ليس كافياً أن نعرف أحداث السيرة النبوية ووقائع ظهور الإسلام وانتشاره، لنفهم تاريخ الدعوة ونستفيد منه. فتعقيباً على تعليقات حول مقالي السابق عن مسلسل "عمر"، أفادت بأن ليس هناك ما يمكن إضافته على أحداث السيرة في مثل هذا العمل الدرامي التاريخي، أود أن أؤكد أن ثمة اليوم ما يمكن إضافته فعلاً، من خلال قراءة نقدية للتاريخ، تتجاوز النكاية بمشركي قريش، بغية تكوين فهم أكثر عمقاً وفائدة لكيفية تكوّن الدولة الإسلامية الأولى.
اليوم، في ظل الربيع العربي، يمكن القول إن ثمة تشابهاً تاريخياً ما بين الثورات الشعبية الطامحة إلى الديمقراطية والتخلص من الاستبداد، وثورة الإسلام في مكة، والتي سعت إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور، فكانت ثورة الحق على الباطل، والعدل على الظلم:
1 - لقد كانت ثورة الإسلام بمثابة "ثورة من داخل النظام" السائد في قريش يومها، وليست ثورة من الخارج، وكان همّها تغيير النظام بغية تحقيق مصالح الناس (الدنيوية والأخروية)، وإقامة العدل بينهم. ولأنها ثورة من الداخل، فقد انضم إليها سادة من قريش، كان لهم دور حاسم في إنجاحها (منهم عمر بن الخطاب)، كما انحاز لها قادة آخرون لدوافع النسب والقربى، كحال أبي طالب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم. هنا، تبدو الحالة واحدة اليوم في ثورات قامت من دواخل الأنظمة العربية، أو استجاب لها قادة في هذه الأنظمة، فنجحت في إنجاز مهامها بسرعة، وغيّرت أنظمة الحكم، لكنها لم تغيّر شكل الدولة، ولا ما استقر فيها من بنية اجتماعية واقتصادية، ولم تكن ثورات شعبية خالصة.
2 - بدأ انتصار ثورة الإسلام منذ شكّل نظام حكم بديل في المدينة المنورة، ذلك أنه تمكن من يومها من إعادة ترتيب جموع المسلمين، وإعطائهم صبغة قتالية قامت بمواجهة النظام القديم الذي كان قد لجأ إلى القوة منذ البداية، وذلك في معارك حاسمة، في "بدر" و"أحد". وهو أمر لم يكن ممكناً طيلة الفترة المكية التي لم يتبلور فيها نظام بديل عن الذي يمثله سادة قريش، جاهز للقيادة. الحال نفسها تتبدى في ثورات الربيع العربي اليوم، في الدول التي لجأت فيها الأنظمة القديمة إلى القوة في التصدي للثورة، كما في ليبيا وسورية، إذ لم تتبلور نجاحات هذه الثورات حين كانت سلمية، وظهرت نجاحاتها حين لجأت إلى حمل السلاح، والقتال، لتحقيق أهدافها.
3 - تكرّس انتصار ثورة الإسلام مع ظهور الانشقاقات في نظام قريش في مكة، ودخول المنشقين في الإسلام، واعترافهم بشرعيته نظاماً للدنيا والآخرة. ولهذا بالضبط تمثل "الهجرة" قيمة كبرى في تاريخ المسلمين، حيث جرى الحثّ عليها وقتها وإبراز فضلها. بالطبع، فإن ثورات الربيع العربي التي نجحت، لم تكن لتنجح لولا تواصل الانشقاقات في الأنظمة القديمة لصالح الأنظمة الجديدة؛ فكانت الأولى تتداعى، والثانية تتعاظم وتشتد.
4 - بعد انتصار ثورة الإسلام، بات النظام القديم يُذكر بإدانة شاملة، وهكذا سمي بـ"الجاهلية"، حتى من الذين تمسكوا به إلى أن زال تماماً مع فتح مكة. وليس ثمة في دول الربيع العربي اليوم من يذكر الأنظمة القديمة بخير، فحتى الذين يدعون إلى الرأفة برموز الأنظمة القديمة، يؤكدون أنها كانت مخطئة، وتستحق التغيير!
هكذا، لا بد أن ثمة قراءة معاصرة مفيدة للتاريخ، كان يمكن تقديمها، سواء من خلال مسلسل "عمر" أو غيره، تتجاوز اجترار المحفوظات وتكرارها، لأن ثمة جديداً فعلاً في حاجات الأمة، وفي منجزاتها، وفي علاقتها بالتاريخ. كان يمكن في زمن الربيع العربي أن نفهم أن ثورة الإسلام بدأت بـ"ربيع قريش" الذي انتقل بمكة من الظلمات إلى النور، وأن الأمة قادرة دائماً على النهوض، ما وجدت طريقها إلى الربيع، والعدل، والنور.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد