بدأت الدورة الجديدة من معرض عمّان الدولي للكتاب، قبل أيام، بمشاركة عدد وافر من المشتغلين بالثقافة في بلدنا من روائيين وشعراء وباحثين ومترجمين وكتّاب في حقول أخرى، وناشرين يتولون مهمة تقديم ذلك الإنتاج الكتابي للقرّاء، وصحفيين يتصدون لنقل الحدث إلى الناس ونقده، ثم قرّاء مستهدفين أصلاً بكل ذلك العمل الثقافي؛ كتابة، ونشراً، وتنظيماً للمعرض، وتسويقاً له.
ذلك ليس كل شيء طبعاً؛ فقبل الوصول إلى الكتاب المنشور، ثمة عملية ثقافية طويلة، وربما معقدة، تجري في الساحة الثقافية، ابتداءً من التخطيط الثقافي، وصولاً إلى تنفيذ فعاليات ثقافية معينة، لجمهور معين، ولغايات معينة أيضاً.
لكن هذه الغايات المعينة، ربما تكون ثقافية همّها تقديم المعرفة وتطوير السلوك الفردي والاجتماعي، وربما لا تكون، فقد تكون أيضاً اقتصادية تجارية الطابع، وليس في ذلك عيب في ذاته، لأنه يندرج في إطار التعاطي مع صناعات ثقافية، أي إنتاج مواد ثقافية يستجلب بيعها للجمهور ربحاً مالياً، وهكذا فقد يستثمر فيها مستثمرون ليسوا من المثقفين، كما يستثمرون في أي مجال ربحي آخر. أما العيب، فهو أن تُقصد تلك الغايات المعينة، بدون تخطيط مسبق، واضح، علمي، موضوعي؛ لأنه ساعتها لن يخدم الاقتصاد، كما لن يخدم التنمية الثقافية، أي تطوير المجتمعات على صعيدي المعرفة والسلوك، لأن مجال الثقافة سيكون ساعتها مجرد "سبّوبة"، أي مجالاً للاسترزاق بدون غايات كبرى.
والاسترزاق يستجلب بالضرورة سلوكيات مشينة، تسيء لمجال العمل كله، الذي هو هنا "الثقافة". ومن ذلك: الفهلوة، أي عدم التعامل بمصداقية مع الآخرين، وعدم إتقان العمل، وعدم التمييز بين المنتج الثقافي الجيد، وذاك الضعيف والمتهافت.
في مجال الكتاب، مثلاً، ثمة كتبٌ ليست كتباً موجودة اليوم على الرفوف ومعروضة للجمهور. أما السبب، فهو أن ثمة من يمارسون الفهلوة في مختلف مجالات العملية الثقافية: ثمة من يكتبون بدون أن يتوفروا على موهبة الكتابة، بما تنطوي عليه من تفكير ثم قدرة على التعبير السليم. وثمة من ينشرون بدون أن يتوفروا على مهارة صناعة النشر والقدرة الطبيعية على التمييز بين الكاتب الجيد والكاتب الذي ليس كاتباً، قبل نشر كتابه ووضع شعار دار النشر على غلافه. كذلك، فإن ثمة من يمارسون الصحافة الثقافية بدون أن يتوفروا على براعة العمل الصحفي التي تؤهل صاحبها لأن يكون موضوعياً وحكيماً ومقنعاً لقارئه. وقبل ذلك كله، فإن ثمة من يمارسون الإدارة الثقافية، في القطاعات العامة والأهلية، بدون أن يتوفروا على قدرات التخطيط الثقافي الاستراتيجي، التي تملأ صاحبها برؤية واضحة لغاية استراتيجية نهائية، يجهد في رسم مسارات الوصول إليها.
هكذا، فكما أن ثمة دخلاء على كل المهن والحرف، دخلوها ليسترزقوا، فإن ثمة دخلاء على الثقافة، جاؤوها لـ"يتسببوا"! وهذا طبيعي حين يكون الذين يبحثون عن سبّوبة مجرد قلة موجودة على هامش المشهد الثقافي، لكنها تكون مشكلة حقاً حين يكونون أكثرية!
إذ حين يكونون أكثرية، فإن الأقلية التي تتوفر على مهارة الكتابة، وجودة النشر، وبراعة العمل الصحفي، وحُسن التخطيط الثقافي، سيدفعون ثمناً باهظاً؛ إذ تختلط الكتب الجيدة المتميزة بكتب الآخرين غير الجيدة، ويصيرون كلّهم "كتّاباً"، وتضيع منتجات الناشرين المتقنين في بحر النشر الرديء، فتتأثر سمعة صناعة النشر كلّها. ويتلقى الصحفي الجيد مشاغبة من الدخلاء على المهنة، حتى يُقال تعميماً إن الصحفيين كلهم يفعلون كذا أو يتصرفون كذا. ويتلقى المشروع الثقافي المخطط له جيداً ضربات ممنهجة من هؤلاء "المتسببين" الذين لا يعنيهم مشروع ولا ثقافة، سوى أن يحلبوا منه المال، فإن أخذوه رضوا حتى وإن لم يتقدم مجتمعنا خطوة، وإن مُنعوه غضبوا وشاغبوا و"تنطنطوا"، حتى وإن كان سبب المنع أن الثقافة ليست "سبّوبة"!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد