هذه البلاطة التي اختلف لونها عن سابقتها والتي أخفتها بقوار زريعة تريد الآن رؤيتها..فقد لا تراها بعد أسابيع..
صوت أمها تغني "كنا وكانوا هالبنات مجمعين"..
يا عمي غيرّ هالإذاعة هل مكتوب علينا حفظ الأخبار خبر خبر منذ صباح الله..
طيب ماشي ..شو بدك تسمعي..
سمعنا فيروز ..
تفضلي..
حتى ذلك الوقت كانت الأشياء في نظرها موجودة ملاصقة لحياتها وعيونها ..تراها كل يوم..لا تغيير..كل شيء في مكانه كما تركته الوالدة .. تتفقدها بين زمن وزمن وتترك موضوع نظافتها لأم إنصاف، التي تقوم بالمهمة كل اسبوع مرة أو مرتين، فحليمة تريد العيش في جو أسرتها الحميمي السابق الذي أحبته وتمنت بقاءه .. البقاء لله وحده..هي الان تريد أن أن تملأ عينيها مما حولها ، تتأملها..وتحسها بيدها وقلبها..وتحضن بعضها..أشياء كثيرة ..تعتقد أنها ستفقدها بعد ايام ..وحتى لو احتفظت ببعضها ..فلمن ومن سيهتم أو سيعرف قيمتها، أين تضعها إذا ما انتقلت إلى شقة صغيرة..تتخلص منها!! لا ..لا..هذا غير ممكن فقتل الذكريات أمر مخيف..إذن لتمتع ناظريها منها فلم يبق الكثير من الوقت..كل شيء يدوم أكثر من الإنسان..
أدخلي الدراجات إلى المخزن يا سلمى.."لا أريد خلي رحاب.."
تسمع حليمة طلب والدتها فتسرع لإدخالها بنفسها حتى لا تشتبك الصغيرتان في نقاش ..أنا بدي..وأنا ما بدي..
حليمة الله يرضى عليها تقوم بكل شيء.. هي صديقة الوالدة ومربية الأخوات وجليسة الوالد..حليمة..
الله يخليلك حليمة يا رب..
تنهال الذكريات، الملابس الجميلة، الفخر بثلاث بنات جميلات، مؤدبات، ومتفوقات في المدارس، الأعياد، النزهات ، الرحلات إلى العقبة والبحر الميت ..من المدارس إلى الجامعات، إلى الجاهات وحفلات الخطوبة وبعدها حفلات الأعراس، ومن ثم السفر..بقاء حليمة مع والديها أنيسا ومؤنسا لهما في كبرهما ومن ثم عجزهما.. لكن وماذا بعد ان يموت الوالدان ،" ليتها توافق على ممن يتقدمون لخطبتها..والله ما أنا عارفة شو دهاها هالبنت، ترفض كل هؤلاء العرسان من أجل مَن..بكرة إحنا بنموت وتبقى لوحدها وتندم..ماذا بيدي أفعله..راسها مثل الحجر..لا تسمع الكلام وتعمل إللي في راسها..إدعي لها يا أم حليمة، الله يرضى عليها.."
الشباك الذي كان إسماعيل يهرّب لها رسائل الحب من زاويته.. قرنة الحديقة التي عاصرت أول لمسة ليده..وكيف هربت وقلبها يخفق تريد إخفاء يدها لئلا تشي بما حدث..ولقاؤهما الأخير ، يوم فاجأها بعدم رغبته الزواج ونية السفر..
زوجة أبي كرّهتني بالزواج والمتزوجين..
وما لنا ومال زوجة أبيك..
إبحثي عن مستقبلك يا حليمة بعيدا عني..أنا لا أصلح لك..لا تنتظريني..فقد تطول غيبتي..أنت فتاة جميلة ، متعلمة ، وبنت ناس ، لا تضيعي نفسك من أجلي..
ردت بعينين تطفحان بالدموع..لكني أحبك..ولا أستطيع الإستغناء عنك..
إستغني يا حليمة أنا لن أسعدك..وأنت تستحقين رجلا سعيدا يملأ حياتك بهجة وسرورا..أنت تستحقين كل خير..أنا إنسان تعيس، حزين، مكتئب.. خـُـلقتُ للحزن وأنت خـُـلقتِ للفرح.
سأنتظرك..مهما طال الزمن..
لا تفعلي أرجوك.
سأفعل.
لو أنه فكر جيدا لما كانت الآن في مثل هذا الموقف..من يدري فلربما كان موقفها أسوأ..على العموم ..كل شيء راح وانتهى..واللي بينهم خلاص مضى..خلاص مضى..