لاحظت حليمة، هلع ناهد من عقاب والدها.. فاستأذنت والدتها، أخذها منزلها إلى أن تهدأ الأمور، فوافقت على مضض..ثم استدعت المشرفة الإجتماعية لتشرح حالة ناهد لوالديها لتخفيف ضغطهم، حتى لتخرج من حالتها وتتمكن من تقديم امتحاناتها بسلام.
بعد يومين، أقامت حليمة وليمة غداء، دعت إليها عائلة ناهد والسيدة فوزية والمشرفة الإجتماعية .. وحرصت على لم شمل البنت مع والدها الذي بكى عندما رآها وضمها إلى صدره معتذرا لها عما بدر منه.. شكر الوالدان السيدة فوزية ووعداها استمرار التواصل، فاطمأنت ناهد وعاد إليها هدوؤها، وخرجت بعد الغداء مع والديها.
مشكلة ثالثة واجهت حليمة ، فقد غضب زوج أختها رحاب، من تنازلها عن حصتها بإرث والدها
لحليمة التي لا بنت لها ولا ولد.. ويبدو أنه كان كاتم على نفسه طيلة المدة التي تلت وفاة الوالد إلى أن انفجر في أحد الأيام، اشتد الخلاف، وبات مستقبل الأسرة في مهب الريح، فاتصلت ابنة رحاب بخالتها تعلمها بما يجري بين والديها، وترجوها ان تتدخل لحل المشكلة..الفتاة، ببراءة الأطفال أخبرت خالتها بالحوارات المتشنجة والكلام الذي يدور خلالها..بكت الطفلة، وهي تشرح لخالتها الإحراج الذي تعانيه والدتها وكيف رفضت إقتراح والدها رغم إصراره:
لا يمكن أن أطلب هذا من أختي..أنا لم أفعل لوالديّ شيئا..حليمة فعلت كل شيء ..اعتنت بهما، ووقفت على علاجهما..ونذرت حياتها لهما..
واجبها..رد زوج رحاب.
ولماذا يكون واجبها وحدها..ألست أنا أيضا أبنتهما.أجابت رحاب.
أنت في بلد وهما في بلد آخر..وأنت لك عيالك وعائلتك..هي عزباء.. لا بنت ولا ولد..
لا تنسى أنها عزباء لأنها رفضت الزواج وتركهما وحدهما..حليمة ضحت من أجل والدي..
لم يجبرها أحد على فعل ذلك.
هي عزباء لأن الشاب الذي أحبته لم يعد..
كثيرون غيره طلبوا يدها ورفضتهم..أولهم ابن خالك..لا أستطيع أبدا ان أطلب منها ما تريد..لماذا تستعجل..بكرة يا سيدي ، عندما تموت بعد عمر طويل يرجع لنا كل شيء..
وماذا إذا طال عمرها ..وعاشت أكثر منا..النساء العازبات يطول عمرهن..
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..أي رجل أنت!! أليس لديك رحمة..ألا تشعر بشعور غيرك..أعماك الجشع..تنتظر موت أختي لتأخذ ميراثها..معقول هذا.
والحل؟؟
أنظر ما تريد..
هل تضحين ببيتك وحياتك من أجلها..
نعم..كما ضحت هي من أجل والدي..وليكن ما يكون.
العبارة الأخير أخافت البنت فاتصلت بخالتها. رغم كل شيء، فحليمة بشر وإنسانة، لها مشاعرها..تفرح وتحزن وتبكي أيضا..
أمام المرآة، وقفت تتأمل وجهها وبعض تجاعيده..نعم..معه حق..لا بنت ولا ولد ولا أمل..ها هي وحيدة..لا ونيس ولا شريك..ها هي تكتشف أن بين أفراد عائلتها من يتمنى زوالها ليرثها.. ولاااااااااااااو..أهكذا باتت الدنيا .. هي لم تقصر بأختيها منذ حصلت على التركة؛ ولم تفكر في أي يوم أنها المستحقة الوحيدة لها ..على العموم ، يأتيها بالأخبار من لم تزود..واساها موقف أختها .. دفاعها عنها أمام تجبر زوجها ووصولها درجة التضحية ببيتها من أجلها..إذن لترد لها المعروف وتحفظ عليها عذابها وحياتها.. زتعيد لها السكينة.. لحظات قاسية ..حزن وألم وفقدان الأمل.
بكت بحرقة، بعد أن وجدت أمامها حقيقة قاسية بلا رتوش ولا تزويق.. طلبت من ابنة أختها أن تخفي موضوع مكالمتها ووعدتها بالتصرف.
بدأت تبحث الموضوع وتقلبه في عقلها .. صحيح كلام راغب، لا بنت ولا ولد ولا زوج، في النهاية، سيؤول كل شيء لأخواتها وأولادهن ..لماذا لا يكون الآن..طالما وقعت المشاكل..
يجول خيالها بأشياء حزينة حول المصير المرتقب .. وما يختبىء وراء الرغبة باقتسام التركة..بيع بيت العائلة، حيث الذكريات وفرح الأيام الماضية وصوت الأم ورائحة طبخها..جريدة الأب وفنجان قهوته..أدوات المطبخ التي انتقتها الوالدة بعناية.. الستائر الجميلة النادرة وأغطية الأسرة والطاولات..المزهريات ..تدور حول نفسها .. المكتبة التي تحتضن عشرات الكتب التي قرأها الوالدان:
شايف..شايف شو عمل قيس مع ليلى..
شو عمل..
لم يتزوجها وتركها لغيره..
ولد مش ولا بد..كيف يفعل ذلك؟؟
يعني فكرك لو كان يحبها .. كان فعل هيك..
والله لو كنت مكانه ما فعلت هيك؟؟
شو كان فعلت..
كما فعلت معك..هل تذكرين..
نقاشات حميمة، جميلة بين الوالدين، كيف عاشا معا وانجبا بناتهما وربياهن معا ..كل شيء كان جميلا وبهيجا....ثم غادرا، لا يفصل بين آخر يوم ، له وآخر يوم لها، سوى بضعة أسابيع..لم تطق فراقه فلحقت به..كانت فاجعة لحليمة..التي بقيت وحدها..
نباتات الزينة التي كبرت وملأت الزوايا..كرسي الوالد الهزاز على البلكونة ومقعد الوالدة إلى جواره وطرابيزة إفطار الصباح..البراويز التي تغطي الجدران من أين جاءت ومن أحضرها ومتى تم تعليقها.. وذاك البرواز الذي كسر في يوم لعب الأختيتن معا..وكيف لحقت الأم بهما بشبشب رجلها لمعاقبتهما، وكيف أخفتهما حليمة في خزانة ملابسها، وهرّبت لهما الطعام والشراب لأكثر من ثلاث ساعات..وحافظت على البرواز المكسور على حاله، بعثا للذكريات نباتات الزينة المرتاحة في الزوايا..الأباجورات في غرف المنزل المتعددة ..غرفة نوم الوالدين التي لم تدخلها منذ زمن؛ والشرشف الذهبي الذي يغطيها ،صورتهما يوم زواجهما معلقة على رأس السرير والأباجورات ما زالت تعمل. غرفة رحاب وسلمى التي اختارتها بنفسها وزينتها باللون الوردي الجميل..الستائر والسجاد ..غرفة الصالون حيث تجتمع الأسرة حول جهاز التلفاز لمشاهدة المسلسلات العربية والأجنبية .. آهههه مسلسل دخان البنادق الأجنبي الذي كان الحرص على مشاهدته شديدا..أم مسلسل البيت الصغير في البراري..أم مسلسل عائلة والتون..أم مسلسل ليالي الحلمية، وشجرة الدر ونمر العدوان..وغيرها وغيرها..هل ينتهي هذا كله .. الكنبة الطويلة في الصالة حيث كانت الوالدة تتمدد أوقات القيلولة..وهل تبدأ من جديد في مكان جديد وذكريات جديدة..