ثلاثة أيام مرت، ولم يتلق الوالد طلبا لفدية أو أي خبريشير إلى مكان إبنته..وباتت حليمة في موقف صعب تتلقى اللوم والعصبية ووصفها بالإهمال وعدم الحرص..صفاة أبعد ما تكون عنها طيلة خدمتها التي امتدت لعقود طويلة، كانت خلالها نِعم المربية ونِعم المديرة..وحصلت مدرستها على العديد من الجوائز والنياشين في كافة النشاطات..انقلبت الوزارة وحضر المفتشون ووكيل الوزارة وزوار كُثر هزهم الموضوع..منهم من تعاطف مع حليمة في محنتها لعلمه بملفها الممتاز ..ومنهم من زاد في اللوم..وانتشرت الإشاعات..لكن المحقق وبعد أن تأكد من سلوك البنت اطمأن أنها ستظهر في وقت قريب..
 
الأم الملهوفة، دارت على بيوت زميلات ابنتها بيتا بيتا تبكي ترجو وتترجى من لديها اية معلومة؛ من سمعت منها حكاية، من ألمحت لها بخطة، من لاحظت أي شيء..أي شيء.. ولكن لا خبر ولا علم لأحد ..
بعد التحقيق من الآذن، الذي أنكر أنه رآها تهرب وتأكيده أنه يحرص باستمرار على إغلاق باب ساحة المدرسة حال قرع الجرس؛ ومع نفي الجميع بمعرفة أي شيء؛ بدأت الأم تفكر بالأسوأ! ربما خطفوها للعمل بأحد النوادي الليلية، ربما باعوها لإحدى عصابات المتاجرة بالبشر، وربما داستها إحدى السيارات ..وربما قتلها أحد المجانين.. وربما..وربما..وربما ولا إجابات.. وفي لحظة يأس..ليكن ما يكون، على الأقل تتسلم جثتها وتعرف مصيرها.
 
في اليوم الرابع، وبينما حليمة في مكتبها حائرة تلملم قصاصات الحكاية، وتحاول معرفة أين حصل الخطأ؛ تلقت مكالمة من سيدة إسمها فوزية، فصرخت،..مَن ..وأين..أنا قادمة.. قفزت من مكانها، حملت شنطة يدها بسرعة وخرجت إلى سيارتها تنهب الطريق، وصلت العنوان..استقبلتها سيدة وأدخلتها البيت،
"فوجئت ببنت لم يسبق لي رؤيتها تقرع جرس منزلي وتطلب مني الدخول..طبعا وافقت، كانت مرتبكة وخائفة، طلبت ان تبيت عندي.. استغربت طلبها لكنني في نفس الوقت خفت عليها، استقبلتها ووافقت على طلبها، حاولت معرفة سبب هروبها،اسمها، اسم والدتها، اسم عائلتها، عنوانها، لكنها رفضت إعطائي أي معلومة.."
تضيف السيدة فوزية أنها شعرت بالمسؤولية تجاهها، ولم يكن منها رفض دخولها منزلها وتركها تهيم في الشوارع، أخذتها بالهدوء وسعة الصدر، اعتنت بها لتكسب ثقتها لكن البنت بقيت مصرة على عدم منحها أي معلومة تشير إلى عائلتها.. كان شعورها بالمسؤولية مختلطا .. فهذه فتاة تطلب اللجوء إليها وبالتأكيد لديها أهل حالتهم الآن يرثى لها والله يساعدهم على اختفائها ثم موقفها  أمام السلطات..هي لم تتستر على البنت لكنها تريد قبل اتخاذ موقف أن تتأكد أنها ستتركها بأيد أمينة تعيدها إلى بيتها سالمة ..فكرت كثيرا، وفي النهاية تشجعت وغافلتها وفتحت حقيبتها ..وقرأت اسم المدرسة المدون على أحد الدفاتر؛ فاتصلت بالمديرة.. فرحت حليمة بالمكالمة وبعد أن علمت أن البنت بخير اتصلت، بأهلها وطمأنتهم.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   الست الساحرات