قبل أن تتحدث بهواجسها وتثير المخاوف ؛ لا بد من التأكد في النهار أولا؛ فللنهارعيون كما يقولون..أخذت معها بعض المؤن ،وبعض أرغفة الخبز الطري، فقد تجد من يحتاجها، وضعتها في حقيبة تـُحمل على الظهر..ولبست حذاء خفيفا..لم تنس أن تأخذ معها سكينا ومقصا لمعالجة  بعض ما يعلق بملابسها أثناء الرحلة من أشواك وحشائش.
 
عند النظر للبيت من أسفل الجبل يبدو قريبا، لكنه على الواقع بعيد، أثناء تسلقها الجبل وفي الطريق إلى وجهتها وعندما وصلت منتصف الطريق ، وجدت ما لذ وطاب من أعشاب اعتادت تناولها في حديقة منزلها الريفي، فالأرض نفس الأرض، والحشائش نفس الحشائش، إحضار السكين مناسبا تماما للمهمة.. من حسن الحظ ، وجدت نبعة صغيرة تجري في جدول رفيع فيها ماء بارد ونقي.. تقص النباتات تغسلها وتتناولها بشهية وسعادة ،جعلت من بعضها حزما صغيرة تقدمها لسكان البيت إن وجدوا.. فجلست الى جوار الجدول وأمامها شجرة تين وحيدة عارية الأغصان تتحرك بلطف وهدوء بين أشجار البطم والخروب والسرو وغيرها من أشجار الغابة الدائمة الخضرة، ومع نسائم الربيع الفتيّ الجديد، والتعب الذي صادفها في رحلتها؛ شعرت ببعض النعاس ..جعلت من الحقيبة مخدة.. فنامت في ظل شجيرة صغيرة. 
 
أفاقت في وقت متأخر من النهار، فتابعت مشوارها. وصلت وجهتها..تأملت المكان خارج المنزل بعد ان لفـّـه السكون والظلام فارتعبت.. اقتربت أكثر. فلاحظت أن البيت عبارة عن غرفة واحدة فسيحة، لا حركة فيها ولا رائحة طبخ ولا صوت أطفال ولا حتى ملامح لحياة بشر..اقتربت أكثر وأكثر ووصلت إحدى النوافذ فوجدتها محكمة الإغلاق، تلصصت من شق صغير ينفذ إلى داخل الغرفة عبر ستارة من الدانتيل تسمح من خلال شقوقها ببعض الرؤيا.. دققت النظر وشدت عينيها بقوة.. فشاهدت غرفة معدومة الأثاث تقريبا، الا من حصيرة تبدو عليها آثار الزمن، تنام عليها فرشتان جديدتان وفي الوسط صينية عليها بعض الكؤوس الزجاجية الصغيرة..جالت بنظرها من نفس الشق فوجدت زير ماء عليه غطاء خشبي وفوقه "كيلة" من الألومنيوم تبدو نظيفة براقة.. لاحظت بعض الماء قد جرى من الزير؛ فقد سهى سكان الغرفة من وضعه فوق إناء أو إجلاسه على صفيحة تختزن الراشح منه.. في زاوية الغرفة المقابلة للشق سرير واحد عليه غطاء جيد، ووضعت لمبة تنتصب على ساق طويلة من الحديد تسمح برؤية كامل محتويات الغرفة. توقعت حليمة؛ ان النور الذي تراه ليلا؛ ينبعث منها. شاهدت أيضا كمية كبيرة من الأقنعة "وبواريك" الشعر المستعار والأظافر، والكثير من أدوات التجميل، هل يعمل سكان البيت بتجارتها.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   الست الساحرات