بحرارة جديدة تسري في عروقه فاحمر وجهه أما البقال فقد نظر الى الشاب المقعد وسأل ان كان يقصده فرد أشرف:
- نعم هذا أخي شريف وهو رب الأسرة وذلك البيت هو بيته سيكتب لكم كل يوم
احتياجاتهم على ورقة وسيدفع هو الحساب المطلوب.. " أشار الى المنزل بيده".
- حاضر على راسي..ولكننا لم نرك من قبل..
- أعيش في الخارج وأنا هنا في اجازة...للأسف قاربت اجازتي على نهايتها..
- ولا يهمك سآخذ بالي جيدا من طلباتهم توكل على الله وسافر ولا يكون لك فكر..
- هل هناك جزار قريبا من هنا؟
- انس الموضوع سأجلب لهم اللحم والخبز ان أردت بنفسي من نفس المكان الذي
أشتري منه لعائلتي..اعتبرني أخوهم..
كان البقال يعلم أن أسرة منكوبة تعيش في ذلك البيت وتمنى دائما أن يمد لها يد العون وها هي الفرصة قد سنحت ..
- الحمد لله الدنيا بخير..شكرا ..شكرا جزيلا..والله أنا ممنون..
حمل بعض الأغراض ووضع الباقي على سيقان شريف الضعيفة أمسك بمقبضي الكرسي محاولا جره الى الخارج ولكن شريف وبهمة أدار عجلاته وكرج بنفسه الى الخارج..تأمل البقال المنظر ثم قال بصوت عال:" ولا يهمك سافر الله معك..اخوتك في رقبتي ان شاء الله.."التفت أحد الأيام انسل من سريره وقام بسحب الكرسي الجديد فتحه وجلس اليه أشرف وقد شعر بامتنان عظيم واضعا يده على رأسه محييا الرجل ذو الخلق الكريم مرددا "بارك الله فيك .. بارك الله فيك".
شعرشريف ببعض الثقة وبما يمكن أن يقدمه لعائلته فلم يعد مجرد شاب مقعد.. هو الآن رب أسرة وعليه مسؤوليات يجب القيام بها على أحسن وجه..أهميته لا تقل عن أهمية اخوته..هو الرجل الذي سيعتمد عليه لحماية أخواته فهو الرجل الوحيد بينهن..آه هم في الغربة وهو في البلاد كل يقوم بواجبه..ما حدا أحسن من حدا.
وفي الصباح انسل من سريره بهدوء بدل ملابسه لتليق بمستواه الجديد وقام بسحب الكرسي الجديد فتحه وجلس عليه بقرب سرير أشرف منتظراوانتظر أن يصحو أشرف من نومه ليراه على الكرسي ويقدمليبدي له الشكر على هديته الطيبة..
قبل يومين من سفرهبعد أسبوع جلس أشرف على حجر في ظل المنزل وحده يفكر في أمر اخوته وما عساه يفعل وان كان من الأنسانية أن يتركهم ويسافر مرة أخرى كان حائرا مهموما وقد سدت أمامه السبل فبقاؤه معهم لن يفيدهم في شيء ولن يوفر لهم المستوى المطلوب وسفره قد يتسبب بانزعاجهم..كان متضايقا جدا لا يعرف أي قرار يتخذ.. لقدويبدو أنه كبر ونضج وأخذ الأمر منه منحى جديدا ..نظرتجديدافنادته فاطمة من النافذة فوجدته واضعا يده على خده فنادته. فدخل الى الصالون المفروش بالفرشات النظيفة منتظرا..دخلت عليه وبيدها رزمة من النقود دفعتها اليه وطلبت منهمن أشرف أن يعدها..
قبل أن يبدأ بالعد سألها من أين ولمن هذا فضحكت ضحكتها التي تزيدها اعاقة وأخبرته بطريقتها أنها ستعلمه بعد أن ينتهي من المهمة..
- عشرة آلافآلف ومائتي دينار.. لمن هذه يا فاطمة..
- " النا اححححححنا" "
- من أين"
- " أنا وفرتهنننننن"
نظر اليها بدهشة وقال :
- " يا سلام .. أنت عظيمة يا فاطمة"
- "بددددنا نشتري أرض"..
- فكرة مدهشة .. والله فكرة مدهشة ولكن هذا مبلغ كبير من غير المعقول أن تكوني
وفرتيه مما أرسلت وفطين فقط..
ابتسمت مرة أخرى ابتسامتها التي تزيدها اعاقة وقالت:
- " أممممي أعطتنننني شوي.بعضهننن"
غابت نظرة الأسى التي كانت تصاحب عينابدت فاطمة في نظر أشرف في كل مرة ينظر الى فاطمة ويجدها تعاني لأخراج الكلمات من فمها ولسانها المعوج يناضل من أجل الحركة..,وبدت في نظره أكثر النساء عقلا وحكمة فما فائدة صحة اليدين وتبذير المال وما فائدة صحة اللسان وسخافة المنطق وما فائدة صحة القدمين والممشى الخاطىء.. ورغم ما وجد اخوته عليه من عيش كريم ها هي توفر ما لم يخطر على باله..
طلب منها الأحتفاظ بالمبلغ الى أن يجد قطعة الأرض المناسبة ووعدها أن يكون لرأيها الكفة الراجحة فيما يختار.."ال.ال.اللللللللله معمعمعك".
ارتفعت معنوياته وقفز الى جاكيته المعلق باناقة في خزانة مرتبة يلبسه وهو يبتسم " سأذهبوذهب لزيارة نعمان يا فاطمة"..قالها أشرف وكأنه فطن لأمر حاول أن ينساه...صديق عمرهأحد اصدقائه الذي أخفى عنه وجوده في البلد كيلم يعلمه بقدومه حتى لا يرد له الزيارة ويرى في عينيه نظرة الرثاء على أ ي منحد اخوانه ، كان لقاء حارا بين الصديقين العزيزين أخذا يتنافسا بمراجعة أبام الشقاوة ومعاكسة المدرسين ومعاكسة بنت الجيران التي أحباها معاا وتخانقا كثيرا من أجلها ثم ما لبثت أن تزوجت بآخر وتركتهما يواسيان بعضهما على حبهما المفقود.. سهرا معاسهر معه الى ساعة متأخرة من الليل ثم توجها الى أحد المطاعم وأثناء تناولهما الطعام أخبر أشرف صديقه أنه ينوي شراء قطعة أرض لبناء بيت وأخبره بقصة فاطمة العطيمة..أغرورقت عيناه وهو يصف ذلك القلب الكبير والنفس الطيبة والعقل المدبر لفاطمة.. تمنى لو أنها سليمة معافاة ولكن نعمان قال:" ربما لو كانت سيمة لما استطاعت أن تفعل ما فعلت..عليك أن تشكر المولى على ما أعطاها انها ماله تساوي مائة امرأة سليمة"..هز رأسه ومسح دمعته التي أفلتت من المحرمة..أمسك نعمان ساعد أشرف وهزه قائلا:
- لو كنت مكانك لكنت أسعد انسان..دعنا نتحدث في موضوع آخر".
- طيب يا سيدي هل تعرف من يساعدني بشراء قطعة أرض؟
- طبعا ولو يا رجل ألا تعرف أن صديق عمي صاحب أكبر مكتب عقارات في المنطقة..
- والله ..
- أي ..والله..
- نذهب اليه غدا لم يبق من اجازتي سوى يومين..
- لا بأس..سأكلمه الليله ونزوره في الغد ان شاء الله ليصحبنا الى مكتب العقارات...
بعد أن تحدثا وتسامرا طلب أشرفأكل وطلب ماعونا لأخوته..المعاقين وشريفه السليمة استودع صديقه وحمل وعاءه ودخل البيت محدثا هرجا ومرجا على غير عادته نبه اخوته وتناول معهم الطعام مرة أخرى ونام نوما هانئا يفكر في الأرض والبيت وربما بالزوجة والأولاد..الذي سيتحقق بفعل حكمة فاطمة المعاقة التي تزداد اعاقتها كلما تبسمت..
منذ الصباح الباكر ارتدى أشرف ملابسه وذهب الى منزل نعمان وتوجها لمعاينة الأراضي
تتبعهما دعوات فاطمة بالتوفيق من الللللللللللللللللللللللللللله..بعد وقت طويل من الغياب والبحث والتقصي اختارعم نعمان وصديقه بعض المواقع القريبة من منطقة سكناهم كي لا بتعدوا عن بيئتهم وأصدقاؤهم كما أشار عله الكبار ببعض المواقة كقرب الآرض من الشارع والسوق وكذلك مدرسة شريفة فاقتنع أشرف وعاد البيت مساء وحدث اخوته بما جرى معه فهتفت فاطمة بلسانها المعوج":بدددي أشششوف الأرضضضض الآلآلآن،":
- لا بأس .. لا بأس يحق لك يا ست الكل" قال أشرف".
..صحب فاطمة بكل فخر وقاد شريف بكرسيه المتحرك الجديد وتوجهوا الى قطع الأراضي التي حدثه عنها السمسار لتنتقي فاطمة ما يناسبها في حين بقيت خديجة ترعى شريفة التي كانت تقوم بأداء واجباتها المدرسية..
اختاروا واحدة ثم توجه أشرف باخوته الى منزل السمسار، الذي استغرب زيارتهم ليلا ولكنه رحب بهم ودعاهم الى الداخل .. تحدث اليه أشرف عن قرارهم وأخبره أنه لم يبق لديه الكثير من الوقت لأتمام معاملة التسجيل وأن فاطمة وشريف سيتكفلا بما لا يمكن انجازه قبل سفره ..لكن السمسار وعده بأن يعمل كل ما في وسعه لعمل اللازم في أسرع وقت.. في الصباح أعدت خديجة وجبة شهية من مناقيش الزعتر الطرية الساخنة فتناول الأخوة طعام الأفطار ولبست فاطمة أحد الأثواب المطرزة باناقة من تحت يدي خديجة أيضا وتقدمت موكب أشرف وفاطمة والسمسار وعم نعمان ونعمان الى السيارة التي حضرت لتقل جوقة الخير الى دائرة الأراضي وعندما اتفقوا على الترتيبات وجاء وقت الدفع نظرت فاطمة بثقة وتحد وأدخلت يدها المعاقة الى صدرها بينما يتحرك لسانها في فمها دون توقف ..أخرجت الرزمة وقدمتها الى أشرف وتم تسجيل الأرض فورا، وامتلك الأخوة الستة الثلاثة أصحاء والثلاثة معاقين قطعة صغيرة وجميلة من الأرض .
بادر شريف فور استلامه سند التسجيل بأرسال برقية الى أخيه فطين يزف اليه البشرى فرد فطين ببرقية مماثلة يعلمه بتحويل كامل المبلغ الذي وفره في غربته لبناء بيت واسع يتسع لهم جميعا وطلب اليه البقاء حتى ينتهي من البناء ولكن فاطمة رفضت وأصرت على أخيها أن يسافر الى عمله ويعتمد على من وراءه..طبعا لم يناقشها بالأمر فقد أثبتت أنها أخت الرجال وأنها مرتكن وعلى قد المسؤولية" ..فضل أشرف التأخير بعض الوقت فأرسل برقية الى عمله يستأذن تمديد اجازته لأسبوع واحد فقط..واستلم الموافقة ..
بعد أن عاد من دائرة الأراضي ذهب الى البقال وسأله عن أحسن وأنظف البنائين ذمة :
- أبو أسعد يا أخي أحسن بنّـاء وأشرف بنـّاء..معروف بين الناس..
- أين أجده.
- تعال معي.. ماسك ورشة قريبة من هنا .. بنى معظم مبان المنطقة..
أغلق صاحب البقالة دكانه وتوجه الرجلان الى حيث ورشة أبو أسعد الجديدة فأعلمه أشرف عما سمعه عنه فشكره الرجل وقال:
- الحمد لله ما في أحسن من اللقمة الحلال..
واتفقا على البدء في أقرب وقت..
بقي واجب واحد لم يتسع وقت أشرف له، السؤال عن شريفة لا بد من القيام به قبل سفره.. فذهب منذ الصباح الى المدرسة يٍسأل عنها مدرساتها وكانت النتائج باهرة .. سعدت شريفة بزيارة أخيها السليم الذي يتكلم بشكل طبيعي ويضحك بشكل طبيعي ويمشي أيضا على قدميه بشكل طبيعي كباقي البشر..وبعد أن لمس شعورها بالزهو تحمس لمرافقتها كل صباح فيما تبقى من أيام من والى المدرسة رافعة رأسها بقدميه السليمتين وقوامه وجمال شكله ورافعا رأسه بنجاحها..بينما يمشيان معا يناقشها بواجباتها اليومية لا يتخيل من يراهما أن في حياة هذين الشقيقين مأساة مؤلمة..
لفتت وسامة واناقة أشرف نظرمدرسة شريفة لمادة الرياضيات فأخذت تسأل عنه وتستفسر عن أحواله كما لفتت نظره هي الأخرى باطالتها المكوث معه والثناء الكثير على أدب وتربية أخته ولم تنس أن تثني أيضا على ترتيبها ونظافتها وهنا لم يخجل أشرف عندما أخبرها أن أخته الكبرى هي التي تقوم على كل ذلك ولم يذكر لها أنها معاقة فلم تعد فاطمة معاقة في نظره..
مثـّل شراء قطعة الأرض الذي أشرفت عليه فاطمة وحققته بما وهبها الله من تدبير وعقل وقلب كبيرين مهرجانا ربيعيا في حياة الأخوة الأصحاء والمعاقين الستة..وحولت حياتهم الحزينة الى باقة ورد متعددة الألوان تفوح منها رائحة الأمل والسعادة.
- طيّب خلاص يا شباب سأسافر وأترككم لأعود وأنتم في البيت الجديد ان شاء الله..
- الله يسهل عليك.."قالتها خديجة قليلة الكلام بأدب جم"..
- الله معك يا خوي اتسهل."قالها رجل البيت ورب الأسرة الجديد شريف".
- اللللللللللللللللللللللللله يحميييييييييييييييييييك ما تهممممممل همممممممممممم." قالتها له فاطمة؟.
وهكذا سافر أشرف على غير ما حضر عليه من حال..فخورا سعيدا مسرورا مطمئنا يحمل البشائر كلها في قلبه ليشرك بها شقيقه فطين الذي كان في انتظاره في المطار..
- والله أنا ما صدقت البرقية في البداية..
- والله يا فطين تمنيت لو كنت معي وشاهدت بنفسك..أختك فاطمة يا رجل تفعل كل هذا..
- والله أنا مشتاق اليها كثيرا..
- هل تعلم أنني لم أعد أطيق الغربة وأتمنى أن ننتهي سريعا من بناء البيت لأعود وأعيش معهم..
- والله وأنا يا خوي..على العموم خلينا نشد حيلنا هالكم شهر الجايات ونحوش قرشين امناح..
- أنا تعلمت الطبخ من خديجة ولن أزور المطاعم بعد اليوم..
- ولا أنا..لقد غيرت فاطمة كل شيء في حياتنا ..حتى طباعنا..الله يسلمها يا رب..
بدأ الحفر وبعد أسبوع تمت صبة باطون الأساسات وسط أهازيج العمال باشراف أبو أسعد ..ستة أشهر طيلة فصل الخريف وفصل الشتاء وفاطمة تنهض من نومها مبكرا لتجد خديجة قد أعدت الطعام وابريقا من الشاي يحضر أحد العمال لحمله وتتوجه به الى الورشة تعود سريعا لتمارس برنامجها الذي لا يفوتها..تجهيزوارسال شريفة الى مدرستها مرتبة وأنيقة كالعادة لتعود بعدها يتراقص حولها جسدها في غير انتظام تحمل دفترها وقلمها بيدها المعوجة تسأل وتكتب وتحاسب.. تدور في المبنى لمتابعة ما تم انجازة تجرقدميها ويديها وابتسامتها التي تزيدها اعاقة تعاين الغرفة تلو الغرفة بينما نظرات أبو أسعد تتابعها باعجاب وتعجب.. فيما يقبع شريف ممسكا كتابا يطالعه على كرسيه المتحرك الجديد ينتظر أخبار المنزل الذي سينتقلون اليه قريبا .. يعود منكسرا متسائلا ان كان لهذا البنـّاء الفذ أن يصنع له ساقان طويلتان كما يصنع بيديه القويتين منزلا بهذه الضخامة..
أعجب أبو أسعد بمثابرة فاطمة واخلاصها وكان كلما رآها قادمة يؤهل ويسهل بها وما تلبث أن تبتسم ابتسامتها التي تزيدها اعاقة فيعز عليه منظرها فيدير وجهه الى الناحية الأخرى مرددا (سبحان الله ، يضع سره في أضعف خلقه أو كل ذي عاهة جبار ) كما شعر بعاطفة قوية تربطه بالعائلة معاقيها وأصحائها..وأخذ يبدع في عمله وكأنه يبني لنفسه متعهدا باتمام البناء من ألفه الى يائه وبأسرع وقت..لم يقصر عمله على البناء بل قام ومنذ يوم التأسيس بحرث الحديقة المحيطة بالمشروع وزراعتها وتفنن بانتقاء الأشجار والزهور وبناء الأحواض..كما اختار بنفسه البلاط والحمامات والحنفيات وخزائن المطبخ وزجاج وشبك الشبابيك وخشب الأبواب وحديد الحماية ونوع الدهان وأوصى على باب من حديد دهنه باللون الأخضر ليصبح منزل المعاقين أجمل بيت في المنطقة.. " والله يختي لأخليلكم هالبيت جنة.. فترد عليه فاطمة"..اللللللللللللللله يببببااااارك فيك" ..ينظر الى حركاتها ثم يشيح بوجهه لا يريد أن يصدق أن هذه المرأة معاقة يهتف في سره " يا الهي ساعدها"...
لم تنقطع الأتصالات ما بين أشرف وفطين وفاطمة وشريف والسؤال عن البناء وما وصل اليه البناؤون كما لم تتوقف الحوالات الماليه التي تدفقت مع نهاية كل شهر..وانتهى البناء في فترة قياسية.."الله يعطيك العافية يا أبو أسعد"..
كان المنزل فسيحا جدا ومشرقا مكوننا من أربعة غرف للنوم وصالة واسعة وغرفة طعام تدخل منهاالى مطبخ فسيح مجهز بالخزائن والرفوف سارعت خديجة التي أعجبت بما رأت بالتخطيط لترتيب مرطبانات البهارات والسكر والشاي والطناجر والكاسات وباقي أدواتها المحببة الى نفسها..أطل المطبخ على الحديقة التي أعدها ورتبها أبو أسعد بنفسه..فازداد المنظر جمالا وأبهه..
انتهى البناء مع بداية فصل الربيع فأرسل الأخوان المغتربان بالمال اللازم لتجهيزالمنزل وهذه المرة أرسلا الشيك باسم فاطمة ذات السيقان المتراقصة والتي لا تقل نباهة عن شريفة ذات الأقدام السليمة وبتردد وخجل وبعض الحركات من الفم واليدين واللسان طلبت من أبي أسعد أن يأخذها الى البنك ولم يخيب أملها فصحبها الى هناك وسحبت المال وفي يوم عطلة شريفة طلبت منه أتمام معروفه واصطحابهما الى الشارع الذي اصطفت على جانبية معارض الأثاث فوافق دون تردد استأجر سيارة واصطحب زوجته أيضا لتساعد بأخذ المشورة وذهبوا جميعا الى معرض جيد للأثاث وانتقوا من العفش ما يلزم وما يتناسب والمبلغ الذي وصلها كانت تفاصل وتحاور وتحاسب وتسأل وكان أبو أسعد الذي بات يفهم لغتها يترجم لصاحب المحل ما تقول..
استأجر أبو أسعد سيارة شحن وعاملين اثنين نقلا اليها مشتريات فاطمة وعندما وصلوا البيت الجديد قاما بأنزال العفش من السيارة ووضعاه في المنزل حسبما أرادت فاطمة وبات السكن الجديد جاهزا لاستقبال اصحابه جميعا وانتقلت الأسرة الى السكن الجديد ..بات المنزل علامة مميزة في الحي واختفى فجأة اسم "عيلة المشلولين" الذي كانت تحمله الأسرة وانقلب الى اسم "أصحاب البيت الجديد الأخضر".. وشعرت شريفة براحة كبيرة واعتزاز لا حد له عندما سألتها مدرستها ان كان البيت الأخضر الجديد الحلو الذي له باب حديد أخضر بيتهم.
بعد شهرين وعندما حل فصل الصيف حضر الأخوان المعافيان أشرف وفطين في اجازة وكانت الفرحة تامة فيما بينهم فقد حققوا معجزة بفضل فاطمة التي تزداد اعاقة عندما تضحك.. قضيا اجازة رائعة في البيت الجديد ذو السور الأبيض والباب المدهون بالأخضر ما بين عناية فاطمة وأفكارها العظيمة وطبيخ خديجة التي كانت تغضب اذا ما دخل أحد المطبخ فتطلب منه الخروج فورا مع استعدادها لتلبية طلبات الجميع اعتبرته مملكتها التي لا يجوز لأحد اقتحامها.. ولكن مشكلة شريف بالأقدام بدأت تقلق الجميع..انتهت الآجازة وعاد المغتربان الى مكان عملهما..
أخذ المنزل موقعا متميزا على زاوية أحد الشوارع الجديدة وبجماله ازدادت المنطقة جاذبية وأخذت بعض العائلات تشتري قريبا من الموقع فقد شجعها جمال المنزل الجديد ذو السور الأبيض والباب الحديدي المدهون بالأخضر..
في الزاوية الشماليه من المنزل قامت عائلة أبو أنور ببناء مسكنها .. عائلة مكونة من أربع بنات وشقيقان والأب رجل مكافح يعمل مواسرجي ولأمانته فتحها الله تعالى عليه وبات من المقتدرين في نظر الناس.. من ضمن عائلة أبو أنور ابنته الكبرى عائدة الغبية التي لم تفلح
في المدرسة فقعدت في البيت تساعد أمها تساعدها بأعمال المنزل وتنتظر ابن الحلال ..
اتخذ شريف موقعا استراتيجيا في البلكونة المطله على الشارع العام في مواجهة منزل أبوأنور..كان المنزل مبنيا على قطعة أرض صغيرة جدا ومنخفضة كثيرا على الجانب الآخر من الطريق يسهل مشاهدة ما يجري في الساحة المحيطة به من موقع شريف الذي بات يراقب عائدة ذات الأقدام في تحركاتها تحضر الخضار وتنشر الغسيل وتحمل أختهاالصغيرة تلاعبها وتركض وراءها تكنس حول المنزل وتطرد الدجاجات من ساحة المنزل وتدخل القن لتجمع البيض الطازج..تذهب الي البقال كل ذلك كان يتم وهي تستعمل قدميها المحميتين ببوط رياضه أو شبشب أو حذاء غير نظيف ومركبتين فوق ساقين قويتين بينما قدمي شريف العاجزتين بالكاد تصلا نهاية المقعد..
في أحد الأيام ضلت دجاجة من دجاجات أبو أنور طريقها فوصلت السور الأبيض ذو الباب الحديدي المدهون باللون الأخضر ثم انزلقت من تحت قضبان الباب ودخلت الحديقة.. شاهد شريف عائده تركض نحو منزلهم كانت فرصة لا تعوض ليمارس هواية النظرالى الأقدام عن قرب فأخذ يلقي للدجاجة بعضا من قطع الخبز الذي بيده.. استأنست الدجاجة وأخذت تنقنق ترفع رأسها وتخفضه لتلتقط قطع الخبز وتقترب أكثر فأكثر الى أن كادت تصل البلكونة التي يجلس عليها ..
قطعت عائدة الشارع وعينا شريف مسمرتان على السيقان الطويلة تسيرا فوق التراب ثم الشارع ثم الرصيف وتتجها الى منزله ذو البوابة الخضراء تستأذنه الدخول فيأذن دون أن يرفع عينيه عن القدمين فتدخل أيضا وهي تركبهما تكش دجاجتها ..
شاهدته يجلس على كرسيه ونظرت الى ساقيه ويبدو أنها خافت فأسرعت تركض على قدميها تطرد دجاجتها أمامها ورجعت الى منزلها..
منذ تلك الحادثة أخذت عائدة تلاحظ شريف..وتلاحظ أيضا أنه يتابعها بنظراته أينما حلت.. أعجبتها اللعبة ومن صفاة الغبي أنه لا يقدر نتائج أفعاله ولا يراعي مشاعر غيره فغباؤه يمنعه من ذلك..فبدلا أن تشفق عليه وتقدر ظروفه أخذت تتعمد تواجدها في المكان المقابل لموقعه على البلكونة تكثر من حركاتها ولهوها واطالة مدة نشرها للغسيل ومكوثها خارج البيت بشكل عام..أسعدتها مراقبته المستمرة لها تتعمد النظر اليه بين الحين والحين الى أن زال خوفها منه وأنست له وأخذت تتردد على عائلته بصفة مستمرة كأي بنت للجيران في مثل سنها لا تذهب الى مدرسة ولا معهد تنهي أعمال المنزل وتتوجه فورا الى منزل شريف..
في كل زيارة يظهر منها ما يلفت النظر الى قدميها وكأنها تقول لشريف أملك ما لا تملك.. فتارة تلمع صندلها وتسأله ان كان نظيفا وتارة تلبس بوتا جديدا فتسأله رأيه وثالثة تدعي أن شوكة دخلت قدمها فتعرج على واحدة في حين تتفقد الأخرى لتخرج الشوكة منها وتطلي أظافر أصابع قدميها بطلاء لافت..وفي كل مرة يتوه شريف المسكين في عالم أقدامها الساحر ..ومرة بعد مرة تغلغل شعوره الطاغي بالأقدام في نفسه فترك الكتب التي كان يقرأها كل يوم ليتعبد في عالمه الباهر..
قد لا يصلح المثل القائل " رب ضارة نافعة" في هذا الموقع..اذ أن هواية الرسم ظهرت فجأة في عالم شريف فطلب من شريفة أن تشتري له ألوانا ولوحة رسم وفرشايات وغيرها مما يلزم.. وأخذ يتفنن برسم عائدة ..تارة يمدد قامتها ويخص السيقان بأكبر زيادة في الطول وتارة أخرى يرسم سيقانها الطويلة فقط دون باقي الجسم حتى شقيقتها الطفلة تملك السيقان الطويلة وكذلك دجاجتها الهاربة رسمها بساقين طويلتين جدا يجلس عليهما جسد صغير..الخراف أيضا تملك ساقين طويلتين وكذلك الأزهار والأشجار وحتى عجلات السيارات جميعها طويلة ويافعة مزهوة ومرتفعة عن الأرض ما عدا ساقاه هو بالذات وعجلات مقعده التي تغرم بالأرض وتلتصق بها دون تذمر.. بعد أن ينتهي من مهمة رسم السيقان والأقدام يبدأ اما بالباسها الأحذية وبوطات الرياضه المختلفة والشباشب أو برسم المداسات متناثرة تنتظر أقداما تلبسها تقيها برد الشتاء وحرارة الصيف..وقد يخطر له أن يرسم صورا أخرى للرياضيين الذين يتنافسون على الجري أو لعب كرة السلة أو كرة الريشة ولكنهم جميعا يتراكضون فوق سيقان طويلة جدا تكاد الأجساد التي تحملها لا ترى بالعين المجردة.
بعد أن رجع الأخوان الى العمل بدآ يرسلا الى فاطمة كل ما يتوفر لديهما من مال لتدخره في بنك "الصدور" ولكنها وما أن تشعر بامكانية استثماره حتى تخرج من صدرها لفائف الأوراق المالية وتبدأ مشاريعها العائلية..بينما تتمشى في أرجاء الحديقة وجسدها ويديها تهتز حولها بلا توقف تتأمل ما باتت عليه الأسرة من عز وجاه بفضل حكمتها وارادتها وحسن تدبيرها وحرصها على مال اخوانها لاحظت أن لديها مساحة جيدة من الأرض التي يمكن اسغلالها فاستدعت أبو أسعد الذي اقترح عليها بناء ثلاث دكاكين بجوار الجانب الشرقي للبناية خصوصا وأنه سمع من أحد اصدقائه العاملين في امانة العاصمة أن الشارع سيصنف قريبا كشارع تجاري وعلى هذا سيكون بامكانها تأجير المحلات بأجرة شهرية مجزية تضيف رصيدا جيدا لميزانية الأسرة وتدعم أنشاء مشاريع أخرى..فسألته بجدية:
"طييييييب ششششششو ابببنسسسستنا..خلللللليننا نببببدأ فوررررررا"..
لم تبتسم ولهذا بدت أجمل..بعد يومين بدأ أبو أسعد مهامه الجديدة وأحضر عدته وعماله ومواد البناء وبدأ العمل..لم ينس أن يضع لافتة كتب عليها " مخازن للأيجار".
ما أن رأى الناس اللافتة حتى بدأوا يتسابقون لاستئجار المحلات..هذا ميكانيكي سيارات وآخر مواسرجي وثالث مصبغة وآخر بقال وغير ذلك..ولكن فاطمة انتقت المواسرجي أولا لعدم وجود من يقوم بهذه المهمة الأساسية للحي والثاني كمصبغة لنفس الغرض وأما الثالث ففضلت ابقاءه مقفولا الى أن يحضر أشرف فقد تكون له رغبة في استغلاله..لاحظ أبو أسعد أنها رفضت تأجير أحد المحلات كميكانيكي فأوضحت له أنها لا تريد أن تتسبب بازعاج الجيران واتساخ المنطقة أما رفضها للتأجير كبقالة فلم ترغب أن يؤثر ذلك على زبائن البقال الطيب صديق العائلة.
هز رأسه متأثرا ومبديا اعجابه بهذا العقل الكبير الذي لا يجاريه عقل امرأة صحيحة الجسم بدينة وجميلة تسعمل المساحيق صباحا ومساء.
انتهى بناء المخازن وتم تأجيرها لستة أشهر قادمة فخطرت على بال فاطمة فكرة أخرى.. بناء شقتين جديدتين للشابين المغتربين في حال زواجهما وعودتهما الى أرض الوطن وهكذا يتشجعا أكثر..انشغلت فاطمة بمشاريعهاعن شريف وانبهاره بعالم الأقدام وبعائدة أيضا ..
منذ الصباح وقبل أن يصحو شريف لممارسة هوايته يتوجه أبو أسعد الى البلكونة حيث فنجان القهوة الساخن بانتظاره.. يجد متعة كبيرة وهو يتأمل فاطمة ونباهتها فيجلس معها يتناول قهوته ويتحدث معها معربا عن اعجابه بأفكارها الخلاقة مناديا اياها " يا ست فاطمة" أو " يختي يا فاطمة" لا يناديها باسمها خاليا من الألقاب احتراما لها ولذكائها فتبتسم ابتسامتها التي تزيدها اعاقة فيلتفت الى الناحية الأخرى مرددا عبارته ( يا سبحان الله.. كل ذي عاهة جبار)..ثم ما يلبث أن يبدأ عمله بكل ما أوتي من أمانة وجد..
خلا الجو لشريف وتماما وهبطت عليه نعمة انشغال الجميع بشؤونهم من السماء، ينهض من نومه فيسارع الى ركنه المعهود يتخذ موقعا مطلا يتابع انبهاره في عالم الأقدام يتناول وجباته هناك وبحجة أنه لا يريد أن يدخل مملكة المطبخ و يزعج خديجة كما لا يريد أن تؤثر عجلات الكرسي على بلاطه الجميل اللامع فترحب خديجه بأفكاره وتقوم بتلبية طلباته بسرعة والتزام..
في بداية العام الدراسي أصبحت الآنسة علياء مدرسة شريفة لمادة الرياضيات من المقربات الى نفسها وزاد اهتمامها بها بعد أن زارها قبل العطلة أشرف وسألها عن شريفة وقد علمت أنه غير متزوج ويعمل موظفا مرموقا .. حل فصل الشتاء فأصيبت شريفة بالأنفلونزا ما ترتب عليه زيارة الآنسة علياء لها في بيتها.. أول من التقته شريف الذي يجلس على البلكونة وفي عز البرد شريف المعاق المغرم بالأقدام وقبل أن ينظر اليها ويسلم عليه ألقى نظرة على قدميها فلاحظ الحذاء الأسود الجميل الذي تلبسه ..لمحت الكرسي المتحرك فأدركت مأساته فتجاهلتها وسلمت عليه وأثنت على ذوقه باختيار مكان جلوسه ثم تناولت الكتاب المركون على طاولة صغيرة في زاوية البلكونة والذي بقي على حاله منذ انشغل شريف "بفتاة الأقدام" وتصويرها بالرسم قرأت العنوان " الأيام لطه حسين" .. ابتسمت وقالت موجهة كلامها لشريف "جميل جدا ودليل أن الحرمان من بعض ما لدى الآنسان لا يعيق ابداعه.." نظر اليها شريف نظرة ذات مغزى وكأنه يعتقد أنها تجامله فم يعقب.. سمعت فاطمة حديثا يأتي من البلكونة ففتحت ورأت المدرسة ..ضحكت ضحكتها التي تزيدها اعاقة..فوجئت المدرسة بمنظر المعاقة الثانية التي تقابلها في زيارتها .. مدت يدها لتسلم عليها فبادلتها فاطمة السلام بيدها المصابة المقلوبة الظهر المقوسة الأصابع ثم هتفت بما معناه " أهلا وسهلا ياست اتفضلييييي" حتى ذلك الوقت لم تكن فاطمة تعلم من تكون الصبية ولكنها أرادت ادخالها الى المنزل لتتفرج عليه ثم لتحدثها عن انجازها الرائع بكتابة اسم شريفة على اللوحة المعلقة على حائط الصالون سألت الأنسة علياء شريف المساعدة في ادخاله فلم يمانع فقامت بجر الكرسي الى الغرفة حيث أجلستها فاطمة..
دقائق ودخلت خديجة المعاقة الثالثة ملكة المطبخ والمسؤولة عن واجب الضيافة أيضا ، فلم تتمالك علياء نفسها من ذرف دمعة مسحتها بسرعة حتى لا يلاحظها شريف وفاطمة وابتسمت بافتعال ظاهر بعد أن احمّر وجهها.. سألتها عما تحب أن تشرب فترددت ولكن فاطمة صاحبة الواجب وملكة الدار ألحت الى أن اقتنعت علياء بتناول فنجان من القهوة..اعتقدت أن طلبها هذا ربما يزعج خديجة أو يغلبها ولكنها سرعان ما اكتشفت أنها لبت الطلب بسرعة فائقة وأحضرت الفنجان على صينية نظيفة مرتبه وأنيقة مضافا اليه كوبا من الماء اللامع البلوري المشع نظافة..
تناولت الفنجان وأخذت ترقب ان كان هناك مزيدا من المعاقين يداهمون الصالون .. ومع الوضع الغريب الذي وجدت نفسها فيه نسيت أنها قدمت لزيارة شريفة او قد تكون اعتقدت أنها ضلت طريقها فهل يعقل أن يكون هذا منزل شريفه ومنزل الشاب الوسيم أشرف الذي سلمت عليه نهاية العام الماضي..ولكن فاطمة نبهتها الى الصور المعلقة على الحائط فتذكرت علياء المهمة التي حضرت من أجلها وسألت عن شريفة التي كانت تنام في سريرها كالأميرة التي يحيط بها الأقزام السبعة، وقد أخبرت المعاقين الثلاثة أنها مدرستها ..سألت عنها فأخذت فاطمة تحدثها عن حالتها وعن السخونة التي ألمت بها دون أن تفهم كلمة مما قالت ثم أمسكت بيدها فأحست علياء بقشعريرة تسري في بدنها مصحوبة بألم انساني شفاف وهي تمسك باليد المعافة وتوجهت الى حيث ترقد المريضة النائمة..
عندما سمعت شريفة صوت مدرستها همت بالنهوض ولكن فاطمة أشارت لها بالبقاء ورفعت مخدتها ثم أجلستها بشكل مريح وغطتها بعناية وسط نظرات علياء التي كانت خليطا من
الأعجاب والدهشة والحيرة فأمسكت بكرسي وقربته وجلست الى جوارها تسألها عن حالها.. عندما تبسمت فاطمة ابتسامتها التي تزيدها اعاقة لم تشعر شريفة بشعورها السابق فهي اليوم البنت التي تسكن البيت الجديد ذو السور الأبيض والباب الحديدي المدهون بالأخضر بل ضحكت وهي تترجم ما تحاول فاطمه قوله للمدرسة " شكرا لزيارتك.. أنت حلوة كثير.." فافتعلت المدرسة الضحك مجاملة وهي تجول بنظرها ما بين شريفة وفاطمة وخديجة وشريف جلست صامتة يكاد قلبها يتفطر من الحزن والأستغراب..
دقائق وقرع جرس الباب واذ بشريف يتحرك حركة مهووسة كادت توقعه عن الكرسي ويلتف بأقصى سرعة معلنا وصول عائدة فتاة الأقدام ..انتفضت المدرسة في مكانها وانتظرت دخول الضيفة تتنازعها أفكار كثيرة عمن تكون ومن تكون وكيف تكون..فقد كانت الجلبة التي أحدثها شريف مثيرة للغاية ..عندما دخلت عائدة الغرفة ورأتها الآنسة علياء استغربت اهتمام شريف بتشريفها وعندما وقع عليه نظرها لاحظت ما تسبب بقلقها..
شعرت المدرسة بغضب مبهم مما ترى ولم تجد تفسيرا لغضبها فاستأذنت وخرجت من البيت الذي وجدت فيه أكبر عددا من المعاقين في حياتها في غير مراكزهم المعروفة ولكنها شعرت بعاطفة تربطها بتلك العائلة خصوصا فاطمة..
هدأت قليلا فأدركت سبب غضبها.. شعورها باهتمام شريف المعاق بعائدة وخشيتها من أن يكون الأمر أكثر من اعجاب بالأقدام .. فهذه الغبية لا يمكن أن تقدم له سوى الأنكفاء والمرارة واحدة مثلها ليست أهلا لمساعدته أو الوقوف الى جانبه أو حتى احترام مشاعره..وباتت تحسب وتتخيل ما يمكن أن يترتب عليه سلوكها وترددها على هذه الأسرة المتضامنة وما يمكن أن تأتي به من شقاء وتعاسة ..
في اليوم التالي أرسلت في اثر شريفة التي تعافت وعادت الى المدرسة جلستا في غرفة صفها قبل الطابور.. اعتقدت شريفة أن المدرسة ستسألها عن موضوع اخوتها ومعاناتها معهم ولكن
الآنسة علياء لم تأت على ذلك بل كلمتها عما لفت نظرها من ملاحظات جميلة ومحبة الأخوة بعضهم لبعض وكرم الضيافة الذي يتمتعون به ولم تنس أن تذكر المنزل الجديد الذي يلفه السور الأبيض الجميل ذو الباب الحديدي المدهون باللون الأخضر أجمل بيت في المنطفة فشعرت شريفة بالسعادة والأرتياح ..بعد ذلك أطرقت برأسها قليلا ثم سألتها:
- من هي هذه الفتاة؟
- عائدة!!!!!
- نعم..
- ابنة الجيران..
- هل تأتي اليكم دائما..
- دائما وفي كل يوم.
- لماذا؟
- تتسلى..
- تتسلى مع من؟.
- أخواتي يرحبن بحضورها.
- وماذا عن شريف؟
- وما دخله بها؟
- أعتقده يميل اليها.
- أعوذ بالله يا ست عاليه..شريف مقعد.
- أليس للمقعد قلب ينبض يا شريفة.
- لا يمكن أن يفكر بما تفكرين.
- ولكنه شاب كباقي الشباب .
- لا ليس كباقي الشباب انه مقعد..مشلول..ثم أنها لا يمكن أن تنظر اليه أو تفكر به..
- ولكنها تتلاعب به..
- لا.. يا ست عاليه..عائدة مش هيك..
- ديروا بالكم البنت غبية ويمكن أن تتسبب لشريف بجرح كبير.
- مش ممكن تنظر لواحد مثله أبدا.
- ولكن هو في واد آخر عما تقولين وهنا تكمن الخطورة.
أنكرت شريفة أي غرض لعائدة من زايارتها الطويلة لدارهم واستغربت من ملاحظات معلمتها وتساءلت ان كانت واحدة مثلها ستنظر الى شاب معاق مثله وهنا نظرت اليها المدرسة ورددت مرة أخرى: هنا تكمن الخطورة يا شريفة..
لم تلتفت شريفة لملاحظة المدرسة، أولا، لصغر سنها وعجزها عن أدراك مثل هذه الأمور ثم لأنها لا تظن أن للمعاق قلب يخفق كباقي البشر فكيف يمكنه أن يحب أو يحب..فهو مجرد شيء على كرسي..فعالم شريف في نظرها لا يزيد عن الكرسي المتحرك الذي يجلس فوقه يتأمل الأقدام التي تسرح وتمرح أمامه دون أن ترتفع أحلامه الى ما فوق ذلك.. ولكن حقيقة الأمور كانت تسير في اتجاه مختلف كانت تؤيد مخاوف الآنسة علياء وتدعمها..
عادت المدرسة الى الزيارة مرة أخرى ،وقد أقلقها الأمر، وفي هذه المرة تأكدت مخاوفها بعد أن لاحظت أن شريف يزداد تحديقا بالفتاة الغبية ونظرات الحب والتوسل تطفح من عينيه.. كما تأكد لها أن الفتاة تتفنن باللعب بتلك العواطف البريئة وتستغلها الى المدى الذي يسمح به غباؤها وعندما لفتت نظرها الى أن ما تقوم به حرام ولا يجوز أنكرت ذلك تماما واتهمتها بمحاولة تلطيخ سمعتها والأيقاع بينها وبين عائلة فاطمة وانضم اليها شريف الذي دافع عن عائدة بشدة ووجدت المدرسة نفسها في موقف لا تحسد عليه..بعد أن انضم الجميع الى شريف في الدفاع عنه وعن عائدة لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أن شريفة طلبت نقلها الى شعبة أخرى وباتت تتجاهل مدرستها وتتحاشى النظر اليها..
أضمر شريف في نفسه أن يمنع المدرسة من زيارتهم حتى لا تعكنن حياته وتحرمه من متعته بزيارات عائدة..ولكن ظروفا استجدت أربكت خططه..فقد تحققت مخاوف الآنسة علياء وداست عائدة على قلب شريف بقدميها الغليظتين.. وذهل شريف من المفاجأة فقد تقدم شاب يعمل في ورشة أبو أنور لخطبة عائدة ووافق الأب فورا، وعندما سمع شريف الزغاريد والطبول تنطلق من منزل جيرانه صعقته أصواتها ولم يدر ما يفعل فأخذ يدور على كرسيه بعصبية وانتابته ثورة هائلة وبدأ يضرب رأسه بحديد كرسيه تارة وبالحائط تارة أخرى الى أن شجه وتدفق دمه واحتارت الأخوات ماذا يفعلن..عندما شاهدت شريفة الدماء تقطر من رأس شريف خافت خوفا شديدا ودخلت غرفتها تبكي وترتعد وأقفلت عليها الباب وسارعت خديجة الى مطبخها تلتقط أفضل الخرق لتمسح دماء أخيها.. وأمام هذا المشهد الفظيع لم تجد فاطمة سوى أن تذهب بسرعة الى منزل المدرسة الذي لم يكن بعيدا لتطلب مساعدتها..
فتحت المدرسة الباب ووجدت فاطمة التي بدت أكثر جمالا لأنها لم تضحك ضحكتها التي تزيدها اعاقة أخذت تحاول بطريقتها افهامها ما يحدث لم تفهم المدرسة بالضبط ما جرى ولكن حالة فاطمة وذهولها أعطتها فكرة.. فلبست ملابسها وطلبت من جارهم الذي يملك سيارة خصوصي أن يوصلها وفاطمة وانطلقت السيارة الى المنزل الجديد ذو السور الأبيض والباب الحديدي المدهون بالأخضر.
طلبت من الجار الكريم الأنتظارالى أن تتبين الأمر فوجدت شريف غارقا في دمائه بينما خديجة تحاول الأمساك به ومسح وجهه ورأسه..سألت عن شريفة فعلمت بحالها فطرقت الباب بشدة لأخراجها خشية أن يكون قد أغمي عليها فتحت شريفة فاطمأنت المدرسة ثم توجهت الباب وبسرعة البرق نادت السائق الذي اندفع للمساعدة فحمل شريف وأخذ فاطمة والآنسة علياء معه وانطلق بأقصى سرعة..
بقي شريف في المستشفى أسبوعا كاملا لم يكلم المدرسة التي أسعفته كلمة واحدة فقد حملها مسؤولية ما حدث ولكنها ترفقت به وتفهمت موقفه حاولت توضيح موقفها وأن لا ذنب لها وأن عائدة كانت ستفعل ذلك عاجلا أم آجلا ولكنه لم يقتنع فحالما يراها تدخل الغرفة يطلب من شريفة اخراجها ويلح بعدم رغبته رؤيتها وعندما أحضرت له مجموعة من القصص قام بتمزيقها فور تسلمها من يدها.
ازدادت كراهية شريف للمدرسة وأضمر لها شرا في حين أرسل أشرف برقية يشكرها على ما قدمته لأخيه من مساعدة .
لم تتوقف عن التردد الى منزل شريفة والأستفسار عن حال شريف ومجاولة التقرب اليه ونسيان ما فات ولكنه أبى الا أن يحملها مسؤولية هروب عائدة الى رجل آخر...وفي يوم وبينما تجلس الآنسة علياء مع فاطمة في غرفة الصالون تسلل شريف الىالمطبخ غافل خديجة واستل سكينا طويلة وما أن توجهت المدرسة الى الباب في نهاية الزيارة حتى عاجلها شريف بطعنه أخطأت قلبها وخدشت خاصرتها فصرخت فاطمة وحاولت تخليص السكين من يده ولكن اعاقتها بيديها لم تمكنها فهجمت عليه خديجة وقامت بالمهمة ولحسن الحظ لم تكن الأصابة عميقة فادخلت شريفة مدرستها الى غرفتها وهما تنتفضان من الخوف وأغلقت الباب ثم نزعت ثوبها ومسحت الجرح وقامت بتطهيره ووضعت علية قطعة من البلاستر ولولا عناية الله لما تم انقاذ حياة علياء..
علم الأخوان بما حدث فحزما أمتعتهما وعادا الى أرض الوطن وقد وجد أشرف أن لا فائدة من الغربة طالما أوضاع أخيه باتت على هذا السوء فقد يؤذي نفسه أو غيره وأخذ الجميع يبحث عن الحل.. وكان بتسجيل أشرف في مركز لرعاية المعاقين يذهب اليه صباحا ويعود بعد الظهر اتطوير هواية الرسم لديه ..أظهر براعة فائقة بهذا الفن واستمر برسم الأقدام الطويلة منها والقصيرة السمينة والرفيعة وكذلك الأحذية على مختلف المقاسات والجوارب بمختلف الألوان..ولكنه وبعد أن تعامل مع زملائه في المركز واندمج في عالمهم اتجه لرسم الطبيعة الساحرة وأول ما رسم المنزل الجديد ذو السور الأبيض والباب الحديدي ذو اللون الأخضر ثم قام بحركة جميلة ورائعه تعبر عن ندمه عما فعل فرسم على البلكونة في مقره السابق رسما جميلا لأشرف وعلياء وأمامهما فنجانان جميلان من القهوة وفي الأتجاه الآخر في موقع منزل عائدة رسم فتاة قبيحة متقزمة كبيرة الرأس بقدمين قصيرتين.. قدم الصورة لأخيه وعانقه ثم قال له :"علياء يا أخي شابة طيبة لن نجد من يتحمل مآسينا غيرها..أنا نادم جدا على ما فعلت..لقد قدر الله ولطف.." فأجابه أشرف:" أنت تعلم ما في قلبي يا ولد"..
وتم زواج أشرف بعلياء وانضمت الى الأسرة ذات الستة أشخاص الثلاث معاقين والثلاث أصحاء الذين باتوا أربعة، ثم ما لبثوا أن أصبحوا ستة بولادة التؤمان فاطمة وشريف .. واستمرت شريفة بنجاحها وتفوقها وأخذت فاطمة تربي التوائم في حين تجهتد خديجة بتقديم أشهى المأكولات للعائلة التي كبرت وتغلبت صحتها على اعاقتها .. وامتلأ المنزل الجديد ذو السور الأبيض والباب الحديدي الأخضر بالأطفال أما شريف فقد بات رساما مشهورا تفنن برسم أفراد عائلته فيما تظهر صورة البنت ذات الرأس الكبير والقدمين القصيرتين باستمرار في زاوية الصورة..أما فطين فقد فضل العودة الى مكان عمله...وسلام عليك يا فاطمة..
المراجع
الكاتبة آسيا عبدالهادي
التصانيف
روايات آسيا عبدالهادي أقدام بلا رحمة