لطمت حليمة خدها، وهي تسترق السمع وتجد جوابا للغّّز واعترافا بالجريمة..ووجدت تفسيرا لإصرار  رُميمة على تأكيد قتل المغاوير للشاب..آيــــه، أرادت التغطية وإزاحت التحقيق عن مساره الحقيقي..هؤلاء جئن لإشعال القرية ..لماذا؟
من هن؟ ومن اين هبطن؟
وما هو سر بغضهن للقرية وتآمرهن على أهلها إلى هذا الحد؟
غيّرن اسماءهن وملامحهن وارتدين الحداد، وشاركن أهل الميت وكأنهن من بعض أهله ..قتلن القتيل ومشين بجنازته.. مصيبة والله مصيبة.
 
انسلت عائدة الى بيتها..مكبلة العقل والتفكير، تائهة، تدور في رأسها مئات الإسئلة .. تردد الله يستر ..الله يستر..القرية مقبلة على مصائب عظيمة وأهوال لا توصف..ومن سيصدقها  إن هي ذكرت ما سمعت..لكن صمتها سيأتي بكارثة أعظم.
 
بعد تفكير ؛ أصرت على قول الحقيقة فذهبت الى بيت المختار لتخبره بما سمعت لكنها وجدت البيت خاليا لا المختار موجود ولا عائلته ولا بناته.
 
عندما توفي الشاب؛ هرولت الساحرات الست يلبسن ملابس الحداد، يصرخن ويولولن، يضربن الوجوه، ويلطمن الخدود، ويبكين الفقيد الذي لا مثيل له بكاء مرا؛ يذكرن محاسنه وأخلاقه ويلعنّ قاتله الذي تسبب بحزن أبيه الشديد .. وقفن مع المعزّين يقدمن القهوة ويطهين الطعام ويواسين العائلة ..سأل المختار من الأخوات فقيل له يتيمات يسكن غرفة أعلى الجبل وحيدات بلا أخ ولا أب ولا من يحميهن عثرات الزمن، فدبت به النخوة لأنه لا يقبل بذلك وفي وجهه لحية وشوارب فأسكنهن بيته وعاد هو بعائلته الى منزل والده القديم..استنتاج معقول للحكاية سيادة المديرة.
 
معقول هذا الكرم..المسكين لا يدري  أنهن من ارتكب الجريمة.. وحرقن قلبه على فلذة كبده ..ماذا يجري..يا عالم هؤلاء مجرمات ارتكبن ابشع جريمة ليشعلن القرية..ولكن من يسمع ومن يفهم يا آنسة.. 
مغامرة حليمة لم تقف عند حد، فعادت الى الجبل مرة أخرى تريد معرفة المزيد..أطلت من خرم الشباك الذي يأتيها بالأسرار .. وجدت إيل سعيدة ترقص وتغني فقد تمكنت من شراء بيت المهندس غالب بأقل سعر..
كيف فعلت ذلك أيتها اللئيمة..سألت ميركا .
فأشارت على طانيا وقالت لها : 
إشرحي لهذه الذكية كيف فعلنا ذلك ..
تعرفين الساحر( بشبوش)..! أجابت طانيا.
أعرفه.. ردت ميركا.
تحدثت إيل كيف خدعت المهندس الشاب عندما لبست وجه الساحر بشبوش: ادعت قراءة الكف واعترضت طريقه..فتحت يده تقرأ طالعه.. فأخبرت المهندس الذكي ان تحت منزله كنز ..طناجر من الذهب والماس تقدر بالمليارات.. لا الملايين ..مال عثماني عظيم.. كنز لا مثيل له ..لكن يا حيف ،عليه رصد من الجن العنيد.. ملوك الجان بأكمله يقفون على الكنز لاتساعه وعظمة المال الذي يحتويه.. لم يصدق في بادىء الأمر وسخر مما قالت؛ حاول الإفلات فذكرّته بولده الذي ينام بين الجان وأن خطيئته في رقبة والده إن لم ينقذه.. فانصاع المسكين. أخبرته أن إخراج الكنز العظيم يتطلب السفر إلى الشام وشراء بخور من أحسن الأجواد من هناك لأن الرصد لا يقبل أي بخور..فذهل وطلب منها أي من (بشبوش) السفر نيابة عنه لأنه مشغول وبما أن الخدعة انطلت عليه أعطاه مبلغا مجزيا من المال لإنقاذ طفله وإخراج الكنز ووعده بطنجرة كاملة من المجوهرات حال استخراجه.. فادعى (ادعت) عفة النفس؛ وطلبت منه أخذ حصته اما هي أي (بشبوش) فستخبىء نصيبها للأجيال القادمة في مكان آمن..أخذت منه مبلغا من المال وادعت السفر، وفي اليوم التالي عادت إليه سعيدة منشرحة لأنها وجدت آخر قطعة من البخور وأنه محظوظ لحصوله عليه، وأن الله يحب المهندس لأنه أنقذ طفله.. ابتسمت إيل بوجهها البشع ابتسامة المنتصر وهي تسخر من المهندس المتعلم والمثقف..كان البخورموجودا معها، مزجته بروث بقرة جار،ه وأضافت بعض الشمع والفلفل الأسود والبهارات،وأسرعت إليه تبشره بحصولها على البخور الفاخر الذي سيخرج ملك الجن من مكانه..طلبت منه أن تتفقد البيت لتعاين مكان الكنز. وبعد ان تجولت في غرفه وساحاته وسطحه وسردابه وجوانبه وملحقاته، أخبرته أنها عثرت على الكنز فحددت له مكانا اذا ما تصرف ونبش ينهار البيت بأكمله.
 
بشبوش هذا، رغم مظهره الغريب ووجهه الأزرق، وقبح منظره، وقذارة ملبسه، ورغم انه لا يتقن قراءة سورة واحدة من قرآنهم استطاع أن يخدع رجل بمكانة المهندس وان ينفذ الى عقله مع انه  يحفظ كتابهم وسنة رسولهم عن ظهر قلب..هؤلاء سخفاء ساذجون..لا يعرفون لماذا خلقهم ربهم..يسهل خداعهم واللعب بهم.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   الست الساحرات