لا أنساها (نهائي)
تأملت منزلي الصغيرالمكون من غرفتين لا ثالثة لهما اضافة الى المطبخ والحمام وشرفة صغيرة أجلس عليها أوقات الفراغ مع زميلـّي بالعمل نسهر قليلا ونشرب الشاي ونتذاكر بأمور أهلنا وأمورنا الخاصة العاطفية والمادية وأخبار منتخبنا لكرة القدم ولا بأس من التكلم ببعض السياسة.. التي لا يأتي منها ما يسر... منزل توفرت فيه مستلزمات الحياة الكريمة التي تناسب شاب مثلي في غربته.. الحمد لله .. بينما يتحدث زملائي يتضاحكون ويشربون الشاي استغربت حالنا كيف نسينا قلوبنا وتركناها تصدأ رغم أننا شباب في مقتبل العمر هل كان ذلك لبعدنا عن الأهل أم لعدم توفر فتيات من بنات بلدنا في مكان اقامتنا أم لعزوف بنات البلد الذي نقيم فيه عن التواصل معنا أو تبادل العاطفة ورسائل الحب كما يفعل أبناء الجيران وبنات الحي في العادة.. فلم يكن لدينا بنت جيران نعاكسها وننتظر عودتها من المدرسة تحمل كتبها بيدها وتضمها الى صدرها تتلفت يمينا ويسارا تنتظر الحبيب الذي يظهر فجأة من بين ألأشجار أو في أزقة الشوارع فيرفع حرارة الجسم ويسكب الحمرة الجميلة على خدود الصبايا.. كانت هناك بنات طبعا ولكنهن كن بعيدات عنا لما عرف عن أبناء وطني من بساطة الأعمال التي نقوم بها فمن منهن ترغب الزواج بواحد غريب حارس في عمارة أو جرسون في مطعم أو عامل نظافة أو حتى أجير في محل ... تطلعات البنات في مكان اقامتنا كانت مختلفه أو ربما لأننا لم نرغب أو لم نجرؤ على التواصل معهن.. وكأننا كنا نعمل صامتين بالقول الذي يتردد أحيانا " يا غريب كن أديب"...
وكنت أحيانا اتوق لمثل هذا الشعور اللذيذ وأتساءل متى يداهمني ويفرض نفسه علي.. وحزنت عندما قلبت ورقة الرزنامة الجديدة واكتشفت أن هذه المشاعر قد عبرت من فوق قلبي سريعا دون أن أتذوقها أو أحسها ودون أن أدري .. حزنت كثيرا بعد أن اكتشفت أنني كبرت على هذه السلوكيات . وبينما أنا على هذه الحال من الأنين العاطفي غزا قلبي فجأة حنين لزيارة البيت الذي عرفته طفلا منذ زمن ليس ببعيد.. " ليس ببعيد جدا"...أخذت أتذكر وأعود لأيام مضت ما زالت محفورة في ذهني للبيت الجميل الهادىء النظيف الذي كانت تسكنه أحب النساء الى قلبي بعد أمي .. نفس البيت الذي وليت منه هاربا بعد أن سكنته وأصبحت مالكا له في ظرف أشبه بالمستحيل..
فما أذكره من حياتي أنني ومنذ طفولتي،التي هجرتني مبكرا، وأبي يصحبني مع أخواي محمود الأكبر ومنصورالأصغرمني نلتقط عيشنا من هنا وهناك .. وبخلاف الطيور التي تخرج من أعشاشها صباحا خماصا وتعود وقد ملأت بطونها كنا نخرج جياعا ونعود كما خرجنا الاّ من لقيمات قليلة نخطفها بينما نخرج راكضين خلف والدنا الذي لا يرضى بغير ذلك.. نتثاءب ونفرك عيوننا بأيدينا الصغيرة الخشنة وقد بقينا بنفس الملابس التي بتنا فيها فلا بيجامات ولا أرواب نوم، وقليلا ما كنا نحظى بغسل جيد لوجوهنا وأسناننا، نخرج مسرعين نرتاد المنازل الكثيرة في الحي نسقي المزروعات وننظف الحدائق ونجمع قمامتها.. كان والدي مزارعا، ليس مزارعا بمعنى الكلمة، ولكنه جعل من نفسه كذلك بمثابرته ونشاطه وبقليل من المعلومات التي عرفها منذ كنا في البلد.. بعد أن اشتهر وتعرف السكان الية ووثقوا به وتوسع عمله كثيرا قام بشراء لوازم الزراعة فأس وطورية ومشط حديد وقفة ...وهكذا اكتسب لقب مزارع.
بعد أذان الفجر بقليل نبدأ يومنا نتنقل من حديقة الى أخرى وبتأفف واضح يفتح لنا أصحابها أبوابهم .. نعاس يفركون عيونهم ويرتدون أروابهم وبيجاماتهم وشباشبهم الأنيقة الملونة.. كنت أحسدهم على بقاءهم في فراشهم الى ذلك الوقت.. والدي، الرجل الصارم شديد البأس سريع الحركة غضوبا لا يضحك ولا يتهاون.. كلامه أوامر ونظراته تأنيبا أو تأديبا.. متوسط القامة نحيلا اسمر اللون صوته الغليظ الجهوري لا يعبر عن حجمه وكنت أخاف ذلك الصوت وأحاول تحاشيه..
لم تأت ثقة الناس بوالدي من فراغ فقد كان أكثر من عرفته في حياتي أمانة وحفظا للمحرمات وغض البصر ومراعاة للظروف والصبر على ما يأتينا من ملاحظات تعبر في مجملها عن تحميل جميلة بما يدفعه لنا المستخدمين ..أخواي وأنا لم نكن نعلم مقداره مطلقا ولم نكن نجرؤ على السؤال..أوامروالدي تقضي بعدم لمس الأشجارأو الأزهار وعدم قطف أي حبة فاكهة وعدم الكلام وعدم اخراج الأصوات والعمل بهدوء وامانة.. وعدم النظر من الشبابيك وغض النظر عن الغسيل المنشور على الحبال .. كنا نجمع ما نجده مبعثرا في الحدائق من ساعات وكؤوس وملاعق وغيرها تركها الساهرون في حدائقهم بعد سهرة جميلة مع الأهل والأصدقاء خصوصا في ليالي الصيف الجميلة نجمعها قبل أن نغادرعملنا نودعها وعاء أمام ألأبواب المغلقة.. قليلا ما كنا نحظى بالتحدث الى أحد من هؤلاء السكان وكنت أشعر أنهم ربما لا يجدوننا جديرين بذلك..
يستمر عملنا طيلة النهار، وبعد العصر بساعة أو ساعتين نجمع حاجياتنا ويحمل كل منا ما يستطيع من معدات ونعود الى بيتنا الذي كان عبارة عن غرفة واحدة تكرّم علينا بها أحد أصحاب الفلل في الحي..نجد أمنا وقد أعدت لنا الطعام الذي يخلو عادة من اللحوم أيا كان نوعها.. نأكل وننام لنعيد الكرّة في اليوم التالي في مناطق جديدة وحدائق جديدة... قسّم والدي العمل فيها حسب الشوارع... فيوم السبت نبدأ من الشارع المقابل لبيتنا والأحد في الشارع الذي يليه والأثنين في غيرهما وهكذا. وعليه، فمجمل أيامنا أيام عمل ما عدا الجمعة حيث ننقاد جميعا الى المسجد لأداء الصلاة .. كنت أحب لعبة كرة القدم وكنت أستمتع بمشاهدة الأولاد يتلقفونها مساء بينما تتسابق خطواتنا للحاق بوالدنا، لحظات ونتحلق حول المائدة.. أفواه كثيرة تحتاج ما يلقمّها ومن يقوم بذلك.. أربع بنات وثلاثة أولاد وأنا الرقم السادس بين الجميع في حين أخي منصور الرقم السابع وأخي أحمد الخامس.. كنت أتأملنا فأستغرب كيف انزلقنا جميعا من رحم امنا بهذه السرعة وما تزال أختنا الكبرى ترتدي المريلة الزرقاء الخاصة ببنات المرحلة الأبتدائية..
برنامجنا هذا خلال اجازة الصيف أما أيام المدارس فلذك ترتيب آخر، حيث يبدأ مباشرة بعد انتهاء الدوام يتفق معنا والدنا على الحديقة التي يأتيها الدور فنحمل حقائبنا ونسرع لملاقاته لنتجنب غضبه..كان أخي الأكبر محمود في نظر والدي بليدا لا يصلح لشيء ولا يستطيع عمل شيء.. والواقع أن محمود بدأ العمل قبلي بعدة سنوات أي منذ بدأ يدب على الأرض أراد والدي أن يصنع منا رجالا قبل الأوان .. ويبدو أن شعور محمود بالغبن حين يصحو من نومه مبكرا في حين تبقى أخواتي نائمات كان يتسبب له أسا كبيرا خصوصا وأنه حظي بتدليل كبير من أمنا التي شعرت بالفخر عندما أنجبت ولدا بعد أربع بنات ولكن والدي لم يسمح له بالتمتع بهذا التدليل ولم يزل هذا الشعور عن أحمد حتى عندما انضممت أنا الى القافلة ثم انضم أصغرنا منصور اليها أيضا.. يكره كثيرا أن يصحو من نومه مبكرا ويكره كثيرا مصاحبة والدي ويكره أكثر العمل في الحدائق.. و كان كسله يتسبب في غضب والدي وحنقه وتكدره طيلة النهار فابنه البكر لم يكن نسخة عنه كما تمنى، فيلوم والدتي كثيرا لأنها أفسدته.. وكنت أرغب أن أعمل جهدي لأحظى على رضاه ولأعوضه عن محمود وأغطي على ما يفوته من عمل اتقاء للمشاكل .. وكان والدي سعيدا بنشاطي وفخورا بي ولكنه لم يبح لي بذلك أبدا..
كان يضايقني كثيرا شعوري بالدونية أمام أبناء الحارة التي نسكن ونعمل فيها ..لم يكونوا لطفاء معنا ولكنهم كانوا يفضلون التعامل معنا ربما لأن والدي كان يمثل لهم الشرف كما يفهونه.. كرجل غضوب مكفهر لا يعرف المزاح جاد في عمله نشيطا ومنتظما لا يعرف التلكؤ.. ينجز عمله بسرعة ثم يجمعنا تحت لوائه كالجنود المنضبطين ونخرج دون أن نحدث ازعاجا للنيام المكرمين..سنوات كثيرة مرت ونحن على هذا الحال ..
كبرنا مع استمرارنا على هذه الحال ولكن فشل أخي أحمد بالدراسه وتركه للمدرسه زاد مشكلة جديدة واحباطا كبيرا لوالدي وملامة تفوق الوصف لوالدتي.. ولم يغن والدي تفوقي وأخواتي في الدراسة عن فشل أحمد فكانت تظهر عليه باستمرار علامات العصبية وعدم الرضى ..
بقيت نظرة السكان لنا دونية في مجملها ،ولكن الوضع كان يختلف كثيرا في المنزل رقم 36... منزل السيدة أم خالد.. حيث تستقبلنا غالبا بملابس الصلاة المحتشمة ومسبحتها بيدها مرحبة مبتسمة تفتح لنا الباب ندخل وبعد دقائق تأتينا بطبق طعام يحوي البيض المقلي واللبن الرائب والجبن وغيره اضافة لأبريق شاي ساخن ووعاء ماء وأنواعا من الخبز الطري .. وفي أيام أخرى تضيف الى الوليمة صحن طبيخ يحوي بعض اللحم أو رائحته ولكنه على أي حال يختلف عما نأكل في منزلنا..تقدمها لنا ثم تختفي داخل البيت وما أن ننتهي ونخرج حتى أسمع مزلاج باب الحديقة ينسحب من الداخل .. في يوم حديقتها الأسبوعي يدب بي نشاط مذهل فأسارع لأنجاز العمل فيما يسبقها من حدائق للحصول على تلك الوجبة اللذيذة..
ويبدو أن أم خالد كانت تراقبنا من خلف زجاج نوافذها الداكن الذي يحجب الرؤيا عمن خارج البيت فلاحظت رغبتي الكبيرة لاسترضاء والدي والمشاركة في انجاز ما يوكل الى أخي محمود من مهمات فباتت لي مكانة ومعزة خاصة في نفسها ولا أنسى اليوم الذي لاحظتني بحذائي المهتري فقدمت الى والدي ورقة زرقاء ليشتري لي حذاء وانزعجت عندما عدنا في الأسبوع التالي وأنا بنفس الحذاء..
لم نصادف أحدا غيرها في البيت ولم نلاحظ أثرا لأي شخص آخر واعتقدتها مقطوعة من شجرة لا أهل ولا أولاد ولا زوج.. لكنني علمت فيما بعد أن لديها زوج يعمل في مكان بعيد ويضطر لترك بيته مبكرا والعودة اليه متأخرا ولهذا لم نصادفه ولمدة طويلة جدا عدة سنوات... كبرت وأصبحت في الصف السادس الأبتدائي ... وبت قريبا جدا لأم خالد ما وجدته مناسبا لمناداتها بلقب "خالتي"..
تستأذن والدي السماح لي بشراء بعض حاجياتها من البقالة القريبة قتترك لي ما يتبقى من فكة بعد أن تضغط على شفتها السفلى وكأنها تطلب مني عدم المجاهرة بذلك خشية استيلاء أبي عليها فيتوفر لي مصروف جيد للمدرسة طيلة الأسبوع لحين عودتنا الى حديقتها في الأسبوع الذي يلي.. وكنت أستمتع كثيرا بكرمها السري هذا وأحاول لفت نظرها الى أنني مستعد لتلبية طلباتها دائما..وعندما لا تحتاج بقالة تقوم بمناداتي بعد أن يخرج أبي واخوتي من باب الحديقة تطلب مني رفع هذه الورقة أو ذاك الغصن ثم تدس في يدي بعض صدقاتها وبت عن قصد أتأخر بالخروج بعدهم منتظرا اياها أن تحضر لتغلق الباب فتعرف قصدي ولا تخيبني أبدا.. كان والدي سعيدا بحب هذه السيدة الفاضلة لي و يشجعني على التفاني بخدمتها وتلبية طلباتها بأمانة وينبهني أن لا أستغل عطفها علي.. فأهز رأسي بعد أن أطمئن لوجود الذخيرة في جيبي..
اضافة الى الطعام والشاي كانت الخالة في مرات كثيرة تحملنا أكياسا من الملابس والأحذية المستعملة وأستغرب من أين تأتي بها وأنا لا ألاحظ في البيت غيرها.. كانت مشاعرها رقيقة الى أبعد الحدود فاذا ما سمعت أحدا يقع أرضا تسرع لنجدته والتأكد أنه بخير واذا ما جرح أحدنا تأتي بالميكروكروم واللفافات والمطهر واذا غاب أي منا تسأل عنه وعن أحواله.. وهكذا باتت تخصنا ونخصها بشكل رائع ... ولكن ومع الوقت بدأت تضيق ذرعا بصوت والدي وبدأت تتذمر من بعض تصرفاته وكأنها فطنت أخيرا الى ذلك مع أنه كان نفسه دون تغيير ولعلها كانت تنتظر تغيرا منه مع الوقت وعندما لم يفعل ظهرت عليها تلك العلامات.. أما بالنسبة لي فقد زادت في ثقتها ومحبتها وكرمها ..وافتقدتني في أحد الأيام وعندما علمت أنني في المستشفى أجري عملية استئصال الزائدة الدودية زارتني يوميا تحمل الملابس الجديدة والطعام الجيد ولما أراد والدي اخراجي من المستشفى لقلة ما في يده طلبت ابقائي الى أن أشفى تماما على نفقتها الخاصة.. كان لتلك الواقعة أثرا عظيما في نفسي..
قّسّم والدي علينا أعماله كل حسب قدرته فأخي الأكبر محمود لأنه كسول وضعيف في نظر والدي مسؤول عن جمع القمامة والأوراق المتساقطة وأنا أنكش الأرض وأجوّر حول الأشجار ومنصور يجلس الى جوار صنابير الماء يفتحها أو يغلقها حسب ألأوامر التي ترده بالأشارة من والدي الذي خص نفسه بتقليم الأشجار وتوزيعها وزراعتها وتسميدها وسقيها ..
أينعت حديقة الخالة بسبب عنايتنا الفائقة بها وكانت سعيدة جدا بذلك، لولا ما كان يصدر عن والدي من تصرفات فاضافة الى صوته المرتفع والعريض أخذ عليها كما يقولون وبات يزعجها ببعض الطلبات التي لم تكن لتجد لها مبررا.. فتارة يطلب منها سجادة وأخرى جهاز تلفزيون وثالثة كرسي ورابعة طباخ أحرج لسلوكه هذا وأخشى اظهار غضبي.. أما هي فتتعجب وتسأله من أين أحضر لك هذه الأشياء؟؟ وعندما زادت طلباته ورغبت في تجنبه اتفقت معنا أن تقوم بترك الباب شبه مفتوح، ندخله ونجد صينية الأكل وورقة مكتوبة بالمهمات التي تريد ها وفي نهاية الشهر نجد مظروفا وقد أودعت داخله أجرتنا .. بالنسبة لي استمرت الصدقات تتدفق فقد كان بيتنا في مكان غير بعيد عن بيت الخالة تجمعنا بعض الطرقات فأتعمد السير فيها أيام فراغي القليلة علّي أصادفها في طريقي أقدم لها خدماتي وأحصل على المقسوم وكثيرا ما كانت تتحقق الأمنيات فحالما تلمحني توقف سيارتها وتركبني الى جانبها ألتقط لها حاجياتها من البقالات والمطاعم حيث المواقف عسيرة في منطقتنا وترك السيارة في مكان غير مناسب يعرضها لمخالفة .. أشتري ما تريد ومن ثم أعود الى مكاني مزهوا أشعر بفخر كبير..
ولكن مفاجأة ليست على البال حدثت.. ففي يوم دخلنا الحديقة وتوجه كل منا الى واجبه على عادتنا وجلس أخي منصور الى جوار صنبور المياه فتحه فتدفق الماء غزيرا.. لحظات واذ بصوت رجل غاضب يخرج من داخل البيت يسألنا من نكون ويأمرنا باغلاق الماء فورا والخروج في الحال.. فزع أخي منصور فألقى ببريش الماء أرضا وهرب الى حيث يقف والدي وأمسك بساقه وهو يرتعد بينما ألقيت أنا بالفأس أرضا وألقى أخي محمود بكيس القمامه من يده وتوقف والدي عن العمل ووقف ينتظر.. ارتبكنا واحترت ما أفعل وأنا أشعر بمهانة كبيرة وقبل أن أعرف ما سيأتي توجهت خلف الدار وجلست تحت أحد الشبابيك وسمعت الخالة تتحدث بغضب وبصوت مرتفع:
- ماذا تفعل.. هذا المزارع وأولاده؟
- - هؤلاء لصوص جاؤو يسرقون بيتنا..
- - وهل سبق لك أن فقدت شيئا ..
- - هؤلاء يضحكون عليك ويأخذون فلوسك..
- هل تراني مضحكة للناس .. أم غبية مثلا!!
- - أطلبي منهم الخروج والاّ طردتهم في الحال..
- هذا الرجل المسكين يأتي بأبنائه لتنظيف وتزيين حديقتنا من تراه يفعل ذلك هل تعتقدني أفعله..
أليست مكانك المفضل الذي تجد فيه راحتك من يصلحونها وينظفونها لك.
- - ولو .. لا أريد أن أراهم ثانية فيها ..
- - اذا شمرت عن ساعديك وقمت بما يقومون به ساعتئذ سأفعل ما تريد أما الان
- فمن القسوة أن تتصرف مع الناس هكذا.. ومن غير اللائق أن تتطاول على الرجل أمام أبنائه..
-
بقينا في أماكننا لا نعرف ان كانت الأوامر ستصدر باستمرارنا في العمل أو التوقف.. بينما أخذ أخي منصور يبكي ويلح على أبي ترك المكان.. لحظات واذ بالخاله تخرج محرجة لتطلب من والدي بأدب جم أن ينهي عمله ويخرج بسرعة..خرجنا مطأطئي الرؤوس وكأننا ارتكبنا فعلا شنيعا عوقبنا عليه وبقينا صامتين الى أن وصلناالحديقة الثانية وقد كان منصور في حالة من الخوف الشديد من تكرار الموقف فهدأه والدي ومسح دموعه..
- للأسف ورغم المذلة التي لحقت بنا لم نتوقف عن العمل لدى الخاله ولكنها طلبت من والدي أن يؤخر موعده حتى لا نصادف الرجل (أبا خالد) ثانية.. ولكن الرجل وضعنا في دماغه كما يقولون وبات يتعمد اذلالنا وتوبيخنا. يتأخر عن عمله و يترصدنا وبتنا شغله الشاغل.. تحمّل والدي رزالاته لأنه أراد أن يعلمنا الصبر للحصول على لقمة العيش.. فقد نصادف مثله في يوم من الأيام كما غطى تعاطف الخالة الشديد معنا على سلوك الرجل..أما أنا فقد باتت زيارة احب المنازل الى قلبي كابوسا لا تصفه الكلمات وكنت أخشى أن يفلت زمام الأمور ويقوم والدي بما لا يحمد عقباه خصوصا عندما كان أبو خالد يصادفنا في الحديقة ويتجاهل وجودنا ويمر من أمامنا مكشر ومنزعج وكأننا حشرات.. في البداية كان والدي يبادره بالسلام فلا يرد وبعد ذلك بات يتجاهله تماما وكأنه لا يراه.. ما زاد حقده وغضبه علينا وكنت أستغرب كيف ولماذا تتحمل الخاله العيش معه .. " الله يعينها".
-
قررت أم خالد رفع المهانة عنا فشرحت الموقف لأبي وطلبت اليه أن يكتفي بارسالي وحدي شخصيا للعمل لديها مدعية أن كثرتنا تثير غضب زوجها ووعدته أن لا تنقص من أجرته شيئا وكانت عند وعدها.. في الواقع أنني ورغم حزني على أبي الاّ أنني سعدت للخبر حيث سأكون وحدي أصول وأجول دون أوامر ودون عصبية اضافة الى أنني وطنت نفسي على التعامل مع أبو خالد بشكل معقول فطالما أن الخالة ترغب بوجودي وطالما أنا أحب ذلك فان تصرفات الرجل لن تمنعني .. قد يظن البعض أنني أصبحت دنيئا ولكن الواقع أنني بالأضافة الى رغبتي بالعطايا كنت أشعر بالمسؤولية تجاه الخالة .. وكأنني رغبت تعويضها عن وحدتها ووجودها مع رجل كريه لا يحب ولا يحب..(بفتح الحاء).
توطدت علاقتي بالخالة وباتت تثق بي واذا ما احتاجت لحرفي كنجار أو كهربائي يدخل بيتها لتصليح آلة أو خزانة مثلا كانت تطلب مني الأتصال بالشخص المعني ومرافقته داخل البيت لشعورها بالأمان بوجودي..وهكذا كان..
عند دخولي البيت أشاهد صورا لأولاد معلقة على الجدران وصورة كبيرة لأبي خالد وحده وصورة أخرى للخالة وحدها أيضا كما كنت أجد الكثير من البراويز والثريات اضافة الى أطقم الكنب وغرف النوم الأربع المؤثثة بالكامل النظيفة والمغلقة.. لمن هذه يا ترى وأنا لا أرى أحدا سواها وسيء الذكر زوجها.. لا بد أنهم اولادها وقد كبروا وذهب كل لألتقاط رزقه في بلد ما.. كانوا ثلاثة ولدان وبنت جميعهم يضحكون في صورهم..
ترتيب ساحر، كل شيء في مكانه المناسب وكأنه صنع من أجل ذلك المكان ..الكنب والكراسي والطرابيزات والمكتبه وغير ذلك.. بيت اشبه بالمتحف..أجد راحة كبيرة وأنا أحدق النظر فيما أرى من تحف ومعلقات.. في احدى الغرف شاهدت مكتبة ضخمة استغربت عندما رأيتها فلم أعتد رؤية المكتبات في البيوت التي ندخلها.. في نفس الغرفة كان مكتب كبير وعليه أوراق..
والله الخاله محظوظة بالهالبيت.. ما شاء الله.. ليت لنا غرفتين منه.. ليت والدي يستطيع الحصول على نصفه ليت أمي تعيش في مثله ليت أخواتي ينمن على هذه الأسرة المريحة وليتهن من سكان هذا البيت لتوفرت لهن زيجات فخمة تماما.. أحيانا كنت أشعر بالحسد ولكن وجود الخاله في هذا البيت كان ينعشني.. فهو ليس لأنسانه غريبة عني.. هو بيت الخالة التي أحب وأحترم فمبروك عليها.
في تلك السنة حلّت علينا جدتي لأبي ضيفة قادمة لزيارتنا من البلد وبما أننا نعيش في قطر آخر استوجب بقاؤها عندنا مدة طويلة .. طويلة جدا بضعة شهور، كانت هذه الشهور كافية لأن تزيد من صمت أمي وحزنها الذي لم نكن نعرف له سببا.. كانت جدتي كثيرة التذمر لأننا مبذرين في نظرها ولأن أخواتي لا يكتفين بمراييل الأعوام السابقة مع أن بنات البلد لا يرتدين مراييل للمدرسة ولأن أحذيتهن غير ممزقة مع أن بنات البلد يذهبن حافيات الى المدرسة ولأننا نضع كتبنا في حقائب مدرسية شبه جديدة كان في معظمها تبرعات من أولاد الخير مع أن أولاد البلد المتفوقين لم تكن لديهم حقائب مطلقا.. كل هذا اضافة الى منظر والدي الذي كان يعود منهكا من عمله كان كافيا لتبرمها وغضبها وكثرة كلامها .. على ما أظن لم يكن ذلك يروق لأبي ولكنه لم يرد اسكاتها خشية غضبها عليه وخشية أن تعود الى البلد وتتحدث عنا أشياء لا تسر..
عندما كنا نتحلق حول المائدة كانت تتفنن بالقاء المواعظ علينا من حفظ النعمة وعدم أكل الخبز الطري والأكتفاء بخبز اليوم السابق حتى لا تضطر أمي لألقائه في القمامة مع أن هذا كان قليلا ما يحدث..كانت أمي تسمع وتصمت وكذلك أبي..
في أيام الأعياد خصوصا عيد الأضحى كان الناس يعهدون الى أبي ذبح أضحياتهم مقابل حصة له من تلك الأضحيات وقد مر علينا عيدين بوجودها فتغضب غضبا شديدا لأن والدي يبقي هذه اللحوم نتبغدد فيها فنتربرب ونسمن ولا نعود قادرين على العمل ومساعدته كما يفعل أولاد عمنا المحرومين والذين لا يحظون بهذا النعيم.. ثم أن بيعها سيدر على أبي مبلغا كبيرا من المال في نظرها .. وكان أبي"مسكين" في نظر والدته يتعب ويشقى ويعود مهدودا الى بيته في المساء لكوم البنات اللاتي لا نفع منهن ولعائلة ناكرة مع أنها كانت تراني وأخوتي نخرج لمساعدته باستمرار ولم يسبق أن عدنا قبل عودته مطلقا ولكن هي جدتي التي هرب معظم أبنائها من البلد بسبب تعاستها وميلها للنكد..
رغم أن الغرفة التي كنا نسكنها مقابل قيامنا برعاية مزروعات صاحب الفيلا صغيرة ودون مرافق تذكر ورغم أنه وعدنا بسكناها مجانا في البداية الاّ أنه وعندما لاحظ أننا نعمل جميعا بدا يطلب منا الأجرة فامتثل والدي لأمره مدة الى أن انتقلنا الى بيت آخر مكون من ثلاث غرف كانت في نظر جدتي كارثة فظيعة لأن هذا يعني أن والدي لن يوفر لكبره وسيستمر ببعزقة الفلوس يمنة ويسرة .. أما والدي فقد رغب باسكان أخواتي في منزل جيد كي يلفت نظر أولاد بلدنا اليهن مبكرا وليقولوا في البلد أننا كنا نعيش حياة طيبة وبمستوى لائق وهذا يعطيهن فرصا أفضل ..بعد ذلك الهم الذي أصاب جدتي لما رأتنا عليه من تبذير وعدم تقدير تعب والدنا والنعيم المفرط الذي نعيشه وأشياء كثيرة لم تعتد عليها ولم تجد أحد في البلد حتى العمدة يتمتع بها.. شعرت أنها لم تعد تستطيع رؤيتنا نستغل ولدها الى هذا الحد وأنه من الأفضل لها أن تعود الى بيتها كي لا ترى ولا تسمع.. يا الهي.. ورغم ذلك فقد ملأت خمس صناديق كبيرة والمصنوعة من الألومنيوم بالهدايا والبسط والحرامات والفرشات وادوات المطبخ وغيرها كانت جميعها من مال أبي ولم تشعر أن هذا كثير وأنها تبعزق تعب ولدها .. ولكن الله يسهل عليها.. مع السلامة والقلب داعي لها". على الأقل ارتحنا من التجريح والنق طول النهار ووجدت أمي فرصة لالتقاط الأنفاس.
مضت سنوات أربع وأموري تسير مع الخالة على أحسن وجه.. كبرت وترفعت الى صفوف أعلى طبعا وكنت حريصا على النجاح بعلامات لا بأس بها في نظري وان كانت منخفضة جدا في نظرها التي كانت ترى أنه من الأفضل أن أشد حيلي وأنجح كي أتخلص من هذه المهنة البسيطة ولماذا لا أصبح مهندسا زراعيا بدل مزارع بسيط بأجرة بسيطة وكنت أرد عليها " ان شاء الله"..
استمر تدفق الملابس الجديدة والحقائب الفاخرة وأبواط الرياضة الثمينة علي وكذلك المصروف السخي خصوصا اذا ما ذهبنا في رحلة مدرسية فقد كنت أتعمد ادعاء الصدفة واخبار الخالة بأمرها فتفهمني سريعا وتنقطني ما يجعلني أصرف بسعة وكأنني من أحسن الطلاب حالا.. كثيرا ما كنت أصل حديقة الخالة لأجدها قد أنجزت معظم العمل الخفيف كسقي المزروعات أو تقليم الأشجاروحتى كنس الأرض وتترك لي مهمة النكش والتجوير أو تغيير أماكن القواوير الثقيلة وفي رمضان تطلب مني المرور يوميا وعندما أحضر اليها وتراني قادما من المدرسة أحمل حقيبتي على كتفي صائما متعبا تناولني "سفرطاس" وهو عبارة عن عدة أوعية صغيرة فوق بعضها تثبت بحامل من الناحيتين تناولني اياه وقد ملأته بما لذ وطاب من أنواع الطعام التي كان أبو خالد يدلق مثلها في جوفه ..كانت تعد الطعام باكرا ليتسنى لي أخذ حصتي.. أحيانا تضعه قرب باب الحديقة وقد فتحته فتحة صغيرة للغاية.. في اليوم التالي وقبل ذهابي الى المدرسة أعيد السفرطاس بوضعه في نفس المكان الذي كنت تناولته منه.. وفي نهاية رمضان حيث يكون الدوام قصيرا وفي آخر عشرة أيام تصحبني الى احدى المناطق الفقيرة بعد أن تكون قد ملأت أكياسا فيها مواد تموينية .. تشير لي الى المنزل المعني فأحمل احد الأكياس وأتوجه الى الباب أضع الكيس أمامه ثم أخبّط عليه وحالما أسمع صوتا أترك الكيس وأعود اليها في سيارتها لننتقل الى باب آخر وهكذا ..ولم تكن تنسى حصتنا من هذه الأكياس ولكن بكمية مضاعفة أنوء بحملها.. أخبرتني الخاله في أحد الأيام أن والدها عندما سافر الى فنزويلا قبل أكثر من سبعين عاما عمل عتّالا في الميناء..دهشت عندما سمعت ذلك .. فكيف تصبح بنت العتال على هذا الحال من اليسر ولكنها أجابتني دون أن تسمع سؤالي .. أن الآباء دائما مكافحين يعملون جهدهم ليحيى أولادهم حياة كريمة.. أضافت أن والدها عمل سنين طويلة بهذه المهنة وعندما زار البلاد قام بتعبئة مجموعة كبيرة من القناني الصغيرة من مياه نهر الأردن المقدسة وقام ببيعها هناك .. لأن الناس في تلك البلاد مؤمنين أكثر والحصول على أي شيء من أوطاننا المقدسة في نظرهم يشكل لهم ذخرا وحرزا من كل شر وعندما انتهى من بيع القناني جمع مبلغا من المال فاشترى بعض البضاعة وأخذ يدور على المنازل ويبيعها أي أنه ترقى الى بائع شنطة..بعد ذلك بعامين استأجر دكانا صغيرا ملأه بالبضاعة بعد أن أثبت أمانته في مرحلة بيع الشنطة ووثق به التجار وهكذا تطور به الحال حتى أصبح أحد أحسن التجار في بلدته.. تضيف الخالة " أنه من يعلم يا أحمد ربما تصبح أنت مثله يوما ما.. واذا ما حصل لا أريدك أن تنسى الفقراء مما يعطيك الله .. اياك يا أحمد.."..كانت تتكلم وكأنها تعلم شيئا تخفيه عني ..عندما كنت أستمع كلامها أتشكك فيه فهل يعقل أن ابنة عتال تصبح بمثل هذا المستوى من الأخلاق والطيبة.. ولكن لم لا ها هي أمامي .. فأهمس في نفسي .." والله، والدك كان عتالا !!! والله والدي أحسن حالا منه.. فعلى الأقل هو مزارع.. أو شبه مزارع وليس عتالا..آه يا بنت العتال ما أطيبك وما أكبر قلبك".
رغم قربي منها ورغم طول المدة التي عملت فيها لديها لم تكن لتدخلني كثيرا في أمورها الخاصة أوالعائلية لدرجة أنني لم أعلم عن ظروف حياتها الاّ ما كانت تحدثني به في ساعات صفاء كانت تحب أن تعطيني من المعلومات ما يلزم فقط ربما لأنها كانت تشعر أنني صغير ولا حاجة لي بمعرفة الكثير وعندما كنت أتطاول بالحديث ولو بهمسة عن أمر لا يعجبها تتجاهل حديثي تماما وترد بكلمات مقتضبة " الله بهونها"..
الله يهونها علينا جميعا.. وهذا ما حصل مع والدي الذي ذاع صيته ووصلت سمعته آفاقا بعيدة وأصبح مشهورا ومعروفا وبات معظم الناس في حينا والأحياء المجاورة بل بعض سكان المدن البعيدة يستعينون به ويستشيرونه وأصبحنا أعز أصدقاء البيئة واكتست المنطقة جلها باللون الأخضر وتشجع السكان بزيادة مزروعاتهم طالما هناك من يعتني بها ويوفر لهم حدائق جميلة وقعدات رائعة..وكنت أحيانا أغضب وأنا أجد والدي يبالغ بأسعار المزروعات أو الأشتال التي تطلب منه ولكنه كان يبرر ذلك بنقلها وزراعتها من جديد وأشياء أخرى لم تقنعني...
في يوم افتقدت الخالة كثيرا عندما مررت من أمام منزلها ولم أجدها قرعت جرس الباب فلم ترد ،عدت بعد ساعة أو ساعتين ولا من مجيب نظرت داخل الكراج فوجدت السيارة في داخله استغربت ولكن مسعود حارس البناية المقابلة أخبرني أنه شاهدها تخرج باكرا مع زوجها يحملون حقائب سفر كثيرة وأخبرني أنه يظن أنها سافرت وعندما سألت عن أبو خالد قال لي هو على عادته يخرج صباحا ويعود بعد صلاة المغرب..
احترت في أمري فكيف أوضب الحديقة وكيف أسقي المزروعات واعتقدت أنه من الواجب أن أزور أبو خالد وأعرض عليه عملي ومساعدتي ان لزم الأمر.. ومن أجل الخالة كل شيء يهون..
في المساء وقفت أنتظر قدومه.. وما أن عبرت سيارته الكراج حتى هرولت اليه وفتحت له بابها محاولا السلام عليه ولكنه سأل مسغربا :
مين:
أنا يا عمي
من أنت
أنا .. أنا
وقبل أن أنطق اسمي قال :
خير ان شاء الله ماذا تريد
أريد أن أسقي الحديقة
الحديقة لا تحتاج سقي وأنا ما طلبت منك ذلك
صحيح ولكنني كنت أسقيها للخالة دائما
مين.. مين.. هيّ أم خالد صار اسمها " الخالة"
صمت ونظرت الى الأرض .. فاستغليت ابتعاده عن المدخل فدلفت الى الحديقة وقلت له :
لن أزعجك يا عمي .. سأسقي المزروعات وأكنس الأرض وأخرج
معك خمس دقائق لتقوم بمهمتك..
حاضر .. حاضر..
بسرعة البرق أنجزت عملي وقبل أن أخرج نقرت على الباب نقرتين فوجدته متأهبا يجلس قربه على كرسي في زاويه وسألته اذا كان يريد مني أي خدمه فجحدني ثم قال" روح انصرف" فقفلت راجعا .. طبعا لم أتوقع أن يعطيني أجري.. فأجري في نظره .."على الله.." ولكن هذا غير مهم طالما أن الخالة عندما تعود ستجد الحديقة كما تركتها..
في يوم آخر عندما عاد ولمحني وسمع طرق الباب لم يفتح .. ومرة ثانية وثالثة فكنت أستغل وصوله وألقي عليه تحية سريعة وأدلف سريعا الى الحديقة وأقوم بما يلزم وأعود من حيث أتيت..ويأبى الرجل الاّ أن يكون مقيتا ففي يوم وبينما أقوم بعملي جاء وأمسك بيدي بقوة وقال " أنا مش رايح أخلص منك .. ما بدي أشوفك هون أبدا...".
ولكنني كنت قد عملت احتياطي فأنا ملتزم بحديقة الخالة ولا يمكن أن أتراجع..كنت أتوقع ما صدر منه عملت حسابي لهذا اليوم اذ غافلت أبو خالد وسحبت مفتاح باب الحديقة من مكانه وألقيت به الى زميل لي فأسرع الى محل بيع مواد البناء وعمل لي نسخة من المفتاح وأعاده بسرعة البرق.. فأخذت النسخة وأعدت المفتاح الى مكانه ولم يشعر أبو خالد بالخديعة
" أين ستذهب مني يا أبا خالد.. وراك وراك".
هكذا بات بامكاني الدخول بسهولة ولكنني كنت أخاف كثيرا أن يتهمني بالسرقة أو التعدي أوأي تهمة باطلة ولهذا كنت أكتفي بسقي المزروعات في يوم ونكش الأرض في يوم وجمع القمامة في ثالث أي أقوم بعمل بسيط في كل مرة والخروج سريعا و بت خبيرا بأوقات تغيبه ..
ثلاثة أشهر مضت حلمت أن الخالة عادت وأنها تناديني .. فأسرعت في الصباح الباكر لأجد حلمي قد تحقق.. لقد عادت الخالة.. ومن المؤكد أنها كانت سعيدة بعد أن رأت حديقتها جيدة.. وبالتأكيد أنها شعرت بالأمتنان لي..
عادت الى سابق عهدها بترك الباب مفتوحا وعدت أنا أيضا الى عملي .. ولكنها لم تظهر واعتقدت أن لديها أسبابها..وبينما أنكش وأسقي المزروعات لاحظت أحد القواوير الصغيره قد انزاح من مكانه فأمسكت به أريد اعادته واذ بمظروف ثقيل تحته ومكتوب عليه اسمي " أحمد".. أمسكت المظروف ورججته فاذ به شيء أمسكت به ودسسته في قميصي وأنهيت عملي وخرجت بسرعة.. مشيت بضع خطوات الى أن تواريت عن دار الخالة.. لم أرد أن تراني متلهفا لمعرفة ما في داخله.. بعد ذلك وقفت وفتحته ..
يا الهي ساعة جميلة ومائة دولار..
يا الهي ما هذا..
كل هذا المال لي انا..
مائة دولار مرة واحدة ما شاء الله..
لم أصدق فاعتقدت أنها تريد مني القيام بشيء ما أو شراء شيء ما..عدت أدراجي وكنت أرغب بشكرها مهما كان فطرقت الباب ووقفت بأدب فخرجت .. نظرت الي وابتسمت ابتسامتها الطيبة وقبل أن أنطق بكلمة واحدة بادرتني القول " شكرا.. شكرا حال الحديقة طيب.. كنت واثقة أنك ستعتني بها.." أردت أن أتكلم ولكنها أوقفتني وقالت " توكل على الله.. الله معك..". أخبرتني أن لا أعود اليها الاّ حين تتصل وتطلبني .. صحيح أن هذا لم يكن ما أريد ولكن لا بد أن لديها عذرها...كما اتفقت معها على اشارة فعندما أعبر من امام منزلها وأجد باب الحديقة مواربا أفتحه وأنظر في زاويته حيث تكون قد أودعت لي اما قائمة طلبات وأما بعض العطايا وكنت أتعمد المرور يوميا من نفس الشارع ..
كيف لا أتفانى بخدمتها وكيف لا أخدمها بكل ما أستطيع.." آه ليت أبو خالد يذهب في ستين داهية.. لماذا لا يتركها لي... فأنا قادر على خدمتها وجعلها سعيدة.."
ذهبت الى خالي الذي كان يعمل في أحد المطاعم القريبة فرافقني الى البنك ووضعت المائة دولار في حساب توفير خاص بي وكانت تلك أول لبنة في فهمي للتوفير.. أما أبو خالد فيبدو أنه استسلم لأصرار الخالة على استخدامي فلم أجد منه بعد ذلك ما يزعجني وحتى أنني لم أره في تلك الفترة مطلقا.
استطاع توفير مبلغا كبيرا من المال وأخذ ينفق علينا من سعة .. ولكنه بات يشعر بتوعك بين الحين والآخر ولم تكن عادته الشكوى.. وبدأ يتردد على الأطباء ويشتري الأدوية ويقوم بعمل صور أشعة ويغيب مع والدتي فترات طويلة عن البيت.. وقلقنا كثيرا .. وكان ابن عمي يسكن قريبا منا فاقترح على الوالد أن يذهب الى البلد في اجازة ليرتاح قليلا ويروح عن نفسه وطمأنه علينا حال غيابه وأن لا يكون له فكر في أي شيء. سوى راحته. أعجبت الفكرة والدتي فأصرت على والدي بأخذ النصيحة واشترت بعض الملابس الجديدة والهدايا وسافرا وبقينا برعاية ابن عمنا في المنزل وكان عند كلامه.. واستمر برنامج عملنا مع زبائننا كالمعتاد...
تواصل والدي معنا باستمرار يطمئن علينا ويزودنا بنصائحه ويستفسر عن أحوالنا وبدأت نبرة صوته تتحسن يوما بعد يوم لدرجة أنه بدى سعيدا مرتاحا هادئا ويمازحنا أحيانا..كانت أخواتي مثالا للبنات المؤدبات الطيعات المحترمات فأخذن يقمن بأعمال المنزل دون تذمر غسل الملابس.. الطهي تنظيف البيت والذهاب الى مدارسهن كما حفظن غيبة والدينا لدرجة أثارت اعجاب الجيران الذين لم يقصروا بالسؤال عنا أيضا..
بعد شهرين عاد الوالدين وكانت لديهم أخبارا سارة جدا.. لقد اشترى والدي قطعة أرض في مكان مناسب وأنه ينوي بناء بيت عليها... وأن علينا العمل بجد حتى نحقق هذا الحلم.. كانت العودة الى البلد أمر غير مطروح في نظري في ذلك الوقت على الأقل..فهنا ولدت وهنا كبرت وهنا عملت وهنا الخالة أيضا فهل يعقل أن أترك كل ذلك وأرحل.
عاودت والدي الآلام ولكنها مصحوبة بنوبات من الأستفراغ ما زاد خوف والدتي كثيرا خصوصا بعد أن لاحظت بعض الدم فيما يخرج من جوفه فاستشارا طبيبا جديدا، فأوصى بضرورة القيام باجراء عملية عاجلة لأعتقاده بوجود قرحة في معدته وأن معالجتها بات ضروريا ..دخل أبي المستشفى ومكث أسابيع طويلة ولكن والحمد لله أنه خرج سليما معافا وعلى أحسن حال... طلبنا منه جميعا أخذ اجازة كافية فوافق كما توقف عن التدخين تماما وبات الحمل في معظمه علي خصوصا بعد أن اكتشف أخي محمود أنه لا يحب الزراعة وأنه يرغب بأعمال البناء وتركنا الى أقرب ورشة في الحي.. ولكن أخي منصور أثبت جدارته بعد أن كبر هو الآخر وشاركني المسؤولية بهمة كبيرة. ثم أن فكرة رائعة خطرت على بال أبي تخفف من ركضه وتنقله بين البيوت على دراجته الهوائية فقام بانشاء مشتل صغير في قطعة أرض مهجورة قريبة من الحي أمّنت للسكان نباتات الزينة والأشتال المختلفة والأسمدة والبذور في مكان قريب سهل الوصول اليه والواقع أنها كانت فكرة رائدة لحاجة الحي لمثل هذا المرفق المطلوب وشاركته أمي العمل فكان يقضي معظم وقته جالسا على كرسي أمام المشتل يتسلم طلبات الزبائن فيما أمي وأي منا يوصل البضاعة وبات عملنا مترابطا نتزود بالنباتات من مشتل الوالد ونزرعها انا وأخي منصور في بيوت الأهالي، فربحت تجارتنا وحافظنا على عملنا واستمريت أنا في مدرستي ولكنني خففت من ترددي على منزل الخالة أولا لأنها طلبت مني ذلك وثانيا لحاجة والدي الملحة لوقوفي الى جانبه..
امتلأ المشتل بأنواع كثيرة من الزهور والورود والأشجار المثمرة وغيرها وأكياس السماد والتقاوي وتوسع مشروعنا وبتنا في خير كثير من الله تعالى.. تخرجت أختي الكبرى من ثانوية التمريض وتخرجت الثانية من مدرسة التجميل وأما الثالثة فقد كانت تهوى أعمال الخزف والأعمال اليدوية لقد وجهنا والدي لدراسة ما هو مطلوب في السوق وبات التفكير بتزويج البنات شغلا جديدا للوالدين ولأن والدنا كان يحب بناته كثيرا فقد رفض ارتباطهن بشبان من غير أهل بلدنا خصوصا وأن فكرة العودة بدأت تلحّ عليه ولم يشأ ترك البنات وراءه..
بعد عامين اثنين كان والدي قد جمع مبلغا كبيرا من المال جعله يفكر بالبدء بالبناء في الأرض التي اشتراها وخطرت له فكرة بناء مخازن فوقها ثلاث شقق واحدة للعائلة وأخرى لأخي محمود والثالثة لي شخصيا ولكنني في حينها اعترضت وأخبرت والدي أنني لن أترك البلد الذي عشت وترعرت فيه وأنني سأبقى فيها مهما كان.. الواقع أنني بت مرتبطا أكثر بالخالة خصوصا بعد أن وعدتني باتمام دراستي في المعهد الزراعي واذا ما وفقني الله وحصلت على مجموع جيد ربما ترسلني الى الجامعة.. يا الهي الجامعة التي نسمع بها ولا نحلم فيها أبدا..
ولكن والدي حزم أمره وعاد في رحلة ثانية الى البلد وغاب طويلا تاركا أمي تسيّراعمال المشتل بنجاح باهر.. عاد بعد فترة وهو سعيد للغاية فقد بدأ البناء وأنجز قسم كبير منه بل أن شقة لسكنانا باتت جاهزة .. لم أتصور أن بامكان أبي أن يكون سعيدا أو يشعر بالسعادة ولكنه أثبت أنه من البشر الذين يتمنونها وقد جاء وقتها...
لم أصدق أن خطة أبي العودة الى الوطن ستوضع موضع التنفيذ الاّ عندما حضر ابن عمي ومعه رجل آخر لم أره من قبل ، عرّفه على والدي وأخبره عن رغبته شراء المشتل.. كنت في ذلك الحين في الصف العاشر أي قبل التوجيهيه بعامين اثنين فقط.. أمعقول هذا .. بهذه السهولة نترك كل شيء ونرحل أي عقل يصدق هذا الكلام..تحدثت الى أبي ورجوته أن يتمهل أو أن يترك لنا بعض الوقت للتفكير.. أو أن يتركني أنا فقد كنت شابا نشيطا ولن تضيق الدنيا في وجهي وسأعرف كيف أتدبر أموري .. ولكنه قال لي بصرامة " راجعين.. يعني راجعين.. ولكن ليس الان لأننا يجب أن ننتهي من البناء أولا وسيتطلب هذا بضعة أشهر اضافية..". يعني بضعة أشهر ستنقضي سريعا ومن ثم نغادر.. وبالفعل انقضت هذة الشهور وبدأنا نتجهز للسفر وجاء يوم لنحزم أمتعتنا .. من الغريب أنني لم أقو على اخبار الخالة بالأمر بل أنني استمريت بتلبية طلباتها كما تريد .. وحتى عندما لاحظت علامات الحزن على وجهي وأخذت تعدني بتكملة دراستي لم أخبرها بل ادعيت سببا آخر لحزني..في تلك الفترة قويت علاقتي بها وبدأت تسرّ الي ببعض أسرارها فلديها عائلة أخوة وأخوات في فنزويلا و البرازيل.. وكنت أستغرب هذه الأسماء فلماذا يذهب الأنسان الى تلك البلاد البعيدة الغير مألوف لأمثالي السماع بها.. ولكنها أخبرتني أن والدها بقي هناك سنوات طويلة وكانت أكثر وضوحا عندما أخبرتني ان والدة هؤلاء الأخوة ليست عربية بل من بنات تلك البلاد ولهذا لم يفكروا بالأنتقال الى بلدها وعندما سألتها ان كان لها أخوة آخرون عربا أجابت بالنفي فقد تزوج والدها من والدتها بعد أن عاد وكان شيخا كبيرا ولم ينجب سواها تنهدت ثم أضافت أنها تنوي السفر في يوم من الأيام للقاء أشقائها الذين لا تعرفهم سوى من الصور وبعض الرسائل.. فرددت " ان شاء الله.."... وددت لو أسألها بعض الأسئلة عن أبي خالد ولكنني تراجعت.. كما أخبرتني أنها لم تنجب أطفالا وأنني عندها بمثابة الأبن وقد سرني هذا التصريح كثيرا ووعدتني ان أنا بقيت على أمانتي واخلاصي لها فسينالني الكثير ورددت أيضا وقلبي يرقص فرحا ب " ان شاء الله سأبقى عند حسن ظنك..". وفي يوم آخر أخبرتني أن البيت ملكها هي وأنها ورثته عن والدها ، وكم وددت أن أقول لها لماذا تترك أبو خالد يتحكم بها اذن؟ ولماذا تسمح له أن يعكنن عيشها؟ ولكني تراجعت كعادتي.. وكم كنت أتمنى لو أجرؤ على لطمه بهذه الحقيقة التي عرفتها منها وأن أقول له .." احترم نفسك البيت مش بيتك.." يا ويلاه لو فعلت ذلك فلربما كان آخر يوم في حياتي..كان للخالة مجتمعها الخاص بها،مجموعة من السيدات يزرنها بين الحين والآخر ربما مرة كل شهر وكنت أعرف بمجيئهن عندما تضع لي قائمة بشراء بعض الأغراض كالمكسرات والحلويات وأنواع معينة من الفاكهة وبعض المعجنات أيضا، وقد لمحت بعضهن كن سبعة أو ثماني نساء في مثل سنها أو أكبر قليلا أو أصغر قليلا يمكثن ساعتين في معظم الأحيان ثم تستقل كل منهن سيارتها وتعود من حيث أتت، وكان يتبع هذه المناسبة الخير الكثير على أسرتي ففي اليوم التالي تضع أم خالد كل ما تبقى من ضيافتها في أكياس تركنها قرب باب الحديقة من الداخل وتترك الباب غير مغلق أي مردود وعند عودتي من المدرسة أفتحه وأتناول الأكياس وأعود الى بيتنا سعيدا بحمولتي اللذيذة... لم تكن الخالة تشعر بالفراغ كما أحسست فهي في حركة دائمة أحس بها ولا أعرف كنهها وفي المساء تجلس الى طاولة تحت احدى الشجيرات بقرب أحد المصابيح وبيدها كتاب تقرأ وتقرأ في حيت يبقى ابو خالد جالسا أمام التلفزيون ويشاهد أخباره التي تزيده هما ونكدا.. تمنيت لو أنها تعيش وحدها وقد أقنعت نفسي ربما لو كان الحال كذلك لوافقت على الحاقي بها ولكنني كنت أحلم وبوجود أبو خالد كان الأمر مستحيلا.. ولكنني كثيرا ما كنت أحلم بتحقق ذلك ولو أقمت في الغرفة الصغيرة في زاوية الحديقة.. ألا يسكن الكثير من الخدم والحراس في مثل هذه الغرف .. فلم العجب اذن .. لماذا لا تتسهل الأمور .. يا ربي ارحمني وأغثني يا رب.. لا أريد السفر .. لا اريد ترك اللد ولا أريد ترك الخالة.. ما العمل.. لقد تسربت الأيام ولم يبق الكثير منها .. ماذا أفعل.
وصلنا خبر انتهاء البناء كما وصلنا نبأ أفرح والدي كثيرا مفاده أن ابن عمي وابن عمتي ينتظران وصول أخواتي، كانا شابين متعلمين كما أخبرنا والدي الذي كان يطمع أيضا بتزويج أختي الثالثة من ابن أخيه الثاني..أما الرابعة فلا شك ستجد من يناسبها في الوقت المناسب.
وجاء يوم السفر ...بعنا معظم ما لدينا من عفش واشترينا ملابس جديدة وكذلك أغطية وحرامات وبعض الفرش والأدوات المنزلية أي أشياء تشبه ما أخذته جدتي معها عندما حضرت في اجازتها المعهودة.. وركبنا السيارة الميني باص التي استأجرها والدي لنقلنا الى الميناء الوحيد في البلد وصلنا بعد أربع ساعات فأنزلنا عفشنا وذهبت وأخي منصور ووالدي لوزنه وشراء التذاكر فيما جلست والدتي ومحمود وأخواتي في أحد المطاعم .. بعد أن انتهينا من شراء التذاكر سحبنا عفشنا ووضعناه في الدور وجلست أنا فوقه فيما توجه أبي الى حيث تجلس النساء مع محمود.. ساعتين وبدأت حركة تنذر بقرب مغادرة العبارة... وبعكس جميع أفراد العائلة كنت حزينا مقهورا متألما بل محبطا تماما.. واعتقد والدي ووالدتي أنني ربما كنت غارقا في قصة عاطفية فأخذت أمي تواسيني وتطلب مني التصبر لأنني ما زلت في بداية العمر وأنني سأجد من هي أحسن منها.. أيــــه ليتها تعلم ما بي ... بعد ذلك حضر أخي محمود وطلب مني التوجه الى حيث العائلة لتناول بعض الطعام.. كنت جائعا جدا ولكني شعرت بعدم الرغبة بالأكل خصوصا بعد أن تذكرت أطباق الخالة الشهية.
جاء دورنا، فتوجهنا الى العبارة وركبناها .. وجلسنا في مقصورة خاصة بنا فنمت بعمق ولم أفق الاّ عندما هزني والدي ليخبرني أننا وصلنا..في الميناء كان بانتظارنا العرسان وقد أحضرا مركبة جميلة وأنيقة والكثير من أفراد العائلة من رجال ونساء للترحيب بنا .. عم الفرح وجوههم بوصولنا سالمين غانمين فسلمنا على الجميع فردا فردا ومن ثم ركبت امي والبنات في المركبة الكبيرة وانشغلت ووالدي وأولاد عمي بتخليص عفشنا من الجمرك وغير ذلك من الأجراءات.. وبعد أن انتهينا لحقنا بهن بسيارة أخرى وتوجهنا الى المنزل الجديد حيث كان آخرون بانتظارنا.. أقاربنا الذين لا نعرفهم ولم نلتقيهم قبلا...لأن غربتنا طالت كما سمعنا من البعض..
كان في انتظارنا أيضا جدتي وزوجات أعمامي اللاتي بقين في البيت يجهزن المائدة الكبيرة والطعام الكثير.. أول مرة ألتقي أفراد عائلتي وأول مرة أشعر أن لدي هذه العائلة وأول مرة أشعر أننا أسرة متحابة متكاتفة متعاونه ومرحة أيضا حيث كانت القفشات والنكات تجري على ألسنتهم جريان الماء البارد في صيف لاهب.. ولكن جدتي أسرّت لوالدي أن ينتبه.." بأن من حضر من أقاربه لم يأت لله..بل لأنه طمعان.."
كانت سعادة أمي وأبي وأخوتي بالبيت عظيمة والواقع أنه كان أجمل بيت في المنطقة لأنه من مال حلال ومن تعب وجهد وعرق والدي.. والدي فقط كما ترى جدتي... عبارة عن طابقين الأسفل مكون من ثلاث محلات كبيرة والطابق الأعلى من ثلاث شقق واحدة كبيرة للعائلة وشقتين أخريين أصغر، واحدة لي وأخرى لأخي محمود الذي أخبره والدي أنه سيزوجه قريبا.. وأمّا ما أبدع والدي بترتيبه فهو شراء وشحن العفش الجميل وأدوات الكهرباء الجديدة والستائر الأنيقة وقطع السجاد أيضا التي كان قد اشتراها سرا قبل أن نغادر وتركها لنا كمفاجأة لحين وصولنا.. وكانت بالفعل مفاجأة سارة .. أكل الجميع وسهرنا وطال حديث والدي عن خططه لنفسه ولأبنائه وعن سعادته لرؤية الجميع ولكنه لم يلعن الغربة كما يفعل كثيرون بل أثنى عليها وعلى سنواتها الطويلة فلولاها لما تسنى له فعل ما فعل وانجاز ما أنجز كما لم ينس تعاون المواطنين وثقتهم به في ذلك البلد فذكرهم بالخير وأردت أن أتذكر أبو خالد وأفعاله المشينة ولكنني وجدت أن أبقي على تفاؤل والدي.. بعد الأكل وشرب الشاي الأسود والذي ينقط عسلا لكثرة ما أضيف اليه من السكر تنحنح عمي وعدّل جلسته وبدأ كلامه الذي كان والدي في شوق لسماعه فتقدم لخطبة أخواتي الثلاث اثنتان لولديه والثالثة لأبن عمتي وبما أنه الأخ الأكبر فله الكلمة الفصل كما يمون على الجميع فقد أراد ضرب الحديدة وهي حامية.. فوافق والدي على الفور .. فانطلقت الزغاريد وقام العرسان من أماكنهم وقبلوا رأس ويد عمي وكذلك فعلوا مع والدي وقرأوا الفاتحة وهكذا في أول يوم .. بعد شهر واحد تم زفاف العرسان الثلاثة توفيرا للمال والوقت وكذلك الجهد وأضيف بهذا ثلاث أفراد جدد لعائلتنا بدل أن تنتقل أخواتي الى بيوت عرسانهن كان الستة يقضون معظم أوقاتهم في بيتنا وكان هذا يسعد أمي وأبي كثيرا..أما أنا فقد وجدت أنهم أضافوا ضوضاء ودوشة كبيرة ونفقات اضافية على كاهل والدي..
بعد أن فرغ أبي من أمور بناته قام بتجهيز أحد المحلات كمطعم للفول والطعمية وأوكل الى زوج أختي الكبرى العمل فيه فيما جهز المحل الثاني ليصبح دكانا كبيرا بعض الشيء يديره بنفسه مع زوج أختي الوسطى أما المحل الثالث فقد تركه لأخي محمود ليملآه بمواد البناء يساعده في ذلك زوج أختي الصغرى.. طبعا كانت المحلات لنا وكان الجميع أجراء عند والدي ...
بما أن والدي اختار العطلة الصيفية لخطته كأي أب حريص على أن لا يفوت أبناءه شيْ من الدراسة فقد تم تسجيلنا في معاهد تقدم دروس تقوية حتى نتأقلم مع المناهج الجديدة .. وبدأت ومنصور وأختي الأكبر مني نذهب الى تلك المعاهد.. كان والدي يتمنى تعليمي لأصبح موظفا في الحكومةأو دخولي كلية الشرطة ولكنني كنت أضمر شيئا مختلفا..أنهيت دراستي ثم دخلت معهد الزراعة لمدة عامين وأكملت خدمة الجيش... كنت أقفز عن أيامي وسنين عمري أبدو كالغريب بين الجمع والعائلة لدرجة أنه لم يعلق في ذهني الكثير من الذكريات خلال تلك الفترة وكأنني كنت خارج الزمن... كانت الكتب والقراءة سلوتي وقد قرأت من الكتب ما سيسر خاطرها لو عرفت ذلك " اسمع يا أحمد هل سمعت قول المتنبي : وخير جليس في الأنام كتاب.. كلما أحسست بالضيق أو الوحشة اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ "ولا تعير الموضوع الذي تقرأه اهتماما فان أي كلمة مكتوبة ستستفيد منها عبرة.." هذا القول ترسخ في ذهني فساعدني في غربتي عنها كثيرا..رغم ذهابي الى المدرسة والمعهد والجيش ورغم كثرة أفراد العائلة من حولي الاّ أن الخالة كانت مزروعة في داخلي وحدها التي كنت أتمنى البقاء معها وكنت أحيانا أستغرب من نفسي .. هل أحب تلك المرأة ولماذا والصبايا في عائلتي يتمنين ودي ويحاولن كثيرا معي .. ولكنني اكتشفت أن الأنسان قد يرتبط بآخر اذا ما وجد لديه الحب والمقدرة على العطاء والمثالية ثم أن ارتباط الناس ببعض نوع آخر من الحب ولكنه أسمى حب..وكيف لا يحب واحد مثلي امرأة مثلها.. ولماذا لا يحبها .. وهل وقف الحب عند حدود العاطفة والزواج ألا أنواع أخرى من هذا الحب.. نعم أحب الخالة ولكنه حب أعظم من كل الحب..
كان والدي يعتقد أنني نسيت تلك البلاد وتأقلمت في بلدنا ولكن لو نطقت الأيام لتكلمت عكس ما يظن فقد كان تفكيري بالخالة دائم وكان همي الأكبر أن أنتهي من كل شيء وأعود اليها أقبّل يدها هذه المرة وأطلب منها أن تسامحني.. وكثيرا ما خطر على بالي أن أتصل بها ولكنني في الواقع لم أتجرأ ولم أجد الشجاعة في نفسي لأقول لها انني سافرت دون وداع فلم تكن تستحق مني ذلك.. ولكن عذري أن الأولاد في مثل سني حين غادرتها لا يملكون من النضج الكافي ييسر لهم التفكير في الأفضل.. كما أنهم يستمرون تحت وصاية الآباء ما يمنعهم من التصرف بحرية..
أما الآن فقد كبرت وبات لدي ما أقوله وما أحبه وما أريد فعله ..حصلت على اذن السفر وعدت الى أبي في دكانه ووقفت أمامه بكل شجاعة وقلت له " أبي لقد فعلت كل ما تريد مني عدت الى الوطن ودرست وأكملت خدمة العلم وها انا أمامك شاب عاقل ومتزن .. وقد رافقتك طول عمري وتعلمت منك كيف تكون الحياة وكيف يكون النجاح.. وقد حزمت امري للعودة وها هو تصريح السفر .." نظر الي نظرة ذات معنى ورد علي قائلا" كنت أعلم أن هذا اليوم آت لا ريب .. وها انت يا ولدي كما تقول شاب عاقل ومتزن ولديك شهادات .. فتوكل على الله .. وافعل ما تريد.. أمسكت برأسه أقبله وأطلب منه أن يدعو لي بالتوفيق فرفع يديه الى السماء وفعل..مد يده الى جيبه وأخرج كبشة من النقود وضعها في يدي ومشى معي الى البيت يريد أن يطلع أمي على الخبر بنفسه ليضمن ردة فعلها ويهدئها..
نسيت أن أذكر لكم أنني لم ألحظ أقارب لأمي يزورونا وعندما سألت أخبرت بأن أحد أشقائها أصيب بطلق ناري من أحد أولاد أعمامي ومات بعد شهر من تلك الحادثة وأن أهلها قاطعوا عائلتنا تماما منذ تلك الحادثة التي وقعت قبيل زواج أبي بها وأنها رفضت تركه والعودة الى أسرتها ما أغضبهم منها فقاطعوها ولم يسألوا بها والواقع أن أبي قدّر لها ذلك فأعزها واحترمها ودافع عنها دائما.. فكانت رفيقته التي يضع حياته ومستقبله ومستقبل أبنائه بين يديها.. ومن المؤسف أنني لم أحاول البحث في الأمر ولم أحاول لقاء أي من أخوالي وأخذت المسألة والحكاية كما هي.. وهذا فسر لي سبب حزن أمي وصمتها شبه المطبق..
طرت فرحا وأنا أشعر أن أبي راض عني وموافق على سفري فأحضرت حقيبة صغيرة وضعت فيها عدة الحلاقة وبعض الملابس وبشكير وشبشب اختاره أبي بنفسه ليناسب الوضوء كما لف لي سجادة صلاة جديدة ووضعها في كيس نظيف وقال لي" هذه هديتي.." فقبلت يده ورأسه وطلبت منه أن يسامحني.. ثم سلمت على امي التي استغربت قراري ولكن والدي وقف الى جانبي وطلب اليها أن تدعو لي "وهذا ما يلزمه في الوقت الحالي دعواتنا يا عيشة.." فرضيت علي كثيرا..وقام والدي بعمل ليلة وداع بسيطة حضرها أزواج أخواتي وأولاد عمي..
وكي لا أتأخر صباحا وأنشغل بترتيب نفسي نمت بملابسي كما يفعل الأولاد ليلة العيد في ليلتي الطويلة التي تأبى أن تغادر .. كان علي أن أسافر باكرا لألحق بالمركب التي تقلع أولا.. فنهضت من نومي وودعت الجميع وصحبني ابناء عمي وركبنا البيك أب وتوكلت على الله..وصلنا الميناء باكرا حجزت مقعدي وسلمت على الجميع وصعدت الى المركب وجلست على سطحه أتأمل البحر، بدأ النهار يقبل فرحا كقلبي الذي ينبض بسرعة ولهفة وبعد ذلك تدفق المسافرون جمع غفير عائلات كثيرة نساء ورجال وأولاد كبارا يتزاحمون دون نظام ويحملون أكياسا وشنط وقد امتلآت بالأمتعة وصغار يحملون علب العصير وقناني الماء وأكياس الخبر .. فواكه وطعام وكأننا مغادرين الى صحراء قاحلة.. عذرتهم وقلت في نفسي لعلها أول مرة يزورون تلك البلد ولو كانوا مثلي لما تكبدوا هذا العناء ...
امتلأت العبارة بالركاب والأمتعة وبعد أن تم التأكد من عدد الركاب الذين كان عددهم يفوق بكثير العدد المقرر ودفعهم قيمة التذاكر وبعد أن أخذ كل مكانه ..أعلن الكابتن أننا سنبدأ رحلتنا فصاح الجميع بسعادة وبصوت واحد توكل على الله وأخذت بعض النسوة يتمتمن بدعوات وابتهالات الى الله عز وجل أن نصل سالمين فحوادث العبارات كثيرة ومآسيها لا تعد... هدر ماتورها وسحب حبل المرسى وبدأت تتمايل بهدوء على سطح البحر يمينا ويسارا ثم استقرت وبدأت السير بشكل منتظم .. بعد مضي ساعة تجمعت الأمهات في وسط العبارة وفرشن بعض الفرش على شكل دائرة وأخرجن ما لديهن من لفائف وأكياس وأوعية فتحنها وجلست كل واحدة والى جانبها أولادها فيما جلس الشبان والرجال غير بعيدين يدخنون السجائر الرخيصة يسعلون ويبصقون في البحر..
كان هواء البحر عليلا ونسائمه ناعمة تهب علينا كما كانت الشمس لطيفة حانية فترفقت بنا ورعتنا خصوصا وأن الرحلة بدأت في الصباح الباكر .. أخذ الأطفال يتصايحون ويتراكضون في العبارة كقطيع الغنم الذي لا راعي له هذا يحمل بيده رضاعة وآخر كيس شبس وثالث حافي القدمين وأخرى تمسك بيد أختها الأصغر وهي تبكي .. والأمهات واحدة حامل وواحدة ترضع وثالثة تجلس ساهمة وغيرها ترتدي الملابس الأنيقة وقد دلقت على وجهها طن من المساحيق..ناس مبتسمين وغيرهم غاضبين وغيرهم هادئين بعضهم يسافر وحيدا وآخر مع زوجته وثالث مع والدته وغيره مع أخيه وغيره مع صديقه وغيره مع قريب نظرت الى أبناء وطني وتساءلت لم تنتقل هذه العائلات بأكملها الى البلدان الأخرى وكيف سيعيشون وماذا سيعملون ولكنني تذكرت حياتنا مع أبي فتنهدت وقلت " ربما يفعلون ما فعلناه قبلهم.."... كما أن هذا حال الناس منذ القدم يتنقلون من مكان الى آخر يبغون الكلأ والماء .. ولم يتغير الحال منذ كانوا بدوا رحل وحتى يومنا هذا وان تغيرت أساليب وأسباب التنقل..كما أن هذا يحدث في كل بلدان العالم وقد سبق أن حدثتني الخالة أنها عندما كانت تسافر خارج البلاد كانت ترى أناس من كل الجنسيات.. اذن لسنا الشعب الوحيد الذي يهجر بلده ويسعى لطلب الرزق خارجها ولكننا ربما الأكثر ارتباطا بها والرغبة في العودة اليها مهما طال الزمن .. كما أن على الأنسان أن يتقبل مجتمعه كما هو واذا كان بامكانه أن يغير فيه فليفعل وان كان لا يستطيع فعلى الأقل لا يلعنه ولا يعيبه فهو واحد منهم وليس بأفضل منهم واذا كانت ظروفه قد تغيرت فلربما ينشأ من بين هؤلاء الأولاد الطبيب أو الأديب أو الصحفي وسيذكر رحلته هذه ولا شك في مذكراته وعبر سنين عمره..
بعد أن تصايح الأولاد وشتمتهم الأمهات على قلة أدبهم وفجعهم وبعد أن حصل بعضهم على ضرب خفيف أو شد شعر جلسوا هادئين بعض الوقت فأخذت الأمهات يطعمن الصغار كأمهات الطير فيما اجتهد الكبار منهم بتناول الأكل بمفردهم ..قامت الأكبر سنا بين النساء وأعدت أرغفة وضعت فيها بعض الغموس ووزعتها على الشبان الذين انتحوا جانبا ليعطوا حرية أكثر للنساء وقد نالني ما نال غيري وحاولت الأعتذار ولكنها نهرتني " شو يا ابني الدنيا بخير معقول ناكل وانت تبص علينا.. كل.. كل..انت مسافر لوحدك يا بني"..رددت عليها بالأيجاب ثم تناولت رغيفي وشكرتها كثيرا..
رغم أن الشباب على ظهر العبارة لم يكونوا على سابق معرفة أو قربى في معظمهم ولكننا تآلفنا كأصدقاء فكلنا ذاهب الى باب الله وتارك خلفه من ينتظرون وعليه أن ينجح لأن الفشل غير مبرر فالأعمال كثيرة واليد العاملة مطلوبةوما علينا الا التواضع في طلباتنا والصبر والزهد في نعيم الغربة والتفكير فيمن لم يطلبوا منا الاّ حسن السيرة والخلق الحميد وتقوى الله والعودة سالمين غانمين..
كان بعض الشباب عائدا من اجازة وآخرون يسافرون لأول مرة وقد تراسلوا مع من سبقوهم من أقارب ليؤمنوا لهم المسكن والعمل سريعا... فيما لم أكن قد فعلت نفس الشيء فقد اعتمدت على الله وعلى درايتي التامة بالبلد وعلى أصدقاء تركتهم من سنين وما زالوا في أماكنهم ولن تكون لدي مشكلة في تدبير أمر سكني في بداية الأمر كما أن الخالة لا بد تنتظر عودتي الآن ولن تتركني هكذا..
انتهى الركاب من تناول الطعام فأخذت احدى النساء طبلة وبدأت تنقرعليها فتحلق حولها الأولاد والبنات وبعض الكبار وبدأوا بالرقص والغناء وقضينا وقتا رائعا لم ندر كيف انتهى الى أن سمعنا الكابتن يعلن قرب وصولنا الميناء المقصود.. فتهللت أساريري ونبض قلبي وتمنيت لو أسبح باقي المسافة..
أوقفت العبارة وكان لا بد لي من مشاركة الشباب الأخرين تنزيل عفش الركاب من العائلات الكثيرة المتزاحمة ففعلنا ذلك بهمة ونشاط وساعدنا الأمهات بالتقاط أولادهن وحملنا بعضهم خارج العبارة وسط هرج ومرج وصياح وجلبة لا توصف.. وبعد أن أمنّا الأمهات والأطفال وقف الجميع في طابور قسم الجوازات تسنى لي التسلل الى المقدمة فأنجزت معاملتي وخرجت الى الرصيف أنشد سيارة أجرة خصوصي تنقلني الى وجهتي سريعا قفزت الى جوار السائق وطلبت اليه الأسراع في سيره.. فنهرني قائلا " شو بدك ايانا ناخد مخالفة على هالمسا.. في العجلة الندامة .." لم المه فهو جاهل بما في من شوق لواحدة .. واحدة بالذات..
عندما كنت في العبارة شعرت أنني مميزا بين الركاب فقد علمتني الخالة أن احترام الأنسان لذاته وتواضعه وحب الناس والتعاون معهم يجعله شيئا آخر في نظر نفسه ونظرالآخرين كما علمتني أن لا يعتقد الأنسان أنه وحده في هذا العالم بل عليه ان ينظر حوله وينغمس في مجتمعه ولا يقسو عليه وأن يحس بالآخرين ويجد لهم أعذارا لتصرفاتهم حسب قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم " التمس لأخيك عذرا".. وكانت هذه الحكم والدروس التي تلقيتها منها في صغري مترسخة في عقلي تجلب لي حب الناس وثقتهم وصداقتهم أيضا..وكنت ألاحظ أنني أسمع صوتها يوجهني عند كل موقف وأنها موجودة في ذاكرتي لا تغيب عنها....
طالت الطريق ولكن السيارة كانت مكيفة وأسعدني السائق بتنويع ما أسمع من مسجلته فتارة أغاني وأخرى قرآن كريم وثالثة برامج وهكذا.. كان من عادة شباب بلدي المقيمين في البلد ، وجهتي، استئجار منزل واسع يديره أكبرهم سنا يجعلون منه مركزا لمن يصل حديثا يبيتون فيه عدة أيام الى ان تتدبر أمورهم ويتوزعون هنا وهناك ولهذا لم أشعر بحرج من نزولي فيه دون انذار ..ومع المغيب توقفت السيارة فتوجهت الى المنزل طرقت الباب ودخلت فوجدت بعض الشبان الجدد سألت عن بعض من أعرف فأخبروني أنهم في أعمالهم وسيحضرون بعد صلاة العشاء بقليل..
ركنت حقيبتي الى جوار الحائط ودخلت الحمام فاغتسلت وتوضأت وفرشت السجادة التي أهداني اياها والدي، في تلك اللحظة داهمني شعور بالغربة والحنين الى أهلي وكأنني تذكرتهم أخيرا سرحت قليلا وتنهدت فقال لي الشاب الجالس في الغرفة وقد لاحظ ما اعتراني " توكل على الله بكرة تتعود"..كانت تلك أول مرة ابتعد فيها عن عائلتي وربما تساءلت ولبرهة عما فعلته بنفسي.. أديت الصلوات التي فاتتني وجلست أتحدث الى زميلي.. انتابني شعور غريب فارتديت ملابس أنيقة وتوجهت الى منزل الخالة .. كنت في طريقي أحاول أن أجد تفسيرا لغيبتي وانقطاعي أطرحه عليها كما كنت أفكر بالحديقة وما جرى لها.. واذا ما قام غيري بالأعتناء بها وهل سأستطيع الحلول محله من جديد ولم لا فهذه البقعة الصغيرة شهدت طفولتي .. كما أنني لا أظن ان الخالة قد اتخذت من أي انسان ابنا أو صديقا جديدا خلال غيبتي .. لقد كنت جزءا من حياتها وكذلك كانت هي، فمن غير المعقول أن تستبدلني هكذا بكل بساطة .. أنا أحمد .. أحمد يا ولدي .. أحمد يا بني .. أحمد يا خالتي .. هل يعقل أن تتبدل الأحوال هكذا.. ثم ألوذ بايجاد مبررات لها ان هي فعلت، فقد طالت غيبتي واختفيت دون حس ولا خبر.. ولكن والله الأمر لم يكن بيدي .. صدقيني يا خالتي أنني أشعر بالغضب من نفسي على فعلتي هذه .. الغضب الشديد لا تؤاخذيني أرجوك.. أحيانا تمر بخاطري صورتها وقد كبرت وشاخت .. لكن قلبها لا يشيخ .... لم أكن هناك عندما حصل وبالطبع كانت بحاجة لوجودي ولكني للأسف خذلتها.. بينما أنا بهذه الأفكار والهلوسات وصلت البيت وقفت مندهشا فقد رأيت ما ساءني.. يا الهي ماذا جرى .. البيت مغلق تماما والأباجورات تعلوها الرمال والغبار والأشجار يائسة يابسة والبيت خاو لا روح فيه .. تأملت وتلفت يمنة ويسرة فلم أجد أحدا .. مشيت الى خلف الدار وتسلقت السور وهبطت في الباحة الخلفية ثم درت الى الباب الرئيس وقرعت الجرس مطولا لعل وعسى أجد من يرد.. ولكن الصمت مطبق والخراب يعم .. لا حول ولا قوة الاّ بالله العلي العظيم.. ماذا جرى .. هل ماتت الخالة .. كلا كلا أرجوك لقد عدت من أجلك ..هل سافرت كما فعلت .. هل مات أبو خالد هو الآخر.. يا ريت.. أين الجميع وأين هذا مما توقعت.. هذا آخر ما تصورته..
درت مرة أخرى أحاول التلصص برفع الأباجورات ولو قليلا عـّلي ألمح شيئا في الداخل أو أشعر حركة ما أو حتى أشم رائحة كان الأمر صعبا فلم أحصل على تصريح عمل بعد وخشيت أن يراني أحد فيعتقدني لصا أو متطفلا..توجهت الى الزاوية التي كنت أحتفظ بها بأدوات الزراعة فوجدتها على حالها الا من بعض الغبار وكانني تركتها بالأمس.. هل من المعقول أن أحد لم يشتغل في الحديقة خلال غيبتي .. أمعقول هذا .. ألم تجد الخالة من تثق به غيري أم هل عزّ عليها أن يدخل حديقها شخص آخر..جلست على أقرب حجر أفكر وأتأمل والحيرة تغمرني ثم التقطت طورية وفأس ومشيت خشيت أن لا يكون الماء متوفر ولكنني تذكرت أنه اليوم الأثنين وهو المخصص لتزويد المنطقة بالماء وتوجهت الى الصنبور الذي كان أخي منصور يشغّله فاشتقت لذلك الولد اللطيف وتذكرت قصتنا مع أبو خالد فتنهدت قليلا ثم فتحت الصنبور فتدفق الماء أحمر اللون صدئا ثم ما لبث أن تدفق ماء صافيا نظيفا.. فضلت أن أقوم أولا بسقي المزروعات قبل قصها وتنظيف مكانها فقد تعود الحياه لبعضها .. فهذه جميعها عزيزة على قلب الخالة الذي ما زلت جاهلا مصيره بالنبة لي..
فتحت الصنبور واغرقت الأرض بالماء تماما وكانت عطشى تنهبه وتبتلعه كبئر لا قعر له.. أكثر من ساعة وانا أسكب الماء على الأرض والتراب والأشجار .. بعد ذلك شطفت بلاط الحديقة المحيط بالبيت وبعض المسارب التي صنعتها بين الأشجار والورود وجمعت مخلفات الزرع جانبا الى أن آتي باكياس قمامة ..
أنهيت عملي فغسلت وجهي ويدي ورجلي ونفضت التراب عن ملابسي وعدت أدراجي .. فوجدت الشباب قد عادوا من عملهم سلمت عليهم وكان بينهم اثنان .. عثمان وحسنين..من معارفي الذين بقوا يعملون في أحد المطاعم طيلة عشر سنوات وكنت في الماضي البعيد عندما يرسلني أبي لشراء الحمص والفول صباحا على عادة أهل البلاد أتوجه الى ذلك المطعم فيداعباني ويتمازحا معي.. تذكراني فسلما علي بحرارة وسألاني عن أبي وعن سبب عودتي فشرحت لهم بعض أسباب تلك العودة ثم سألني عثمان ان كنت أبحث عن عمل فأخبرته بالأيجاب ولكن أريد بعض الوقت حتى أنجز العمل في حديقة الخالة .. بينما أتحدث مع عثمان لمحت عيني علاقة المفاتيح الخاصة بي والتي شبكتها في عروة شنطة ملابسي الصغيرة وعندما تفحصتها تذكرت المفتاح الذي سحبته من باب حديقة أبو خالد وعملت عنه نسخة سابقا فالتقطت العلاقة بسرعة وقد زال عني بعض الهم لأنني لن أضطر لتسلق السور من جديد بل سأدخل من أوسع باب ومعي المفتاح ...استفسرت من زملائي في السكن ان كان أحدهم سمع أو علم أي شيء عن الخالة فأنكر الجميع علمهم بأي خبر فزادت حيرتي وأنا أشعر أن الخالة " فص ملح وداب.."... جاءني عثمان بفرشة وغطاء ومخدة فرشتها في أرض احدى الغرف ونمت حتى الصباح.. ثم توجهت سريعا الى المنزل 36 من جديد وبدأت العمل .. كانت الأرض ما تزال رطبة فبدأت بقص بعض الأغصان التي اعتقدت أن لا روح فيها.. استمريت بسقي الشجر يوميا ولمدة أسبوع سبحان الله وبينما أمشي بينها ذات يوم لاحظت بعض الندب الخضراء على سيقانها فقلت في نفسي صدق الله العظيم حين قال " وجعلنا من الماء كل شيء حي.."
توقفت عن السقي مدة ثلاثة أيام لتجف التربة وأبدأ بنكشها كما يجب وكنت زرت المشتل الذي اسسه والدي وباعه قبل سفره فاشتريت بعض النباتات لزرعها في القواوير الكثيرة المنتشرة وبدأت العمل وعندما وصلت القوار الذي اعتادت الخالة وضع تعليماتها تحته وجدت ورقة مكتوب عليها .." أحمد كيف أنت اضطررت للمغادرة لمرافقة عمك أبو خالد في رحلة علاج لديك مفتاح الغرفة الصغيرة تستعملها لحين عودتي.. الله معك..". ما شاء الله .. يا سلام والله كما توقعت يا خالتي بكرمك ولطفك وشهامتك .. هي تريدني أن أخدمها وأستمر في رعاية حديقتها .. تكرم عينك والله سترين ما يسرك ان شاء الله .. لم تكتب عليها تاريخا فاحترت متى كان هذا ...فورقتة مصفرة بعض الشيء وقديمة ولكن الحبر واضح تماما وكأنه كتب بالأمس ..وتساءلت متى ومتى توقفت وجلست على الأرض أحاول الوصول الى تاريخ او موعد كتابة الورقة ثم قلبت بضعة قوارير لعلي أجد ما يفيدني ولكن عبثا.. ولكنني توصلت لاستنتاج أن الرسالة كتبت في نفس الوقت الذي غادرت فيه مع أهلي الى بلدنا فمن كلماتها أفهم أنها كانت تتوقع زيارتي لحديقتها...
والغرفة هذه، التي تقع في زاوية الحديقة الشمالية كنت دخلتها عدة مرات ومساحتها تزيد قليلا عن 3 X 3 مترات مربعة وكانت تحوي مطبخا صغيرا جدا الى جانب حمّام عربي فيه بانيو صغير مربع الشكل ودوش .. هذا خير كثير.. كثير جدا فشكرت الله وحمدته ... فتحتها ودخلت فوجدتها مدهونة وموضبة ونظيفة وعلى أحسن حال الاّ من بعض الغبار التي كانت تعلو عفشها البسيط المكون من سرير عليه فرشة جيده وغطاء وحرامين والأرض مفروشة بسجادة لا بأس بها كما وجدت ثلاجة صغيرة جدا لا يزيد طولها عن المتر في زاوية الغرفة قرب المطبخ وعليها تلفزيون صغير جدا أيضا كانت فارغة ونظيفة.. نظرا لطول مدة غياب الخالة فقد اضطرت شركة الكهرباء لقطع التيار عن البيت .. ووجدت مجموعة من الفواتير ملقاة على الأرض قرب الباب الرئيس ..عدت الى سكني مع الشباب وحدثتهم بما حصل معي واستشرت كبيرنا وهو العم المسؤول الذي نسمع كلامه ويشير علينا عما أفعله فقال لي " يا ابني انت مش بتسرق..المفتاح معك وصاحبة البيت هي التي تركته لك.. فتوكل على الله .. وحضر حالك علشان نيجي نزورك مع اخوانك الشباب في بيتك الجديد" تبرع حسين لمرافقتي فدخلنا الغرفة وأخرجنا جميع العفش منها خشية أن تكون احدى الحيات أو العقارب قد تسللت اليه ووضعناه في الشمس ونظفناها جيدا في المساء أعدنا ترتيبها من جديد استأذنني حسين بالأنصراف ..ما شاء الله غرفة نظيفة مؤثثة وكل ما فيها تحت أمري سبحان الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب..
كان لا بد من اعادة النور الى منزل الخالة فلم يرق لي أن يبقي مطفأ فتوجهت الى شركة الكهرباء وقابلت المسؤول هناك شرحت له سبب تراكم الفواتير وطلبت منه تقسيط المبلغ فكان طيبا وفعل ووعدني باعادة التيار في أقرب فرصة.. شعرت بسعادة كبيرة في مسكني الجديد النظيف والمرتب ولحين وصول التيار توجهت الى مكان لبيع الأدوات المنزلية واشتريت قنديلا ثم ملأته بالكاز وأشعلته وكان الجو ساحرا .. بعد يومين عاد التيار فاشتغلت الثلاجة فأحضرت بعض الطعام ووضعته فيها وبات بامكاني شرب ماء بارد أيضا.
بعد أذان عشاء ذلك اليوم توجهت الى سكن رفاقي الذين استقبلوني وكنت قد أوصيت على وجبة فاخرة من الطعام أكرم بها من أكرموني واستقبلوني وخففوا عني غربة الوصول.. فأكلنا وأخبرتهم بما فعلت فأثنوا علي وتمنوا لي التوفيق ورافقني عثمان وحسنين الى سكني الجديد وقد سعدوا بما رأوا وسألوني أن يبيتوا عندي بين الحين والآخر لمشاهدة بعض الأفلام والمسرحيات وكنت سعيدا بذلك .. وقضينا ليلتنا معا ...وبتنا لانفترق في معظم الأحيان وقد ساعدني هذا بتخفيف مصروفي بما يحضروه من طعام من مطعمهم نأكل بعضه ونودع الباقي في الثلاجة لليوم التالي.. كان صاحب المطعم رجلا شريفا لا يقبل تقديم أكل بائت لزبائنه الكثر فالطعام عنده دائما طازجا ولهذا اشتهر مطعمه كثيرا وبات من أحسن المطاعم سمعة في المنطقة كما كان يوزع ما يتبقى يوميا على عماله لعلمه أنهم عزّاب لا يجدون من يعد لهم وجبة في نهاية يومهم الشاق.. وحيث أن العمال من أبناء بلدي يعملون دون كلل ساعات طويلة جدا بعكس أبناء البلد فيتوجهون الى مصالحم منذ الصباح ولا يعودون حتى منتصف الليل فقد كان مستخدميهم يعملون على ارضائهم ببعض العطايا ومنها الطعام..
لم يثر وجودي في بيت الخالة استغراب الناس لأنني أملك المفتاح أولا ولأن بعضهم تذكرني وكان على علم بترددي على البيت في الماضي ولكن عودة التيار واضاءة لمبات السور الخارجي حيث كان فيوز الأضاءة يقع قرب الباب من الخارج لفت نظر واحدة من الجارات فسألتني " متى ستعود أم خالد.. هل من أخبار عنها.." فرديت :لا أعرف والله ... ولكي اطمئنها أضفت " تركت لي المفتاح قبل سفرها ، وطلبت مني حراسة البيت والعناية بالحديقة".. في تلك المدينة لم يكن الناس قريبين الى بعضهم فكل واحد وشأنه في غالب الأمر ولم يكن سكان الحي يعرفون بعضهم الاّ ما ندر لا يتدخلون في أمور الأخرين لدرجة أن أحد الحراس أخبرني أنه قبل مدة سافر أحد القاطنين في أجازة مع عائلته الى شرم الشيخ فحضر أحدهم ومعه ثلاث عمال وتريلا أي شاحنة كبيرة وأفرغوا البيت من محتوياته تماما وعندما عاد الرجل من اجازته فوجىء بما حدث وعندما حققت الشرطة مع الجيران لم تخرج بنتيجة لأن أي منهم لم يلحظ ولم يهتم لما يجري في بيت جاره.. طبعا كانت هذه صدمة للجميع فالحي مأهول والحركة فيه لا تنقطع ولو كان بين الجيران مودة وحسن جيرة لقام هذا الرجل باخبار جيرانه عن أمر سفره على الأقل.. أو لسأل أحدهم اللص عما يفعل ..ولهذا كنت مطمئنا فلن يأت أحد ليسألني ماذا أفعل في بيت الخالة أو من أكون..
كان لا بد لي من البحث عن عمل ولأن المطعم الذي يعمل به عثمان لا شواغر فيه توجهت الى غيره.. كان الحي الذي أسكنه حيا وسطا بين الرقي والشعبية يقع على شارع رئيس يصل مدينتين كبيرتين ..اضافة الى موقع رياضي ضخم تنظم فيه المباريات على مستوى الدولة فعمر الشارع بالشباب باستمرار واستفاد أصحاب المطاعم من هذه الميزة بشكل ذكي فقاموا بتحضير ما يلزم هذه الفئة وما يتناسب مع ميزانياتهم من وجبات سريعة وخفيفة كالمعجنات والساندويشات الشعبية والعصائر والبوظة كما أضافوا بعض الكراسي والطاولات المتواضعة أمام محلاتهم لجلوس بعضهم.
أما المطعم الآخر والذي يملكه شخص اسمه أبو عادل والذي تسلمه بعد وفاة أخيه واتفاقه مع أرملته أن يديره لها فكان اضافة الى ذلك يقوم بتجهيز تواصي العائلات من خرفان محشية ودجاج محمر ومناسف ومأكولات أخرى تواصي للمناسبات الأجتماعية كالأفراح والأعياد وقد اشتهر وذاع صيته ولهذا كان باستمرار مشغولا بتلبية طلبات زبائنه وكان باستمرار بحاجة لعمال وعندما توجهت اليه وقدمت نفسي تذكرني هو أيضا حيث كنت ووالدي ننسق حديقة بيته وقد تحسر على غياب والدي قائلا " والله من يوم ما ترك أبوك حديقتنا ما اتهنينا بقعدة مثل الناس.." ثم نادى كبير الطهاه وطلب اليه أن يزودني بمريلة ويدخلني المطبخ ناولته جواز سفري وبعد أيام استخرج لي تصريح عمل وبهذا انحلت مشكلة اقامتي في البلد وأصبحت مقيما شرعيا..
استمر تردد عثمان وحسين على غرفتي في أوقات متباعدة ولكن دوامي لم يسمح لي الألتقاء بهم كثيرا أما يوم الجمعة يوم اجازتنا نلتقى منذ الصباح نتناول طعام الأفطار ثم نذهب الى الصلاة في الجامع القريب ثم نعود لنجلس أمام شاشة التلفزيون وعند الظهر نفتح الثلاجة ونخرج ما لذ وطاب من الطعام الذي يزودنا به أصحاب عملنا وفي المساء نذهب ونتمشى في الشوارع المجاورة ولم يكن هذا برنامجنا لكل أسبوع لأن بعضنا كان يستمر على رأس عمله أيام الجمع..
بعد أسبوعين قمت بعمليه تغيير لموقع السرير في غرفتي أزحته قليلا ثم أمسكت المخدة أنفضها فوقع مظروفا التقطته سريعا ... رسالة أخرى من الخالة داخل كيسها فتحته بسرعة.." أحمد.. اذا لم أعد من رحلتي بعد عشر سنوات فالبيت لك .. راجع المحامي سعيد أبو النجا يعلمك بذلك.. مفتاح البيت موجود في الثلاجة..." قرأت الرسالة مرة وأخرى وثالثة وتأكدت مما قرأت فهبطت على سريري حائرا تتنازعني هواجس لا حصر لها خصوصا بعد أن وجدتها قد أغفلت كتابة أي عنوان أو رقم تليفون أو حتى اسم البلد الذي غادرت اليه...ماذا !!ماذا..أأنا في حلم أم في علم ..هذا البيت..غير معقول ..شعرت برجة وطرقة لدماغي..وعدت لأقرأ من جديد .. نفس الكلام... لعلي أهلوس ..لعل الوحدة صورت لي أشياء ...لعل أمنيات الماضي قد ظهرت فجأة..
البيت يصبح لي ..هذا البيت الكبير الواسع الجميل...أي قدر هذا .. هل عدت من بلدي لمثل هذا النصيب.. في هذه المرة ذكرت التاريخ ما زادني دهشة اذ يوافق بضعة أيام بعد سفرنا الى بلدنا أي منذ ما يقرب من السبع سنوات... شيء ولا في الأحلام .. اذن، الخالة لم تعلم بتركنا البلد ربما اعتقدت أنني تأخرت عليها لسبب ما وربما انشغلت بما لم يمكنها من الأتصال بي وربما اتصلت وكان هاتفنا مفصولا فقد قطع التيار عندنا فترة طويلة.. وربما فوجئت بقرار السفر..الله أعلم ماذا جرى معها ... لعل الأيام تجمعني بها وأعرف الحقيقة.. عدت أتشكك بالأمر لا يمكن أن تقصد بالبيت كله، أظنها تقصد هذه الغرفة وليس البيت لعلها قصدت شيئا آخر .. ولكن الكلام مكتوب بالعربي وهذا خط يدها والكلمات لا لبس فيها ..اذا لم أعد بعد عشر سنوات فالبيت لك.. ولا علم لي ببيت آخر غير هذا .. لا اله الاّ الله.. محمد رسول الله.. مسحت وجهي وقد شعرت بالتعرق .. أمر لا يصدق ولا يخطر على بال لم أستطع استيعابه أو هضمه.. ولكنها حقيقة علي ان أستوعبها..
أغلقت الرسالة وأخفيتها عن زملائي وأرسلت لوالدي برقية فورية أعلمه بالخبر الغريب.. فرد علي ببرود قائلا "..انتظر ما زال أمامك أكثر من ثلاث سنوات لا تخبر أحدا بالأمر الآن.. ربما تظهر الخالة.. يعلم الله مايستجد خلالها.. ولكن لا بأس أن تهتدي الى المحامي " أفاقني رد والدي من الصدمة ووقع المفاجأة وقد بات الأمر حقيقة.. فعلت بنصيحته ومكثت اياما ساهما سارحا غائبا عن الأرض كالراهب الذي يعيش في مجاهل افريقيا لا أفعل شيئا سوى الذهاب الى عملي في المطعم صباحا والعودة الى غرفتي مساء أتأمل ما يجري حولي منتظرا الآتي من الأيام لعل الخالة تظهر وتفسر لي ما يجري.. بعد أن راجعت قراءة الرسالة لم أجد لأبي خالد ذكرا فيها .. وتساءلت ان كان ما زال حيا يرزق وتمنيت أن لا يكون.. ولكن أين هو وما هي أخباره..
المحامي أبو النجا.. من تراه يكون وأين أجده.. ووجدت أن أسأل أبو عادل صاحب المطعم كونه معروفا لدى الجميع فهرش رأسه وقال "صحيح والله قبل مدة طويلة أتذكر أن واحد محامي جاء يسأل عنك .. "
هل لديك عنوانه ..
كلا والله ولكنني أتذكر أنه كان يلح بالسؤال وطلب أن أخبره بحال علمت عنك شيئا ..وأظنه سأل عنك غيري أيضا..
فرجت والحمد لله.
معرفة العنوان لن تكون صعبة فدليل الهاتف سيدلني.. اتصلت بمكتبه وأخذت موعدا من سكرتيرته.. خفت على نفسي من وقع بقية الوصية فاصطحبت معي عثمان وعندما دخلت عليه وقرأ الأوراق في حوزتي وأخرج الملف الخاص بالموضوع من أحد أدراجه أخبرني أن المدة لم تنقضي بعد وما زال أمامنا وقت .. ولكنه لم يكتف بما قال بل أخذ يساومني على البيت ويغريني بالمال وينصحني ببيعه فماذا سأفعل ببيت كبير من هذا النوع .. وشوية مصاري ستفيدني في حياتي أحسن من بيت من حجارة لا ينفعني بشيء ..ثم حصولي على مبلغ كبير يعيدني الى بلدي بسرعة وبناء بيت أجمل من هذا ..لا يعرف هذا الرجل ما يعنيه هذا البيت بالنسبة لي فلم أرد عليه.. وعدته بأن أفكر..وأما صديقي عثمان الذي رافقني قال للرجل " يا سيدي لما يصير البيت ملكه نبقى نتكلم .. لم العجلة"..
نصحني عثمان أن لا أسمع كلام المحامي لأنه يريد استغلال وضعي ومن الأفضل أن أنتظر فعندما أبيع البيت وأنا مرتاح يكون أفضل من بيعه وأنا تحت ضغط.
بحثت عن المفتاح في الثلاجة ثانية فلم اعثر عليه .. فوقها تحتها في كل مكان لا فائدة فاعتقدت أنني ربما ألقيت به في المهملات .. لم يكن ممكنا كسر الباب لأن أمامي سنوات ثلاث .. عدم معرفتي مصير أبو خالد جعلني مترددا متوجسا فماذا لو علم هل سيتركني أنعم بالبيت وماذا لو هبط علي في يوم من الأيام ووجدني أحتل حديقته وأسكن فيها ماذا ستكون ردة فعله.. يا منجي نجني من أبو خالد ومما سيفعله بي يا رب.. ولكن هاهي رسائل أم خالد معي فماذا بامكانه ان يفعل..أقل ما يمكن أن يطردني ويمنعني من أن أخطي ولو من الشارع المقابل.. عدت الى حياتي وأخذت أحاول أن أنسى الموضوع أو ان أتناساه قليلا الى أن يفرجها الله تعالى علي..
كانت من عادة أبو عادل صاحب المطعم ذبح ذبائح في العيدين ، عيد الفطر والعيد الأضحى وكان من كرمه أن يوزع جميع اللحم بما فيها الكرشات والرأس والرجلين على عمال مطعمه وطالما أني واحد من هؤلاء العمال لا بد لي من نصيب.. ولكن وجودي في المطعم وحصولي وزملائي على ما يلزمنا من وجبات لم يجعلني أتعجل بطهي حصتي من لحم اضحية عيد الأضحى فبقيت في مبرد الثلاجة ( الفريزر ) ما يقرب من الشهر..أنسني الناس في الحي وبت معروفا ومحبوبا لا أتأخر عن أي مساعدة يطلبها مني الجيران وبات الأطفال يحبونني فقد أينعت حديقة الخالة وطرحت بعض الثمار ألتقطها وأوزعها عليهم سواء في الصباح وهم ذاهبون الى مدارسهم أو في المساء عندما يبدأون اللعب في الساحة أمام الدار..وكان سكان الحي سعداء باعادة الحياة الى حديقة الخالة التي بدورها أعادت الرومق الى الشارع المحاذي.. كنت أريد أن تعرف الخالة عندما تعود أنني استحققت عطفها ومودتها..وأنني فعلا أستحق ما حاولت اعطائي اياه ..الحقيقة ان هذا كان همي الأكبر..كم تمنيت عودتها وكم تمنيت لقاءها ثانية ...لم أكن طماعا كنت واثقا أنها لن تقصر بي ومش ضروري تعطيني البيت لأن كرمها سيغمرني بالتأكيد..ستبحث لي عن عروس وستعيدني الى الجامعة لأكمال دراستي وستسكنني وعائلتي الصغيرة معها وستتخذني ولدا وهذا يكفيني.. وستنفق علي من سعة والله يا رب يكفيني هذا...فقط أعدها لي..أرجوك.
وفي يوم من الأيام بينما أسقي مزروعات الحديقة بعد صلاة الفجر فوجئت بأمراة تصرخ .. انتفضت وتعوذت من الشيطان الرجيم .. لم أجرؤ على فتح الباب وأخذت أحاول معرفة مصدر الصوت .. ماذا يجري الصوت يقترب.. يقترب أكثر وأكثر وأكثر...أزحت بعض نبات المدادة الذي يغطي السور فوجدت امرأة شبه عارية وقد لطخت وجهها بالكثير من المساحيق يصحبها رجل تصرخ بأعلى صوتها وترجوه أن لا يتركها.." أرجوك يا أبا رياض استر علي الله يستر على بناتك .. الله يستر عليك استر علي.. الله يخلي لك أولادك استر علي .." كانت المرأة في حالة من الصدمة والشقاء جعلتني أتسمر في مكاني مشلول الأرادة.. رغم أن صوتها كان عاليا جدا الاّ أن أحد لم يخرج للمساعدة ولم ينظر لا من نافذة ولا من باب .. يا الهي أين الناس هل من المعقول أنهم جميعا نيام .. هل من المعقول أن صوتها لم يصلهم.. لقد زلزلت الأرض في هذا الفجر ماذا جرى للسكان .. الحي مليء بالبشر ألم يثر صوتها نخوة أحد.. استمرت المرأة تصرخ وقد رأيتها تمسك بالرجل من كتفيه تارة ومن وسطه تارة ومن رقبته ثم هبطت على الأرض تقبل نعليه في حالة من الأذلال الفظيع.. أما هو فقد كان يسير بسرعة كبيرة يحاول الأفلات منها بدفشها وأبعادها عنه بعنف محاولا الخلاص منها ..كانت المرأة في حالة مزرية مرعبة، بالنسبة لي فهذه أول مرة أشعر فيها أن هناك من يصل هذا المستوى الأنسحاق.. المرأة تصرخ وتنتحب ولا من مجيب وفي النهاية رفشها أبو رياض برجله وألقاها أرضا وهرولا مسرعا يسابق الريح..لحظات واذ بامرأة أخرى تخرج راكضة من البناية المقابلة تحمل عباءة لفتها بها وسحبتها بهدوء الى الداخل وهي تطلب منها خفض صوتها وبلاش فضايح.. في حين استمر الرجل بالهرب ولم يلتفت خلفه ...
تنبهت الى أن المرأة كانت تسكن البناية المقابلة وأن التي خرجت بالعباءة لا بد زميلتها بالسكن .. في اليوم التالي داهمني الفضول فوقفت في نفس المكان الذي شهدت فيه مذبحة الأمس أنتظر واذ بمجموعة من النساء ينزلن من سيارة أجرة في مثل حال امرأة الأمس يتصايحن ويتضاحكن خمسة نساء على ما أظن.. أين أخوتهن لماذا هن ساهرات الى هذه الساعة أليس لهن أزواج أو أولاد..هل هؤلاء بنات الهوى اللاتي نسمع عنهن ونشاهدهن في الأفلام وهل مثلهن حقيقة على الأرض يعني أنا أشاهد واقعة حقيقة وليس فيلما سينمائيا.. واذا كن كذلك كيف يسمح لهن العيش بين العائلات المحترمة .. لا حول ولا قوة الاّ بالله العلي العظيم .. باتت مراقبتهن كل يوم في ساعات الفجر شغلي الشاغل شعرت بالكثير من الأستغراب من أمرهن.. أين يذهبن وماذا يفعلن ..ولفت نظري أن بعض السيارات تأتي أثناء النهار أيضا وتصحب بعضهن..وأحيانا ينزل السائق ويمكث فترة طويلة وتذكرت مسرحية عادل امام شاهد ما شفش حاجة استغفر الله العظيم يا ربي ما هذا .. لم نشهد مثل هذه الأمور أثناء عيشنا في هذا البلد لسنوات طويلة ماذا جرى للدنيا.. أهذا ما تأتي به معاهدات السلام وهل هذا ما يحدث الان في هذا البلد الآمن المحافظ..
سألت حارس البناية التي تسكنها النساء عما يجري في بنايته فرد علي ." خليها على الله.. ما عدش فيه شرف في البلد.. أستغفر الله يا رجل .. " وعندما سألته كيف يسمح السكان بمثل هذا " لم يجب ولكنه أخبرني أن هؤلاء النسوة لسن من بنات البلد بل مستوردات من كل مكان حتى روسيا .. للأسف للأسف...
بعد مدة من هذه الحادثة وعندما عدت من عملي في المساء وجدت سيارات شرطة ونجدة وسيارة اسعاف تقف أمام المبنى اياه وقفت مع الناس فشاهدنا حمالة عليها جسد انسان مغطى بغطاء أبيض .. يا للهول ماذا جرى.. قتلت واحدة من النساء لعلها تلك التي كانت تصرخ ليلا أو لعلها زميلتها أو أي واحدة منهن ولكنها من القطيع ذاته.. لماذا يا ترى!! أحدهم قال لأنها اختلفت مع صاحب البار الذي تعمل فيه على بعض الواردات المادية فحضر ليلا وقتلها..هذه رواية ثانية تقول .."أن زوجها الذي كان يقبض منها شهريه لم يعجبه المال المخصص له بعد أن علم أنها اشتهرت وذاع صيتها وأصبحت مطلوبة من رواد البار وبات دخلها كبيرا فتناقش معها ولما رفضت زيادة مخصصاته لم يعجبه فكان ما كان.. ورواية ثالثة تقول أنها ربما انتحرت ورابعة تضيف أن أحد أخوتها قام بهذه الفعلة لغسل العار وكانت رواية مشكوك فيها لأنها غريبة ولكن الأمر المؤلم في الموضوع أنها كانت متزوجة من واحد من أبناء البلد الذي كان يتكسب من وراء عملها في البارات ولديها ولد في الثالثة عشرة من عمره وبنت في السابعة وأن ولدها حضر لزيارتها واكتشف مقتل أمه قبل الجميع و هو بنفسه استدعى الشرطة والأسعاف.. أعان الله ذلك الولد كيف سيقضي عمره بعدما رأى وهل سينسى منظر والدته المضرجة بالدماء...وكيف سيواجه رفاق المدرسة وماذا سيفعل مع أخته... الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون حقيقة واقعة.. بعد هذه الفاجعة اختفت باقي النساء من الحي بأكمله ..
لمت نفسي كثيرا لأنني التزمت الصمت في حادثة المرأة مع أبو رياض الذي لديه أولاد وبنات ويعبث مع مثل هؤلاء النساء والاّ لما استحلفته تلك المرأه برياض وأخوته.. ألا يخشى هؤلاء الرجال على مصير أبنائهم من مال الحرام والممشى البطّال..رحمتك يا رب..
في يوم جمعة وقد زارني زملائي ،أردت طبخ لحم الأضحية، سحبت كيس اللحم من المبرد ولكنه علق بشيء ما سحبت أكثر دون فائدة .. مددت يدي وأخرجت صندوق المبرد بكامله ونزعت كيس اللحم الذي التصق بقوة بوعاء المبردة ونظرت واذ بمفاجأة أمام عيني .. مفتاح البيت .. يا الهي.. اعتقدتني فقدته.. أخفيته بيدي تحت كيس اللحم ودخلت المطبخ الصغير وواريته في أحد الأدراج وأخفيت مفاجأتي عن عثمان وحسين واستمريت باعداد الوجبة المقررة .. أكلنا وأخذنا قيلولة .. كان من المفروض أن نذهب الى المبنى الرياضي لمشاهدة مباراة في كرة القدم ولكني تعذرت ببعض العمل وأنني أنوي كتابة رسالة لوالدي فمضيا في طريقهما وتركاني.. بعد أن تأكدت من ابتعادهما عن سكني أمسكت بالمفتاح ومسحته من آثار اللحم وذهبت الى باب البيت أريد دخوله وتفقده فلم يبق من السنوات العشر الكثير..
كنت خائفا جدا وكأنني سأجد أبو خالد أو عفريته يختبىء في احدى الزوايا ..فتحت ودلفت بسرعة البرق وأغلقت الباب خلفي وأضأت الكهرباء .. مشيت عدة خطوات ولا أدري لم داهمني صوت المرأة التي كانت ترجو أبو رياض أن يستر عليها فخفت وعدت أدراجي وأغلقت الباب وهربت الى غرفتي استرحت بعض الوقت وعندما أردت اعادة التجربة...داهمني الخوف من جديد فوجدت أن أدخل نهارا وكما تقول والدتي " النهار له عيون" واذا ما أضفت عيوني لعيون النهار فسنرى بشكل أفضل.
عاد صديقاي ووجداني في حالة صمت وسألني عثمان ماذا جرى لي أثناء غيابهما فادعيت استغرابي من ملاحظته فرد حسين بكلمات فيها الكثير من التأمل" الراجل هذه الأيام مش عارف حاله وين" وهكذا كنت بالفعل..
اتصل بي أبي يسألني عن حالي وعن جديد ما يجرى معي فأخبرته فاستخف بما قلت وقال : سم باسم الله قبل أن تدخل" لم يكن والدي مقتنعا بالموضوع وظل يبعد عني أمل امتلاك البيت فقد خشي أن تعود المرأة وينتهي أملي الى سراب..بت بحاجة الى المزيد من الونس والأصدقاء ولهذا أفشيت سري لحسين أيضا رغم وصية والدي..سامحني يا أبي ابنك بات جبانا مرتعدا..
بما أن الخوف قد تملكني حين دخول البيت وحدي فقد عرضت على زميلاي مرافقتي دون أن أخبرهما بقصتي الأولى.. فتشجعا وهتف عثمان" يا ولد كل هذا النعيم سيصير ملكك نيالك يا عم أنت في هالحال ستتزوج أحسن بنت".. والله تستطيع أن تزوج بنت العمدة.. فابتسمت بافتعال وتوجهنا الى الباب وضعت المفتاح ويدي ترتجف فتحته ودخلنا وساورني انقباض ولكنني تجاهلت احساسي بما أن معي حماية وصاح عثمان منذ أول خطوة " اوعك .. اوعك السجادة دي ما ينفعش نخبط عليها " فضحكنا ثم زاد حسين فصاح " أوعك العفريت" ولم أكن بحاجة لمثل هذه الدعابة بالذات فصاح به عثمان " يا راجل سمي باسم الله.." فزال بعض همي..تجولنا بالبيت ، دخلنا المطبخ فصفر عثمان ما هذا أهو مطبخ أم صالون أنا والله أريد أن أنام هنا يكفيني هذا..فتحت الخزانات يا الهي ما هذه الأواني أهي للطيخ أم للعرض.. ما شاء الله..كل شيء لامع ونظيف..يبرق... ثم دلفنا الى الداخل وتجولنا في المنزل غرفة غرفة وتفحصنا أثاثه ونبش أصدقائي المفارش علهم يعثرون على وصية جديدة أو كنز وعلق حسين "يمكن ينوبنا من الحب جانب يا عثمان..فرد عثمان " يا أخي الله يبارك لأحمد متقرّش" كل شيء في البيت كان لي أنا لي أنا وحدي دون سواي .. انتهينا من رحلتنا التفقدية الأولى فأمسك بي الصديقان وتعانقنا وهنآني بشدة وتمنيا أن لا أتكبر عليهما بعد النعمة التي هبطت علي من السماء فوعدتهما أن أبقى وفيا لصداقتنا..
خرجنا وأقفلنا الباب وراءنا، تمنيت لو أن الخالة موجودة وقد ترملت من أبو خالد وكنت على استعداد أن أخدمها بروحي وقلت في نفسي لو تعود وأعيش معها في هذا البيت الكبير لأرد لها بعض الجميل كنت متأكدا أن مشاعرها لن تقل عن مشاعري نحوها.. أم ثانية لي اثنتين من الأمهات لشخص واحد.
أخذت أشجع نفسي لتفقد أملاكي فمن غير المعقول أن يستمر حالي هكذا بعد أن منّ الله علي بهذا الخير الوفير يجب أن أعود الى طبيعتي أليس هذا هو البيت الذي تمنيت دخوله أو الجلوس على بعض أثاثه أليس هو البيت الذي سكنته أكثر النساء عطفا علي ثم أنني لم أغتصبه من أحد ولم ارتكب جريمة ولا محرما ...فمالي وما يصيبني من كرب كلما خطوت في داخله بضع خطوات..ثم أنني دخلته وزميلاي فلم نجد الا ما يتمناه المرء في أحلامه ..
توجهت الى غرفة النوم حيث قررت المبيت فوجدت صورة كبيرة لأبي خالد معلقة .. وتصورته يدخل ويراني يا مصيبتاه ماذا كان سيحدث .. سيمزقني اربا ولا شك .. التفت الى الصورة ووجدته ينظر الي بغضب ويتأملني وخيل لي أنه سيخرج من الصورة ليمسك بتلابيبي فمددت له لساني وكأنني أقول له " انظر ها هو البيت الذي حرمتني من دخول حديقته يصبح لي بكامله فمت بغيظك.."بقي كابوس أبو خالد يؤرقني ويقض مضجعي ويفسد فرحتي..
بينما أتجول في البيت وجدت غرفة لأطفال مليئة بالرسومات والصور لولدين وبنت يضحكون مرحين فتحت خزانتها فرأيت ملابس جديدة مرتبة وكأن أصحابها سيعودون قريبا.. لمن هذه الملابس يا ترى فلم أشاهد أطفالا في البيت أبدا ولكن هذه صور لهم فأين هم وماذا جرى لهم .. هذا البيت مثل بيت الجنيات اللاتي يظهرن ويختفين دون أن يراهن أحد..تذكرت أن هذه الغرفة كانت باستمرار مغلقة ولم أدخلها أيام الخالة..غريبة ورق وألوان ومكعبات وألعاب..
في غرفة صغيرة جعلت منها الخالة غرفة مكتب كان هناك ملفات مرصوصة على رف جلست على الطاولة وفتحت أحد الجوارير فوجدت ألبومات أنيقة عديدة فيها صور كثيرة لأناس كثر ولكنها مختلطة فبدأت أعيد ترتيبها حسب التواريخ المكتوبه خلفها وحسب شخوصها لعلي أستطيع أن أعرف شيئا عن تاريخ العائلة أو أصولها أو عدد أفرادها وصلتهم ببعضهم البعض..كنت أود وبالحاح معرفة مصير أبو خالد حتى أضمن أن لا يظهر فجأة ويسلبني ما تحقق لي في غمضة عين.. رسائل وبرقيات وصور لأطفال فرحين يضحكون تجمعهم مع والدين شابين ..أين ذهبوا أين ذهب الجميع .. لا بد أن في هذه الأوراق ما سيوضح ذلك ..تركت ما بيدي وأخذت أفتح باقي ألأدراج فلفت نظري ملف كبير الحجم ملفوف بكيس من النايلون وموضوع في الجارور الأسفل فأخرجته ووضعته على الطاولة وفضلت عدم مراجعته الا بعد أن أنتهي من باقي الأوراق والصور حتى لا أشغل نفسي بكثير من الأمور مرة واحدة.
وفي ليلة طويلة راجعت الكثير مما بين يدي فتوضحت الأمور .. الصور لأولاد شقيق أبو خالد وهم الآن في فنزويلا مع جدين لوالدتهم يعيشون هناك منذ أكثر من ثلاثين سنة وأبو خالد هو الذي رباهم بعد أن تيتموا جراء حادث سيارة أودى بحياة الوالدين .. الأطفال لم يغادروا بطريقة طبيعية بل أنهم كانوا شبه مخطوفين حيث هناك اعلانا في الصحف لمن يعثر عليهم ولكن صورة وثيقة فيزا للسفارة توضح أنهم سافروا ولم يخطفوا..فلماذا الأعلان مثلا !! أما أم خالد فقد جمعتها الحاجة بأبي خالد.. فصورة لها مع شاب جميل يضحكان وما كتب خلفها يوضح أنها لعروسين في شهر العسل في أحدى المدن التركية ولكن برقية مرفقة بالصورة توضح أن الشاب غرق في البحر وهو يسبح.. لا حول ولا قوة الاّ بالله العلي العظيم مسكينة يا خالتي ترملت وانت عروس .. يا الهي .. أنت لا تستحقين ذلك أبدا..أعوذ بالله من هذا القدر يأخذ هذا الشاب لتعيشين مع أبو خالد..مسكينة أنت والله ...
أبو خالد بعد أن هجره أبناء شقيقه وسافروا الى أمريكا عاش طويلا وحيدا مكتئبا حانقا وغاضبا من كل الناس خصوصا الأطفال لاعتقاده أنهم خبثاء لا يستحقون الشفقة جاحدين ينتظرون اللحظة المناسبة للغدر بمن عطفوا عليهم وما فعله أبناء أخيه انطبق في ذهنه مع كل ما قد يصدر من باقي أطفال العالم .. وأم خالد بعد أن ترملت أمضت سنوات طويلة من عمرها تعيش ذكريات عريسها الشاب وكان أن جمعت المآسي الشخصين لعل وعسى أن يمضيا شيخوخة مريحة.. ولكن للأسف لم تكن الحياة مع شخص من هذا النوع لتسعد أحد هذا ما قرأته في رسالة لها أرادت ارسالها لشخص ما ولم تكمل كتابتها ..
في الملف كانت شهادة القوشان توضح أن أم خالد هي مالكة البيت فاستهزأت من أبو خالد " كيف يسمح لنفسه ان يتحكم بالمرأة وهو يعيش في بيتها .. آخر زمن". البيت الآن لي غصب عنك وعلى عينك يا أبو خالد... تمنيت لو أن هذا حصل عندما كنا عائلة كبيرة تسكن غرفة صغيرة في زاوية فيلا فخمة .. تمنيت لو أن أخواتي لم يتزوجن بعد لأحضرهن ليشاركنني في هذا السكن الجميل وأعوضهن عمّا فات..
كابوس أبو خالد لم يترك لي الراحة ولا السعادة مطلقا فكلما نظرت اليه أجده يحدق بي غاضبا مكفهرا لدرجة اعتقدت الصورة شخصا حقيقيا ماثلا امامي ... فدلعت له لساني وخرجت.. ولكني وجدت نفسي أركض وخيل لي أنه تبعني..بعد أن وصلت مكانا مضيئا نظرت خلفي يا الهي ماذا جرى هل أصبحت أؤمن بالخرافات والكوابيس..
ولكي أوهم نفسي بالشجاعة وكنوع من التحدي أصريت أن أنام في الغرفة التي كان ينام فيها على أن ينام صديقاي حسين وعثمان في غرفة أخرى وبدأت حكايتي التي جعلتني أخرج في احدى الليالي وقد تشربت ملابسي بدمي التي أوقعتها بي صورة الرجل .. فبعد أن استقر بي المقام في البيت وأصبحت أشعر ببعض الحرية بالتصرف فاجأني أبو خالد في منامي يطلب مني مغادرة المنزل والاّ.. ويبدو أنني أفقت من نومي ودون وعي مني أردت أن أكسر صورته فاخترق زجاج البرواز لحم فخذي وصدري فجريت الى غرفة حسين وعثمان ألهث فقد وعندما شاهداني غارقا في دمي أمسكا بي وهدآ من روعي وأجلساني على أحد الأسرة طالبين مني أن أهدأ وأن لا أجعل النعمة التي هبط نقمة تربكني وتخلخل عقلي.. وأن هناك الكثير من الناس يربحون ورق يانصيب بمئات الآلاف وغيرهم يفوز بسيارات فارهه و..و.. ولكن عثمان اعتقد ما يجري جراء حسد أحدهم لي .. ولكنني كنت أقسم لهم أنني لا أهذي وأن ما أراه حقيقة واقعة وأنني لا أفتعل.. وقد طلب مني عثمان أن أبيت معهم في نفس الغرفة ما بقي من ليلتي العجيبة..
في الصباح غادرا المنزل وذهبا الى عملها وأنا بقيت لأن ورديتي في المطعم تبدأ مساء وبعد لحظات خيل الي أنني أسمع صوتا فاعتقدت أن أحدهما ما زال في البيت وعندما ناديت يا حسين .. يا عثمان عدة مرات ولم يجبني أحد نهضت سريعا أفتح النوافذ والأبواب وأزيح الستائر اعتقدت أن أحدا ربما موجود في الحديقة أو على السطح فلم أجد أحد..أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... خير ان شاء الله خير..
لم يعد بامكاني انكار ما أسمعه أو التغاضي عنه فما زلت بكامل قواي العقلية وأن ما يجري حقيقة لا لبس فيها وعلي أن أعترف بذلك وأعالجه قبل أن يصيبني مكروه.. وبدأت أكثر من ترديد آية الكرسي والمعوذات كلما دخلت البيت وقبل أن أخلد الى النوم ولكن الهدوء غادرني تماما وبات صديقاي منزعجان مما يحدث لي فاتصل حسين بوالدي يخبره بأمري ولكن والدي كعادته لا يؤمن بالخرافات ..
ازداد الأمر سوء ولم أعد أتحمل فكتبت لوالدي أشرح له حالتي وأخبره أنني سأتخلى عن البيت فماذا يفيدني أن أكسب الحجارة وأخسر عقلي ..
حيث مضت فترة السنوات العشر منذ أشهر، زارني المحامي وناولني قوشان البيت والذي كان باسمي هذه المرة ولم يفته أن يسألني بيعه وعندما وجد اصراري على رفض عرضه أخبرني خبرين أحدهما تمنيته من كل قلبي والآخر آلمني من كل قلبي أيضا .." لقد علم أن أبو خالد قد انتقل الى رحمة الله منذ سنوات وأن الخالة اتصلت به وأعلمته بأنها لن تعود وبأنها ستمضي ما بقي لها من عمر خارج البلاد حيث يعيش أقاربها وأن عليه أن يتمم اجراءات نقل ملكية البيت " .. في تلك اللحظة نسيت خبر وفاة أبو خالد لأن الخبر الآخر وعدم رجوع الخالة غطى عليه تماما .. لا يمكن.. لا يمكن أريد عودتها أريد خدمتها أريد مرافقتها حتى آخر العمر.. شعرت أن أملا كبيرا انزاح من حياتي ثم ما فائدة كل هذا وقد مات أبو خالد وترك خلفه شبحه يقلق راحتي ويدمر سعادتي..
اعتقدت أنني بعد سماعي للخبرين سأبدأ حياة جديدة فالخالة والحمد لله وجدت حياتها مع أقاربها ولا بد ستسأل عني يوما ما ، وما علي الاّ أن أذكرها بالخير وأما وفاة أبو خالد فكان يجب أن تزيح عني هم ظهوره من جديد.
بعد أن استقرت لي الأمور اقترح والدي زيارتهم في اجازة لقضاء بعض الوقت فربما فيما سأقضيه عندهم من أيام يكون كافيا لاستعادتي استقراري النفسي.. أوكلت أمر العناية بالبيت لعثمان وأعطيته المفتاح وغادرت.
كان استقبالي حافلا وبدأ الجميع يسألون عن شعوري بما حصلت عليه يهنئونني ويحضنونني ويباركون لي ويتعجبون من النصيب والأقدار وما يكتب على صفائحنا..وما كانوا يدرون ما أعانيه من ويلات هذا الأرث المحجوب أولا بعدم عودة الخالة وثانيا بظهور شبح أبو خالد وثالثا لحيرتي ماذا أفعل..
في اليوم التالي وعلى مائدة الأفطار شعرت أن والدي يتأملني بنظرات ذات مغزى وكأنه اعتقد أو صدق أن بي مس من الجن ..ينظر الي من حين لآخر وعندما التفت اليه يزيح ببصره عني فأرحته وفتحت معه الموضوع :
- حقيقة يا والدي كنت أسمع أصواتا في البيت
- وهل كان يسمعها أحد غيرك
- كلا
- ليه يا ابني
- لأنها كانت تصدر في غيابهم أو عندما أكون وحيدا
- وهو يعني عفريت أبو خالد كان بيعرف امتى بتكون انت وحدك بالبيت علشان يطلعلك
- لا أعرف ولكن هذا ما كان يحدث
- صلي على النبي يا ابني وتعوذ من الشيطان..
-
شعرت أن والدي لم يصدق حالتي فعرض علي زيارة الشيخ أبو سالم امام مسجد بلدتنا وعندما رفضت اعتقد أنني ربما احتاج بعض التغذية فأخذ يطلب من والدتي أن تكثر من اعداد المأكولات المفيدة صحيا فلا بد أن يكون ما أراه مرده لسوء تغذية بسبب غربتي مع أن الأكل الطيب كان من أكثر الأشياء المتوفرة لدي..
انقضت أيام العطلة وبات موضوع عودتي عبئا ثقيلا على كاهلي كنت كمن يعود الى سجن أو الى مكان يبغضه وتعجبت كيف انقلبت الأمور فبعد أن كنت أتمنى ذلك البيت وبعد السعادة التي شعرت بها عندما علمت بوصية الخالة بات التفكير بذلك أمرا مؤرقا وهما يتلبسني ليل نهار..
اتصلت بعثمان وأخبرته نبأ عودتي وموعدها وكان بانتظاري على باب البيت سلمت عليه وأخبرني أن كل شيء على ما يرام وليس هناك ما يزعج .. بانقباض ملحوظ وغم لا يوارى دخلت ووضعت حقيبة ملابسي على الباب وجلسنا على أقرب مقعدين نتحدث ونتسامر كان شيء يشدني لعدم الدخول أكثر .. هذه المرة كان من داخلي ..رعب وتردد وهلع..لاحظ عثمان ذلك فلم يلح علي تغيير المكان بل بقينا على المقعدين قرب الباب الى أن غفوت..ومرت تلك الليلة بسلام .
الحمد لله يبدو أن الأمور قد سارت على خير ..ولكن موضوع ولوجي لما هو أكثر من الخطوات الأولى للبيت بات أمرا مستحيلا وكأن حائطا سميكا كان يقف بيني وبين باقي البيت وفكرت في أمر الذين يرددون بعض الحكايات الخرافية بأن بعض الكنوز يقف على بابها رصد يمنع الناس من الحصول عليها .. والاّ بماذا أعلل ما يجري وبماذا أفسره.. ها أنا أمنع من الدخول رغم رغبتي بذلك... ماذا أفعل وهل أمضي أيامي أعيش على الباب ..حاول عثمان وحسين مساعدتي التخلص من عقدتي دون فائدة ..فعدنا نقيم في الغرفة الصغيرة اياها..
الى متى يستمر الوضع والى متى أبقى على ما أنا عليه.. لم أعد متأكدا من شيء كل الأمور اختلطت في رأسي وبت أشعر بتشويش في كل حياتي..كيف أتخلص مما أنا فيه وكيف أعيد البيت لأصحابه وأين هم أصحابه ولمن أعيده فبقاء الحال من المحال.. هل أتبرع به .. هو ليس من حقي وقد جاءني بالصدفة ولكنني لم أسعى لذلك ولم أغتصبه هكذا ترد الخاله . لم يسعفني تفكيري بالوصول الى حل .
في أحد الأيام سألني أبو عادل عن أموري وقد لاحظ تغير حالتي النفسية والعصبية وبعد أخذ ورد وبعد أن تأكد أن المسألة ليست بسيطة وأنني وصلت الى حد لم يعد ممكنا انتظار الأكثر:
- اذن البيت مسكون
- مسكون.. يا الهي .. من قال ذلك.
- كلامك عما تراه يؤكد ذلك
ليتني لم أخبره بالقصة فقد أضاف الى همومي هما جديدا بقوله " مسكون" وهل أجرؤ بعد ذلك بدخوله مهما كان ..
- وماذا أفعل يا عم..
- أنصحك ببيعه.
- ولكن حرام أن أبيعه لأناس ثم يكتشفون أنه مسكون
- وحرام أيضا أن تفقد عقلك وأنت بعز الشباب
- أفضل أن أتركه مغلقا على أن أخدع أحدا بشرائه
- يا سيدي المحامي أبو النجا يتمنى شراءه لماذا لا تبيعه اياه.. ما لك نصيب به ..بيعه أحسن لك.
- لا يا أبو عادل طالما انك أنت تقول لي أنه مسكون فكيف أبيعه لأبي النجا حتى لو بقي مغلقا طول العمر
- والله يا ابني انت حر بس دير بالك على حالك.
أبيعه.. يا حرام.. ويا للأسف..على العموم بعد تفكير وبعد استشارات مع الأهل والأصدقاء لم يكن بيدي الاّ أن أبيعه ولكنني قررت ان لا أبيعه لعائلة وسأنتظر الى أن تتوفر شركة أو مؤسسة أو أي مجال آخر ..خشيت أن أبيعه لعائلة فيظهر شبح أبو خالد لأحد الأولاد أو أن يحدث لهم ما يحدث لي ..
عدة أشهر مضت وجاء من يخبرني أن أمانة المدينة تبحث عن بناية تصلح موقعا لمكتبة عامة ترغب اضافتها الى الحي..
المراجع
الكاتبة آسيا عبدالهادي
التصانيف
روايات آسيا عبدالهادي لا أنساها (نهائي)