ستظل حادثة استاد بورسعيد الأليمة، التي وقعت عقب مباراة كرة القدم بين فريقي "الأهلي" و"المصري" في الدوري المصري، وراح ضحيتها 74 قتيلاً وأكثر من 200 جريح، معظمهم من القاهريين الذين تعرضوا لضرب مبرح بآلات حادة استهدفت منطقة الرأس على وجه الخصوص، على أيدي بورسعيديين غاضبين، ستظل مثالاً بارزاً على معنى "الحرية غير المسؤولة" لدى مجتمعات لم تعرف الحرية يوماً، ولم تفهمها إلا انفلاتاً من القانون، وتخريباً للنظام العام، والممتلكات العامة، والمال العام، والحريّة العامة، وكل ما هو "عامّ" لا صاحب معروفاً له.
ستظل تلك الحادثة مثالاً بارزاً على مظاهر سترافق بالضرورة كل ثورة يقوم بها مناضلون يحملون مشاعر نبيلة، ويقدمون تضحيات نبيلة، ليوفروا لوطنهم ما يساعده على تحقيق أحلامه النبيلة، ما دامت الثورة لا تتوفر على آليات كافية لفرز الأغلبية التي تحمل مشاعر نبيلة، عن الأقلية التي تحمل عكسها، وتعيث فساداً في الأوطان، قبل الثورة وبعدها، وفي ظل أي نظام سياسي قائم، سواء بالقتل وسفك الدماء، أو بالسرقة والتخريب وتهديد السلم العام، مدفوعة بتعريف يعتبر انتهاك القانون بطولة وشجاعة.
ستظل تلك "الأقلية" بمثابة جرح غائر في جسد الثورة الطاهر، لأنها جرحٌ لكل زمان، ما لم تلتفت الثورة لها، وتدرك أن عليها التخلص منها، بعد فرزها وتعريفها. غير أن ما لمسناه في مصر خلال الأيام التالية لحادثة استاد بورسعيد لا يشي بأن الثورة فهمت ذلك الدرس، واعتبرت بدماء القتلى الذين فاق عددهم عدد قتلى واقعة "الجمل"، كما قال أحد المعلقين المصريين في تلك الليلة الحزينة.
لقد طغى ميلٌ لاعتبار أن الحادثة نتجت عن تدبير مسبق، استهدف مشجعي النادي الأهلي بسبب مواقفهم المساندة للثورة، وهتافاتهم المناوئة لحكم العسكر، وسيق لإثبات ذلك أدلة عدة: أن الشرطة وقفت موقف المتفرج، وأن بوابات الاستاد المخصصة لمشجعي الأهلي لم تُفتح مباشرة، وأن مدير أمن بورسعيد غاب عمداً عن المباراة، وغير ذلك من براهين يلزمها، لو كانت صحيحة، أن يتآمر مئات من الناس لتنفيذ الحادثة، ويتكتموا على سر خطير كهذا، وهو ما لا يمكن أن يقبله عقل أو منطق.
ربما يمكن القول إن الحادثة وقعت نتيجة مشاعر ثأرية موجودة سابقاً في النفوس، وجدت مجالاً للتنفيس عنها على أيدي فئات غوغائية تحركها العصبيات، ليس غريباً أن تتواجد في ملاعب كرة القدم، بعد أن زادت درجة الاحتقان نتيجة مشاحنات ومصادمات وقعت قبل وأثناء المباراة، بخاصة بعد رفع يافطات حملت عبارات اعتبرها البورسعيديون مسيئة لـ"رجولتهم".
عند هذا الحد، يكون على الثورة أن تعترف بأن الوصول إلى الحرية المسؤولة التي يحميها القانون، يلزمه الإسراع في تلبية متطلبات احترام القانون، لأن ثمة في مجتمعاتنا التي لم تعبر سياقاً تاريخياً موضوعياً نحو الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، أقلية كبيرة (!) لا تفهم أن الحرية لا تشمل ممارساتٍ ما قبل مدنيّة، مثل الثأر، والعصبية المناطقية.
وهذا بالطبع، يستوجب مغادرة "نظرية المؤامرة" التي تنسب كل حادثة همجية لكائنات وهمية لا وجود لها، حاكت مؤامرات لا مجال موضوعياً لها. لقد كان ممكناً تفسير شيوع نظرية المؤامرة في زمن ساد فيه التضليل الإعلامي، وقيّدت فيه حرية التعبير، وحوصرت فيه المعلومات. أما وقد تبدد في ظل الثورة كل تضليل وتقييد، فإن القول بفكرة المؤامرة لم يعد مبرراً، إلا إذا كانت الثورة نفسها وهمية وغير حقيقية، وأن النظام السابق ما يزال يحكم بشكل جديد، كما يردد بعض من لا يريدون إبصار الحقيقة.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد العلوم الاجتماعية